هوسْتَه حسَنْ

سليم عمر

لم يكن له عهدٌ بالنساء إلا ما ندَرَ، فقد كان جُلُّ زبائنه من الرجال ، يتوافدون عليه في كل وقت ، يسألونه عن محاريثهم :
ـ ( عزيزي هوسْتَه حسن ، كما ترى ، تكسّر مرة أخرى ، هلا أصلحته ؟ فديْتُك ، أصلحْه اليوم ، الشتاء على الأبواب ) .

كانت هذه الجمل ، تضرب أذنيه مع حلول الخريف ، و إلى أن ينتهي . يدخل عليه الرجال صباح مساء من القرى المجاورة لمدينة ديريك * ، و قد امتقعتْ وجوههم ، و نزل العرقُ غزيرا على جباههم ، فانحدر على الأجساد النحيفة حتى ملأ الخِفاف ،
و كثيرا ما كان الألم يعْصرُ صدره ، و هو يتأمل سَحْناتهم التي أحرقتْها الشمسُ ، يأتون إليه ، و قد انحنتْ ظهورهم ، يحملون إليه محاريثهم التي تكسَّرت في أرض ، امتلأتْ حجَراً ، لقد عملوا ما وَسعَهم في تنظيف حقولهم الصغيرة من الحجارة ، و مع ذلك فإنهم في كل مرة ، يعثرون فيها على ما يكفي ، لأن تحطّم هذه المحاريث الخشبية، لم تكن تجد أرضا خلَتْ منها تماما ، بل إنهم كانوا ، يعتقدون ، أن الحجارة تتكاثرُ في الربيع ، تماما كما يتكاثر النبْتُ، و في الحقيقة فإن الأمر ، لم يكن كذلك ، إذ أنَّ تلك الحجارة و بعض الصخور التي اختفتْ بين أثلام الفلاحة سرعان ما كانت تبرزُ من جديد ، و يلتمعُ سوادها ، و قد أزاح عنها مطرُ الشتاء ما علِقَ بها من تراب .
كانوا يلحّون عليه ، أن يُصلح المحاريثَ لحظة قبل أخرى ، و مع أنهم كانوا يعتقدون أنهم بتوسّلاتهم تلك ، سيحصلون على مبتغاهم ، إلا أن ذلك ، لم يكن ينفع في شيئ ، فقد تعلّم من والده ، أن لا يقدّم أحدا على أحد ، و إلا فقَد ثقة الجميع . كان يُلقي نظرة على المحراث ، ثم يحدّد الأجْر  ، و الزمن الذي يحتاجه لإصلاحه ، و لذلك فإن الذين كان لهم عهْدٌ به ، لا يساومونه في شيئ ، حتى أن البعض منهم كان يسأل فقط عن اليوم الذي سينتهي فيه من إصلاحه ، كانوا أحيانا يتندرون فيما بينهم ، فيقولون فيه : ( هذا الغصنُ من تلك الشجرة) .
كان يُسعده أنهم يشبّهونه بوالده ، فلم يكن يصدّق نفسه ، أنه سيملأ الفراغ الذي خلفه والده وراءه ، أو أنه سيتمكّن من أن ينهض بالحِمل الذي تركه له ، أو أنه سيقضي العمرَ ، يصلح في هذه المحاريث التي تتوافد عليه محطّمة ، فقد كان يمنّي النفس دائما ، أنه سيأتي يوم ،يضع فيه حقيبة المدرسة على ظهره ، و أنه سيكون له شأن آخر ، إنه لا يصدّق حتى اللحظة ، كيف أن كل أحلامه قد ضاعتْ ، كيف حدَث ، و أن مات والده ، فقد كان ممْتلئا قوة ، و طموحا ، و أملا، كان ذلك في الشهر الأخير من الخريف  ، و قد كان أمامهم بالكاد عملُ ساعة ، ثم يتوجهون إلى المنزل لتناول طعام الغداء ، حين بدرتْ منه التفافة إلى والده ، فوجده ، و قد وضع منشاره جانبا ، وانتصب بقامته المديدة ، و هويحاول أن يتنفس بعمق ، ثم نادى عليه بكلمات متقطعة :
 –  يا حسن . إن صدري يتمزّق . أسرعْ إلى عمّك رمزي .
و قبل أن يفْهم أيّ شيئ ، هوى والده إلى الأرض . زاغتْ عيناه في الفراغ ، و انتفض جسدُه كما لو أنّ رأسه قد قُطِعت ، و راحت يداه و قدماه ، تتحركان في كل اتجاه ، و خرج الزبد من بين أسنانه . أسْرعَ إليه مذعورا ، يحاول النهوضَ به ، ثم تركه فأسرع إلى الباب ، ثم عاد إليه ثانية ، فناداه بصوت مختنق ، ثم ركض إلى الباب يستنْجدُ ، و عندما التفّ عليه القومُ ، كان والدُه قد مات .
مات هوسْتَه رشيد ، و ترك له أما و أختين ، و جرْحا لا يندمل ، كان أكثر ما يحزّ في نفسه ، سحابةُ الحزن التي لم تعد تفارق وجه أمه ، و ركونُها خلسة إلى إحدى زوايا المنزل ، كلما خلا لها البيتُ ، تذرف الدمع ، لم يجفْ لهاجفن ، لكأنما كانت تغرف الدمع من بحر . فاجأها في إحدى المرات ، فأسرعت إلى كُمّ ثوبها ، تمسح به ما تبلل من وجهها ، و حين هدأت منها الحُرْقة ، رفعت إليه رأسها ، و قالت :
ـ هوسْتَه حسن ، فديْتك ، وقع الحِملُ على ظهرك . ليس لنا أحدٌ غيرك . كل الذين تعرفهم غارقون في همومهم . لا تخيّب أملنا فيك .
و امتلأت مقلتاها مجدّدا دمعا . أصابته قشعريرة في جسده ، قفّ شعرُ رأسه . أول مرة تنعته أمه بهذا اللقب . كان زبائن والده يتندّرون به أحيانا فيلقبونه ( هوسته الصغير ) أما أمه فتعني بذلك شيئا آخر . لم يستطع أن ينطق كلمة واحدة ،اقترب منها ، فقبّل يدها ، و خرج ، لم يكن وقتها يحتاج إلى مزيد من التفكير ( هناك عمل كثير ينتظرني في المشغل ) .
و ترك كل شيئ خلفه ، رفاقَ الحي ، و أمسياتِ الصيف ، و فريق الكرة . في البداية كان يعتقد ، أن السنوات السبع التي لازم فيها والده المشغل ، ليست كافية ، لأن يتقن كل ما له علاقة بالمحاريث ، صنْعُها ، و إصلاحها ، إلا أن شعورا من الراحة ، بدأ يداخله ، و قد باشرَ العمل بمفرده ، لا بل إن ذلك الشعور ، كان يزداد مساحة ، و هو يتذكر كل شيئ ، قام به والده ، ولميكدْ يمرّ وقت طويل ، حتى نسي لحظات التردّد التي كانت تنتابه ، و هو يفتح باب المشغل في كل صباح ، حتى إنه أَلِفَ اللّقب ، وَ وجده ليس كثيرا عليه .
ألقى نظرة على دفتر مواعيده ، فوجد ، أن عليه ، أن ينتهي من إصلاح كرسي خشبي ، حملتْه إليه صديقة أمه ، و جارته في المشغل ، هو لا يُدخل غير المحاريث إلى مشغله ، فهو بالكاد ، يجد الوقت الكافي للعمل فيها ، إلا أنه ، لا يستطيع ، أن يردّ أم كامل ، وصيّةَ أمه ، و حين يجد الوقت ، فإنه يجلس إليها ، يحتسي معها كأسا من الشاي ، و كثيرا ما تحدثه عن أيام خلَتْ، ربما هي الوحيدة التي تتردد عليه ، أما ما تبقى من النسوة اللواتي ، يطرقن باب المشغل ، يحْملْن إليه ملاعق الخشب ، أو مَناخِل الدقيق ، أو مغازل الصوف ، فإنه يُصْرفهن بلباقة .
كان يطْرِق آخر مسمار في لوحة الخشب الدائرية الرقيقةالتي ، فصّلها لمقعد الكرسي بدلا من القش التالف الذي ، كان يضم أطرافه ، عندما دخلت عليه سلمى .استوى بقامته ، حمل الكرسي ، و مشى نحوها :
ـ مرحبا بك سلمى . يبدو أنك لم تعودي إلى القرية بعد ؟ .
ـ و لنْ أعود .
استغرب لهجتها ، و إصرارها .فقال مبتسما :
ـ إذاً فقد أحببْتِ ديريك ؟ .  
ـ و أهلَها أيضا . سأبقى هنا .
بدا له ، أنها كانت منْفعلة إلى حدٍّ ما ، و هي تُمْعن فيه النظر ، لكأنما تكْتشفهُ لأول مرة ، و قد انتصبت أمامه بقامتها المائلة إلى الطول ، و جسدها الممْتليئ ، و وجهها المشوب بسمرة نقيّة ، و قد استطال قليلا ، فوسّع بين شفتيها الناعمتين ، ليبرز من خلالهما خطٌ  بالكاد تتبيّنه من بياض أسنانها ، و قد انسدل من رأسها شعرُها الأسودُ الكثيفُ ، فتركته مُرْسلا ، لم يغطِّ شالُها الحريريُّ بلونه البني الفاتح غير القليل منه .
ـ أنتِ هنا لتأخذي الكرسي ؟ لقد انتهيت منه للتو .
ـ نعم سآخذه معي . إذا لم يكن لديك مانع .
ـ لا بالتأكيد . و لكن أينعمتك أم كامل  ؟
ـ كانت مشغولة ، فأتيت بدلا عنها .
ـ كما تريدين .
رفع الكرسي بيمناه ، ثم قال مبتسما :
ـ إذاً سنراك مرة أخرى ، ما دمت ستبقين في ديريك .
ـ هذا لا يكفي . أريد أن أتحدّث معك .
فاجأتْهُ بطلبها . وضع الكرسي جانبا . تطلع إلى ساعته ، فوجدها ، و قد تجاوزت الواحدة بدقائق قليلة . موعد استراحة الظهيرة ، أمه و أخواته ينتظرْنه على طعام الغداء .
ـ قولي ما تريدين . هأنا ذا أمامك .
تحركت قليلا ، رفعت عينيها إليه ، و قد صعد الدم إلى وجهها ، فأضفى شيئا من الحمرة على خدّيها ، فقالت في ارتباك واضح :
ـ هنا لا يصلح .
قال ببرود :
ـ أين يصلح إذاً ؟ …. في بيتنا مثلا ؟
زاد ارتباكها . تلعْثمت قليلا ، إلا أن الاصرار كان واضحا على ملامحها :
ـ خلف الكنيسة ، الكنيسة القديمة ، هناك فسحة صغيرة خالية في أغلب الأوقات .
احتار قليلا . لم يفهم شيئا . سكت للحظات معدودة ، و قبل أن يفتح فهمه . حدّقت في عينيه ، و قالت ، وقد ارتسمت ابتسامة مشرقة على محياها ، و كان واضحا أنها استعادت شيئا من توازنها :
ـ لا تخفْ . لن يأكلك أحدٌ .
ابتسم هو الآخر ، و بنبرة خانقة قال :
ـ  متى ؟ فردت عليه بثقة :
ـ غدا في الصباح ، و قبل أن تذهب إلى المشغل .
أزاح عينيه عن نظراتها الحادة ، تناول الكرسي ثانية ، و كمن يحدث نفسه ، قال :
ـ كما تريدين .
لم يشغلْه الموقف كثيرا ، و مع أنه فكّر للحظات فيما دفعها لأن تتحدث معه ، و لماذا اختارتْ ذلك المكان بالذات ، إلا أنه لم يجد لذلك جوابا ، و لم تأخذه الحيْرة كثيرا ، إذ سرعان ما عاد إلى نفسه ، و وجد أن عليه ، أن يعيد بعض أدوات العمل إلى أماكنها ، ليسرع الخطو إلى المنزل ، قبل أن تفتقده أمه ، فترسل في أثره الصغيرة شيرين ، فالجميع في هذا المنزل اكتسبوا دقة المواعيد من هوسْته رشيد ، و عندما يتأخر عليها دقائق ، فإنها تظل تتساءل فيما بينها ، و تسأل البنات :
ـ لم يصل هوسْته حسن بعدُ ، هلا ألقيتم نظرة على الشارع .
عندما استيقظ من النوم ، لم يكن الوقت متأخرا على ذهابه إلى المشغل ، كان لا يزال أمامه متسع من الوقت ، ليلبس ، و ليتتناول الفطورَ مع أمه و أختيه ، و تذكّر أن عليه أن يقابل سلمى ، اختلطت افكاره للحظات ، قلّب عينيه فيالفراغ ، و قبل أن يستقرّ على شيئ ، طرق مسامعه صوتُ أمه تخاطبه :
ـ هوسْتَه حسن ، فديتُك ، لا تنسَ ، أن تمرَّ اليوم  على عمّك رمزي . علمت أنه طريح الفراش منذ أمسِ .
ـ سأفعل ذلك يا أمي  ، و لكن ليس الآن ، سأذهب إليهم مساء .
كانت غيوم متفرقة ، غلب عليها البياض ، تتحرك في السماء ، فتحجب الشمس الطالعة للتو بين الحين و الحين ، و قد هبّ على المدينة رياح رطْبة ، ممزوجة ببرودة منعشة ، بينما كانت مدينة ديريك ، لا تزال هادئة في ذلك اليوم الربيعي من شهر نيسان ( أنا لا أعرف ما الذي دفعها لأن تلحّ على هذا الموعد ؟ لقد كان بإمكانها أن تقول أي شيئ في المشغل ؟ ) .
هز رأسه ، و تابع السير في الأزقة المتعرجة من الحي ( عشرُ دقائق تكفي ، لأن تشرَحَ ما تريد ، لا أستطيع أن أبقى معها أكثر من ذلك . ) و أدرك أنه يحادث نفسه ، انتابه شعور من الخجل ، و لكنه تابع طريقه ، و عندما استدار إلى الشارع الجانبي من الكنيسة ، و رفع رأسه ، كانت ابتسامتها العريضة ، تملأ وجهها ، تنتظر منتصبة القامة على حافة الرصيف ، فتركت الريح تضرب ثيابها الرقيقة ، بينما أزاحت الشال عن شعرها ، و عن عنقها ، فبدت كنبتة طرية تمايلت مع نسمة الصباح . اقترب منها ، فتحركت نحوه ، تتطلع إليه بشغف ، فقال بهدوء :
ـ هأنذا أقف أمامك يا سلمى ، قولي ما تريدين .
حدّقتْ في عينيه ، فقالت ، و الابتسامة لا تفارق شفتيها :
ـ و أنت . أليس عندك ما تقوله ؟لمْ تسألني لماذا لا أريد العودة إلى قديريك * ؟
ـ لم يخطر ذلك ببالي .
ـ ما الذي خطر ببالك إذا ؟ ألم تسأل نفسك لمَ أنتَ هنا  ؟
ـ أنت طلبتِ ذلك .
ـ و لم يخطر ببالك أي شيئ ؟
ـ سلمى أرجوك ، ليس لدي الكثير من الوقت .لديّ عمل كثير ، و علي أن أنجزه ، عليّ أن أنتهي اليوم من محراث الحاج رمّو .
ـ ليس لديك َ وقت ؟ ! محراث الحاج رمّو ؟ !! .
ردّدت كلماتِه بانفعال ، ثم سكتتْ للحظاتٍ ، و قد بدا عليها توتّرشديد ، فقد كانت شفتاها الرقيقتان ترتجفان ، بيما انطفأ ذلك البريق الساحر من عينيها ، و صعد الدم إلى وجهها ، فأضفى على سَحْنتها قتامةً ، لم يكن لها أثر قبل لحظات .
اقتربتْ منه ، و هي تتطلع إليه بشراسة ، و حين أصبحت في مواجهته  تماما ، رفعتْ يمناها عالياً ، فصفعتْهُ بكل قوتها .
ذُهل في مكانه ، و تجمّدت دماؤوه في عروقه ، خُيّل إليه ، أنه سقط من علوّ شاهق ، و أن الكون قد دار من حوله ، و قبل أن يستعيد توازنه ، خرجت الكلمات من فمها كاالرصاص :
ـ أنتَ لا تعملُ في المحاريث فقطْ ، لقد تحوّلت إلى  محراث تالف ، إنك لا تستحقُّ كل ما أعانيه من ألم ، و من حُرقة . فَقدْتُك من بين الرجال .
أدارتْ ظهرها ، و مشتْ .
وقف في مكانه مصدوما ، ألقى نظرة على المكان ، لم تقع عيناه على شيئ ، نظر في الزقاق الذي سارت فيه سلمى ، لم يرَ لها أيّ أثر ، حاول أن يتذكر ما حدث ، إلا أن ذاكرته لم تسعفه في تلك اللحظة ، كان يشعر بثقل في رأسه ، ساورته رغبة في الجلوس على حافة الرديف ، إلا أنه طرح الفكرة جانبا ، و عندما استعاد نفسهُ ، سار نحو المشغل  بخطوات رتيبة . لم يشعر بثقل الوقت في أي يوم مثلما هو الآن ، تمنى لو أن الزمن عاد إلى الوراء ، إذاً لتفادى هذا اللقاء كلّهُ ( أنا لم أُغْضبْها في شيئ ؟ ! لماذا تصرفت بكل هذا العنف ؟ ! ) .
لم يكن ذلك اليوم بالنسبة إلى هوسْته حسن يوما عاديا ، فقدْ ركِبه همٌّ ثقيل . كان ذهنه مشتّتا ، بينما كان رأسه مشدودا إلى الأرض، و كانت عيناه تجولان في الفراغ ، يسْهو لبعض الوقت ، فيتمتم بكلمات متقطعة ، ثم يعود إلى نفسه مرة أخرى . لم يكن منهارا من الداخل تماما ، إلا أنه كان يفتقد الحوية التي ، كانت تملأ جسده كل صباح ، و هو يباشر العمل ، و لذلك فقد ارتأى ، أن يُنهي فترة الصباح قبل وقتها المألوف ، و من غير أن يتطلع إلى ساعته ، ترك كل شيئ في مكانه ، و خرج .
عندما دخل المنزل ، كانت أمه منشغلة بإعداد طعام الغداء ، و حين لمحتْه ، استوت واقفة ، فبسْملتْ ، و سارت نحوه :
ـ أنت اليوم على غير عادتك ! ؟ أرجو أن لا يكون قد أصابك مكروه .
ـ لا يا أمي ، أنا بخير .
ـ إذاً عليك أن تصبر قليلا ، إلى أن أنتهي من إعداد الطعام .
ـ سأصبر يا أمي ، سأتمدّد قليلا ريثما تنتهين .
و قبل أن يمدَّ قدميه على طولهما ، و قد استلقى على الأريكة المقابلة لباب الأيوان ، جاءه صوت أمه من الغرفة الثانية :
ـ أتعرف من كان عندنا هذا الصباح ؟
ـ و من أين لي أن أعرف يا أمي ! لم يقل لي أحد .
ـ سلمى . كانت مع عمتها أم كامل ، جاءت تودّعُنا . قالت عمتُها إنها قرّرت فجأة ، أن تعود إلى القرية ، قالت إنها طوال الشهرين الماضيين ، كانت ، تؤكد على أنها ، لن تعود إلى قديريك مرة أخرى ، و أنها ، لم تكن ، تكترث لنداءات والديها لكي تعود ، و فجأة انقلب بها الحال . قالت إنها خرجتْ هذا الصباح لدقائق ، و عندما عادتْ ، كانتْ شخصا آخر ، لمْلمتْ حاجياتها على عجل ، و أصرّت على أن تعود اليوم .
جُفّ ريقه في حلقه ، لم ينبس ببنت شفة . ركّز ذهنه على كل كلمة نطقتْها أمه ، دار به الخيال في كل اتجاه ، حديث المشغل ، و موعد الصباح ، و … الصفعة التي هزت كيانه ، و لما لم تسمعْ منه أمه أي ردّ ، قالت بصوت خافت :
ـ هل نمْتَ هوسْته حسن ؟
ـ لا يا أمي ، لم أنمْ ، أسمعك .
ـ لو رأيتها ، لأشفقْت عليها ، كم كانت حزينة . كانت عيناها ، تزوغان في الفراغ ، و كانتْ تقصّرُ في الحديث ، و لو استرْسلتْ فيه ، لا نهمرتْ دموعها ، حاولنا أن نعرف منها أي شيئ ، أن نعرفَ ما الذي دفعها ، لأن تنقلب على نفسها فجأَة ، و تقرّر الرحيلَ، و لكن من غير طائل . لم نفهمْ شيئا .
و خرجت الكلماتُ من فمه هشّة ، متقطعة ، و دونما إرادة منه :
ـ أنا أيضا ، لمْ أفهمْ شيئا يا أمي .
————————————————————————————-
* هوسْته : معلم الحرفة
* ديريك  : إحدى مدن كوردستان الغربية
* قديريك  : قرية تقع بين ديريك و نهر دجلة
salimbahoz@hotmail.com
21 / 08 / 2013

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…