من شارع «الكهريز» إلى بنغلاديش

 إبراهيم محمود

لا شبهة في العنوان، إنما هي برهة من التاريخ الكردي الشفاهي والقريب جداً. إذ لمن يعلم من أهل قامشلو، يعتبَر شارع ” الكهريز ” الشارع ” النجم ”  ومنذ عقود مديدة، والأشهر في الحي الذي يستقبل القادم من جهة ” الحسكة: المحافظة السورية المعتبَرة “، وعلى اليمين، ولكن، وكما أن المعنى للكثيرين” كما أعتقد ”  هو مثار تعليق، وهو ليس كذلك تماماً، هكذا هو الحال الذي يخص اسم ” بنغلاديش ” أكثر من سؤال عن حقيقة ارتباطه بـ ” الكهريز “. ببساطة: شارع الكهريز هو الذي يصل ما بين شارع السياحي شمالاً والكورنيش جنوباً، والكورنيش هو اسم الحي الذي حل رسمياً محل ” بنغلاديش “. إنما ثمة سياسة تعني سريان فعل الاسم !
كانت سكناي في الحي الذي كان عبارة عن بضعة بيوت متناثرة في مطلع سبعينيات القرن الآفل، وكان يُسمى بـ ” حي المطار ” وقتذاك، فقد كان الأقرب إلى المطار القديم تاريخاً، وفي الحي الذي شهد نزوحاً لافتاً من الريف، وحمَّى عمران، إذ ما كانت الرُّخص موجودة أو تعطى بسهولة، حيث الحي لم يخطط بعد، لقد كان زراعياً ببساطة، ولمن يعلم، وجد النازحون الكرد كثيراً وهم يعمّرون دون ترخيص ” بالقجغ “، ولم تخل المواجهة بين العمران العشوائي الحاجياتي والبلدية من قصص وحكايات طريفة ومفجعة، حيث الرشاوى ” أخذت مجدها ” كثيراً، ونجاعتها بالمقابل، إلى جانب استمرار النازحين في البناء بغية الاستقرار في المدينة : قامشلو لأكثر من سبب، وكانت المنطقة خضراء، وشارع ” الكهريز ” هو الوحيد بصرفه الصحي في الحي، وأطلِق اسم ” بنغلاديش ” على الحي، أما المغزى، فهو أن ” بنغلاديش ” في مطلع سبعينيات القرن الماضي استقلت عن باكستان، كما لو أن البناء اتخذ صفة مقاومة وسعي إلى الاستقلال. أرأيت مدى إرادة المقاومة وحنكتها لدى كرد الحي وقتذاك، وكمثال طبعاً؟ أعني مدى اهتمامهم بما كان يجري في العالم وكيفية التعبير عن الهوية والتشبث بالذات والمكان ..لاحقاً، يأتي الاسم: الكورنيش وكان هناك اسم آخر وهو ” شدوان “، تصوروا مفارقة الاسم لمن يجهل لغة الضاد ولديه لغته المغايرة، حال أسماء كثيرة وكثيرة في هذا السياق ؟ وليصبح الكورنيش الاسم الرسمي كما هو معلوم.

ثمة عدة مفارقات لا بد من التوقف عندها:

الكهريز: أو الكاريز ” تذكروا أن الكلمة دالة على نوع من العطور، عطر حلاقة مثلاً  ! “، والعطر مستخلص من زهور طبيعية، ثم ليجري اصطناعه، والكهريز هو في الأصل مجرى مائي، نبع ما، يستفاد منه للشرب والغسيل معاً، وللعلم، فإن الحي الذي سكنته وقتذاك كان يكفي المرء حفر عدة أمتار، وفي بعض الجهات متر واحد ليبلغ الماء الزلال، لأن المنطقة كانت منطقة ينابيع، قبل ذاك الوقت، كما الحال مع ” mêrga Hilko ” الذي كان مرجاً غزيراً بينابيعه الصافية والباردة وقصبه” ولكم شربت من مائها هذا الذي كان يرفد نهر ” خنيس ” الذي علّمني السباحة جيداً.
بقي الكهريز باسمه المجروري ” للصرف الصحّي ” ويختفي الكهريز: الماء العذب الزلال، مثلما أن بنغلاديش تتنحى بالقوة، في المسطور طبعاً، ليحل محلها اسم مثير لأكثر من سؤال، لكنه لا يخفي ارتباطه بالماء، أما الآن فلا أدري من أين ” كورنشته “؟
الماء غار وغار، والاسم توارى بدلالته، وليبقى المجرور بالاسم المرفق ودلالته، دون نسيان أن جمراً في رماد الذاكرة لما يزل يتقد تذكيراً بما كان .
الكورنيش، من أين جيء به ؟ حيلة من يريد الاحتيال على التاريخ والمكان، وتخوفاً من الاسم المتناسب مع إرادة شعبية كردية كانت الأسماء شفيعة لها في رسم مصائرها، بقدر ما يكون تعبيراً عن مستجد ومراوغة للذات القائمة رسمياً، حيث الكورنيش يستحضر البحر أو النهر ولا شيء من هذا الشيء إنما مجاورات لعنف قائم، كان الخميرة الوحيدة لنظام قائم رأى أنه قادر على الاستمرار به ومن خلاله.
مفارقة أخرى، اسمية، وهي تتمثل في فشل تأكيد اسم ” جميلة بوحيرد ” الجزائرية التي قاومت الفرنسيين في خمسينيات القرن الماضي، ليكون بديلاً عن اسم ” الكهريز “. تصوروا ما صلة بوحيرد بحي شعبي، باسم مكاني ؟ ربما هو مجرى أخرى لنظام تقدَّم بيافطة القومية العربية والأمة العربية، ووحدة العرب الكاملة الشاملة، رغم أن بوحيرد قد تكون أمازيغية، وليبقى الاسم المكاني والشعبي: الكهريز وصحبته : بنغلاديش واقعاً، وربما يبقى الكهريز باسمه غير المرغوب في دلالته رديف مسعى الجهات التي استوردت بوحيرد فنفقت بضاعتها في المهد.
بالمناسبة” وآمل التمعين في الوارد هنا “: جميلة بوحيرد التي قاومت المستعمِر الفرنسي دفاعاً عن وطنها وشعبها” وهذا من حقها ” وعذّبت كثيراً ” ثمة عشرات القصائد الشعرية العربية عنها، نزار قباني وغيره “، سوى أنها عاشت منكودة مهدودة موؤودة في نسيج غربتها، وقد تزوجت من محاميها الفرنسي الذي دافع عنها. تصوروا إذاً .
كل ذلك جدير للقيام بأكثر من بحث ثقافي تاريخي اجتماعي دلالي حول كيفية نشأة الأسماء وحكايتها وروايتها، والأهم: كيف يقاوم شعب دفاعاً عن اسمه ومكانه وتاريخه الخاص، وفي مثال ” الكهريز ” باسمه الفعلي، وبنغلاديش، وليس الكورنيش باسمه المفروض، ما يحفّز على التأمل والتخيل والدفاع عن ذاكرة المكان وأهل المكان .
دهوك

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…