حسن دريعي: أيها الطفل الجميل

 ابراهيم محمود

كان عليك ألا تموت الآن أيها الـ” حسن دريعي”، وحولك تموت أشياء وأشياء: أمكنة وبشر وحتى كائنات خيال كما هو نهرك العامودي، يا أبا ” ديمة “، كان على أحد” ك” وبتاريخه :3 نوفمبر2013 ألا يشيعك وينقلك من تاريخ إلى آخر، وثمة حاجة إليك، حتى وأنت في صخبك وزبَدك، لأنني، على يقين تام، كما كنت وكما أنا الآن، من أنك كنت الطفل الجميل، وأنت في كل لفتة كل صباح تودِع أحشائك ما يقيك من زيف المتداول والمتقاول حولك.
ثمة قلة أودعتُهم ذاكرتي القلبية والروحية وأنا أنسّب نفسي قهراً إلى عالم الغربة واللجوء إلى ما وراء حدود وحدود، وكنتَ في الواجهة ربما يا الـ” حسن”، وأنا أكونن عبرك الكثير مما سمعت ورأيت وتعلمت أيضاً، حيث كنت خارج الأقنعة المعتادة.
أوّاه أيها الدريعي حسن، يا أبا الجميلة الخميلة ديمة أو ” حلا ” وكل اسم يستشرق آخر، لكم شمتَ بي رحيلك الأبدي، والمفاجئ.. أما كان في مقدورك أن تصبّر قلبك الطفلي لسنين أخر، لنعيد سيرة ” عامودا تحترق ” وثمة أكثر من عامودا تحترق في الجوار، أنت على وقع كأسك وصفاء رأسك وأنا على وقع معاينتي لبكائك الخاص جداً خلال نظراتك المحلقة صوب الداخل، وصفاء معايشتي لجنون لا ينفك يتجدد وهو يعم فضاء المكان إلى وراء غرفتك: مكتبك، خمارتك الشخصية، حضانتك الطفلية، ولادتك اليومية، متكأ روحك، وأفق انتظارك لأمل تشبثت به رغم ضراوته، كيف أجزت لروحك أن تقطع إجازتك الحياتية على غفلة من أحبتك ؟
يا الأخ الأخ حسن ..
أهو عيب إن أنا نزفت كلماتي صحبة عبرات، إن جاهرت بعينين تجهشان بدمع من نوع خاص يليق بك، كما أعرف أنا بطبعتك الخاصة روحاً ورؤيا لعالمك، حيث يتكاثر  المتسلقون بشراً بالجملة ؟ أي عيب إن صارحت عيناي مسيرة نعشك عن بعد، لأشعر أنني بالقرب منك ؟
بكيتك والله، وبالله وتالله وبرأس ماركسك ولينينك أيضاً، على طريقتي الخاصة، وأنا البعيد عنك، ويدي لا تتجاوز حدود المتر، ونظرتي لا تتجاوز المائة، حيث هزال المأمول، جرّاء عسف الانتظار، فلم يبق لي سوى قلب لا أظنه في راحة بال، وأوجاع تترى تعم الجسد، إزاء المنهار فينا نحن أكراد إله مجهول، ليس هو الله بالتأكيد، وزمن مقابل، ليس هو الزمن المعتمَد عليه بالتأكيد، بكيتك حين تغمغمَ النظر، واضطربت الذاكرة القريبة والبعيدة، وأنا أقرأ نعيك الصادم .. أيها الأخ الأخ، الطفل الطفل، الكبير الكبير، وفي الواجهة وردتك المتطاولة بضوء وداعتها ” ديمة : حلا “، وتلك الليالي التي أرخت لأحاديث وأحاديث لم يكف قمرنا الخاص عن منادمتنا، ونحن نستشرف أفقاً يسلّمنا لسواه..
أيها الكردي الأممي العامودي، العامودي الأممي الكردي، البرّي والأهلي معاً.. لكم فأجأتني برحيل لم أشأ النظر فيه، ولكنه أرغمني على الاستسلام لفحواه، أتراك استعجلت في غمرة انجراف المؤملات؟ أيها الثمل اليقظ..يا ذا الأفق الشفاف والجسور ضداً على من افتقد كل جسر له في الجوار وأبعد منه، الشاهد على حياة أحبّة في الصميم ..
أيها الراكض في عثار زمن تجشأ أيامه وأحلامه كثيراً، والمثقَل بما لا يقاس، المحامي الجميل، اغفر لي بُعدي عنك، حيث تمسد راحة يدي تراب.. ” أأقولها ؟ “: تراب قبرك ، وعيني تتمرأى في عينك الطفلية…عفوك أيها الكبير الروح، لأنني لا أستطيع حضور عزائك، وحولك ميتات وميتات، لأنني أعجز من أن أتحرك، وأنا متبلبل مما جرى ويجري..
سامحني يا أبا ديمة، سامحيني يا ديمة حسن دريعي الأثير، لأنني ممزق الروح بأكثر من معنى، وليس من ثغرة حدودية تمرّرني على الأقل، لأقف إزاء بيتك ذي التجاعيد المتراوحة بين الظل والنور، وثمة أوراق تلوّح لرحيلك ببياضها، وأنا أنقّب في طلاتك وطلعات ضحكاتك المحفّزة على الحياة، وأنا أعاينك بكامل روحي وأنت بطولك المعتدل، تودع الناس وقوفاً إلى عالم تهدأ فيه روحك، وأنا أقاوم سيل مشاعر يجتاحني حيث تتمرجح قامة ديمة مثقلة بموتك المباغت ،
سلّم على أحبّتك من الأطفال حيث تستقر أبدياً، وادع لنا بروحك فدعاء أمثالك مستجاب من إله يعنينا وحدنا: أنت وأنا وقلة قليلة جداً ممن كانوا يقيمون للكلام مآدب تحتفي بها الحياة فيما مضى ..
اعذريني يا أوراقه لأنني لا أستطيع التأريخ لآخر كلمة أو خربشة له على مراياك الثلجية !
اعذرني يا حسن الأخ لأنني باستماتة وسط التبلبل ثبتُّ هذه الكلمات، معزّياً روحي هنا .
اعذروني يا أهل دريعي الأحبة لأنني مقيّد بمكان لا أستطيع اجتيازه لأقف معكم معزياً ومواسياً لأشعر أنني لست وحيداً ..

ابراهيم محمود- دهوك3 ننوفمبر 2013

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…