الناقد الكبير الأستاذ إبراهيم محمود والمتناثرات

عارف آشيتي

الأستاذ إبراهيم ناقد على درجة عالية من العلو، لا يقاس به أحد في كردستان الغربية، فعلوه يقاس على مستوى الوطن العربي، حيث لغته الثقافية هي العربية، وهذا ليس انتقاص من شأنه. فكردستان لم تزل محتلة، وإن ساد بعض المظاهر والسيمات الكردية في شمال العراق، ولكنها تبقى محتلة. وسكان الشمال العراقي انقطعوا عن العالم ما يقارب قرنا من الزمن وفجأة تحولوا إلى ممثلين لأجزاء كردستان المقيدة بما فيها الأراضي المستقطعة من شمال العراق. نظرا لهذا يبقى الأستاذ إبراهيم في طي النسيان، طالما القيمون على تقدير النفائس والذخائر دون المستوى. وهذا الكنز الكردي وحجته على العرب قاطبة يبقى مهملا ومرميا في زوايا شمال العراق بعد رحيل اضطراري من جزئه ليس المحتل سوريا فحسب بل المعادي للكردي والكردية حتى مخ العظام.
فهو بالرغم من براعته النقدية على مستوى وطن العرب من محيطه إلى خليج الفرس والعرب ظل متروكا يدرّس كأي مدرس ثانوي دون تقدير أو اهتمام بما يستحقه على ضلوعه في النقد عربيا. ولا يحتاج هذا إلى شرح أو توضيح. ولكن الغريب هو إهمال هذه الثروة والحجة الكردية في بقعة تظلها الراية الكردية، ويصدر فيها بحرية مقبولة عما يخص ذخائر الكرد من العظماء، يكون هذا العظيم ملقى يتناول السائد والجاري بمقالات متناثرة تنم عن مدى دونية تقدير الكرد والكردية لممتلكاتهما النفيسة.
وما يحز في القلب ويجرح الشعور مع الإحساس بالتخلف أن تحاربه فئته المثقفة هي الأخرى لتطفي سطوع أضوائه الباهرة؛ لكي تبقى هي على الساحة، متجاهلة أنه بإبرازه بما هو عليه من عظمة في الشأن، ولوم العرب على عنصريتهم في تجاهلهم إياه، بحد ذاتها هو إشهار لهم وسمو لمكانتهم في التراث العربي الراهن. وهذا دليل قاطع، ليس سكان شمال العراق الذين انقطعوا عن العالم قرابة قرن وحدهم غائب عنهم التقدير، بل من هم معاشروه وعلى دراية تامة بمكانته العظيمة يحاولون طمسه بكل ما يملكون من قوة، متعمدين أو غير ذلك. فهم بتعمدهم هذا ليسوا يسيئون إلى الكردي وإلى ذاتهم بالذات؛ وإنما يدفعون بالكردية وبفئتهم إلى أن يكونوا دون المستوى على نطاق وطن العرب والعالم أجمع. هذه التركيبة الذهنية التي ترسخت في لا وعينا منذ قرون، عامل آخر في زوال وجودنا من على وجه الأرض، لنصبح لاحقا: عربا وفرسا وأتراكا وآذريين وأرمنا وجورجيين. هذا الوطن الشاسع الذي كان في العصور الذهبية للإمبراطورية الإسلامية قلعة منيعة في وجه الطامعين والراغبين في النيل منها، إن كان ذلك في شرق الإمبراطورية أو شمالها أو غربها، حيث كان الكرد الحصن المنيع، واليوم تحاول فئته المثقفة مع غيرها من فئات الشعب الكردي المتخلف أن يطمس علما ومعلما كرديا وحجة على العرب جميعا إطفاءه وإخماد سطوعه لتذهب خدمة مجانية إلى مقتسمي كردستان، ويندثر الكردي كما اندثرت خدماته وتضحياته للمقتسمين في الوقت الراهن.
يتبين من متناثراته أنه يعلم تماما ويدرك بعمق مستوانا نحن أبناء جلدته فينثر لنا مواضيع على قدر معرفتنا تاركا نفائسه المكنونة لتنتقل معه إلى دار البقاء يوما ما بعد عمر طويل إن شاء الله. بالرغم من هذا تنتابه الثورة من الداخل ويلقي علينا نادرة من تلك المكنونات، والتي قلّما يفاجئنا بها، فتبدو باهرة أكثر من أي شيء آخر، وعميقة بعمق الفضاء الكوني، وقيمة بما يعجز عنها التقدير في تقييمها. ربما لا نقدر تلك المكنونات لكونها تعلو مداركنا بمسافات زمنية شاسعة لتبقى تقديرها رهن أجيال منا بعد عصور.
لو أننا قدرنا ما هو عليه هذا العلم الساطع، لكانت العرب اليوم له مدينين ورافعين شأن الكرد وفي المقدمة شأن شريحته المثقفة، ولكن تبقى هذه الشريحة ضمن محدودية الذهنية الكردية المتراكمة على مر العصور وبشكل مدروس، فهي من تساعد في طمس معالمها وطمر نفائسها قبل أعدائها لتبدو خاملة متخلفة غير جديرة بالاهتمام.

هذا نحن، وهذا ما نجز به مكنوناتنا في الوقت الراهن.
—————————————

عارف آشيتي ashityarif@gmail.com

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…