عن الطفولة في بلدي

    عبد المجيد قاسم
  mejeed40@yahoo.com

   ثقيلة كانت اللحظات ونحن ننتظر، رغم أنها قد لا تأتي الكهرباء أو قد تأتي، عندما طُرق الباب في غمرة الظلمة، وإذ بأحد الأطفال من ساكني المدرسة المجاورة الجدد، يطلب بإلحاح إسكات جوعه، وقبل أن أقوم بتلبية حاجته سألته.. عن صفه، عن أصدقائه وألعابه، وعن أحلامه التي أصبحت في مهب الخوف. ربما لم يجد هو نفسه إجابات مقنعة لأسئلتي، إذ كل شيء بات في غيابة المجهول. حزنت لأجله، ولأجل الطفولة بأسرها. وتساءلت في نفسي أهكذا أصبح حال الأطفال والطفولة في بلدي، أهكذا أضحت هذه المرحلة التي يميزها المرح والتلقائية، وذلك العالم الساحر الذي يضج بالحيوية والانطلاق.. والثروة المدخرة التي أدركت الأمم المتقدمة بل العظيمة أهميتها وقدرتها حق قدرها، فعملت على إنفاق الأموال وبذل الجهود في سبيل الارتقاء بها, بدءاً بتأمين احتياجاتها الانمائية الأساسية، وليس انتهاءً بتهيئة الظروف والإمكانات المثلى للتعليم والتثقيف والترفيه.
 يقول “هارولد كوشنر” في كلمة تعبر ببساطة عن أهمية الأطفال ملائكة الأرض في الحياة: (طفل وليد دليل على أن الله سبحانه يريد للحياة أن تستمر.) 
   عندما كنا نكتب عن عالم الطفولة وعن اهتمامات الأطفال ومشاغلهم، ونبحث في مجال ثقافتهم وأدبهم وفنونهم، إنما كنا نهدف الارتقاء بقدراتهم، وتنمية إحساسهم بالعالم من حولهم.. أيامٌ أستذكرها بشغف ومعها الأحلام بجهود متواضعة سعينا من خلالها تقديم أشياء مفيدة لهم، تمكنهم من مواجهة المستقبل بشكل من أشكال الثقة والاطمئنان، وتعودهم على أساليب الحوار والمشاركة والعمل الجماعي. من تلك الأحلام مجلة تتوجه لهم بلغتهم الأم؛ تلك المتداولة في البيت والشارع فقط، أو حتى عدة صفحات في مجلة أدبية ترصد احتياجاتهم وتتناول بعضاً من متطلبات بناء شخصياتهم. عندما كنا نكتب؛ لم نكن نعلم بأنه سيأتي يوم نشعر فيه بالخجل إذا استمرت أقلامنا في الكتابة هكذا.. إذ أصبحت مشكلاتهم أكثر عمقاً واتسعت الهوة التي تفصلنا عنهم. كنا نكتب عن الخجل والغيرة والكذب، ومشاهد العنف التي يشاهدون الكثير منها في بعض وسائل الإعلام، فإذ بهم اليوم يعيشونها بكل التفاصيل. ولم يعد طفلنا يرسم عصفوراً، أو  شجرة، أو صحن فواكه إذا طُلب منه أن يرسم، بل جندياً أو مدفعاً أو بندقية. لقد أصبحت غايتنا كمربيين وآباء مجرد الحفاظ على حياتهم، مستبدلين كل ما خططناه لهم مقابل هذه الغاية. لم يعد مهماً زيارة مدينة الملاهي أو ممارسة نشاط فني أو رياضي أو ثقافي، وأصبح الشغل الشاغل تأمين الخبر وكأس الحليب، وشمعة يشعرون على ضوئها بقليل من الطمأنينة، باختصار أصبحنا نبحث في مفردات إنسانيتهم.. حقاً أصبحنا مقصرين في أداء واجباتنا تجاههم، أقلها في الاستفسار عن تعليمهم وهو في مرحلة التأسيس، والسبب أننا لم نعد نملك المتسع من الوقت، وبات علينا إنجاز كل شيء بساعات معدودة في اليوم، والنوم الإجباري في ضعفهن بأحسن الأحوال. بل أن كثيراً من الأسر أوقفت مشاريع الإنجاب خوفاً، إذ كيف بها تأمين احتياجات وليدها، أقلها شيء من الدفء.. ناهيك عن الدفء العاطفي المتراجع تحت ضغوط تأمين مستلزمات البقاء. هكذا يمضي بنا الوقت نحن السوريين دون أن نشعر ببهجته، لا يسعنا إلا أن نحصي الأيام والأسابيع على أصابع الانتظار والترقب.. ترقب ما يحمله مستقبل مجهول يتربص بنا وبأطفالنا. 
   سمعنا كثيراً عن أوضاع مأساوية عاشتها الطفولة في أماكن ساخنة من العالم خلال فترات معينة، سواء بفعل الحروب أو الصراعات أو الكوارث الطبيعية، وكيف عاش الأطفال على وقعها.. هذه الفئة الأكثر تضرراً جراء تلك الأوضاع، بحكم ارتباطهم بظروف البيئة الاجتماعية والاقتصادية وبالواقع السياسي عموماً. وتماشياً من الحقيقة التي تقول أن البيئة الغنية بالمثيرات المؤلمة تعيق ترقية وجدانهم وتخلق لهم مشكلات نفسية وسلوكية عديدة في المستقبل. وقد أشار تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة “اليونيسيف” في إحدى تقاريرها أن ما يزيد على مليار طفل حول العالم يواجهون ظروفاً صعبة تحرمهم من طفولتهم بسبب الفقر والحرب والمرض.. وأن أكثر من هذا الرقم محرومون من إحدى سبع خدمات أساسية هي: المأوى والماء والتعليم والمعرفة والغذاء والرعاية الصحية والصرف الصحي. كما أشار التقرير إلى أهم العوامل التي تتسبب في معاناة الأطفال حول العالم، وهو الحرب، وإلى الأرقام الهائلة للضحايا الأطفال خلالها. ناهيك عن أخطار أخرى تهددهم، كالتشرد والنزوح والإعاقة وغيرها. (عندما يكبر نصف أطفال العالم في ظل ظروف الجوع والمرض، وعندما تصبح المدارس أهدافاً عسكرية، وعندما تخلو قرى بأكملها من السكان بسبب الإيدز، نكون قد فشلنا في تنفيذ الوعد الذي قطعناه على أنفسنا للطفولة.) الكلام لـ”كارول بيلامي” التي ترأست “اليونيسيف” لفترة ما. حدث ويحدث كل ذلك رغم جهود العالم في إصدار وإقرار العديد من المواثيق المتوالية بشأن الطفولة‏، والتي كانت أهمها (اتفاقية حقوق الطفل) التي مرت بمراحل متعددة، إذ تبنت “عصبة الأمم” في عام 1924م ما سمي بـ “إعلان جنيف الخاص بحقوق الطفل” وكان هذا الإعلان بمثابة أول وثيقة دولية تؤكد على مسؤولية كل دولة عن حماية أطفالها وضمان حقوقهم. ثم إشارة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م إلى حق الأطفال في الرعاية الخاصة. ثم إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة نسخة أكثر تفصيلاً لإعلان جنيف. ثم تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة (اتفاقية حقوق الطفل) في عام 1989 ذات الـ 54 بنداً، واعُتمدت لتصبح أول اتفاقية دولية ملزمة قانوناً. ووفقاً للإعلان يتمتع كل أطفال العالم بالحقوق المقرَّرة فيه. وأكدت مواد الاتفاقية على أن تحترم الدول الأطراف جميع الحقوق، وأن تضمنها لكل طفل يخضع لولايتها، بغض النظر عن اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل القومي أو الإثني أو الاجتماعي، وأن تتعهد باحترام حقه في الحفاظ على هويته. إن مرحلة الطفولة بلا شك هي أهم مراحل حياة الإنسان، وذات التأثير الأعمق في تكوين شخصيته بكافة جوانبها الانفعالية والقيمية والاجتماعية. وهي كمرحلة أساسية ومستقلة لها قيمها ورغباتها وحاجاتها، مثلما للأطفال حق تأمين الوسط الآمن، وإشاعة أجواء الصحة والسعادة، وحق الحصول على كافة الحقوق، الأمر الذي يسهم في تحقيق وحدة شخصياتهم وانطلاقها، ويعدهم للتفاعل الإيجابي مع المجتمع ومتغيِّراته.. وبالوقت نفسه في تحقيق أحلامنا فيهم.. طفولة سعيدة يملئها الأمن والسكينة، ومستقبل زاهر يكلله النجاح والتفوق.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…