السيرة الذاتية لعتال الحروف وعلامات الترقيم – 2

كاسي يوسف
  
 ,فرن العنترية, صومعة القامشلي, أصدقاء الطفولةWernêتعالوا _

كنا في المرحلة الثانوية , ندرس في ثانوية تشرين للبنين بمدينة القامشلي, وكانت الحياة السياسية  آنذاك ,شبه مجمدة ,باستثناء بعض الندوات الثقافية التي كانت ترعاها الاحزاب الكوردية سرا, وكانت الكلمات الكوردية في حضور الموظفين , أو في الدوائر الرسمية للدولة السورية, ضربا من المغامرة, الا ان أعداد الطلبة الكورد في تلك المدرسة وفي تلك الحقبةكانت بحدود الثمانين بالمائة من مجموع الطلاب من عرب و مسيحيين وكورد, اذ اننا وفي شعبة واحدة مكونة من أربعين طالبا كان بيننا صديقان مسيحيان وربما أربع  من العرب اثنان منهما من المغموريين والآخران من عرب عشائر الجزيرة,
وفي الحقيقة أننا كنا نسيطر على المدرسة من ناحية عدد المتفوقين, والمستوى العام للطالب من ناحية العلامات أيضا, وفي داخل المدرسة كانت توجد بوفيه, يشتري الطلاب منها الكاتو وبعض انواع الحلوى وايضا سندويتشات الفلافل, وكانت تدار من قبل بعثيي المدرسة, والذين يلفون حولهم, لذلك كانت المواد التي تباع للطلاب غالبا من التي تجاوز عمرها فترة الصلاحية الغذائية, ومع مرور الوقت بدأ الطلاب بالعزوف عن شراء المأكولات المذكورة من تلك الفوهة اللعينة, وكان هناك في الخارج شخص كوردي يُدعى فقه صالح, يبيع الحلويات (المثلثة الشكل ) المصنوعة بأيد مهرة, وأخصائيين, في صناعة الحلويات من اصحاب الخبرة, وكانت أسعارها أيضا مناسبة , ودائما تكون جديدة الصنع وكان بجوزته ابريق نحاسي صغير من ضطر السكر, يستخدمه لاضافة القطر الى كل قطعة تباع وحسب الطلب, لذلك كانت تنفق بسرعة, لان الطلاب يسارعون الى شرائها, وكانت للبائع المذكور علامة تجارية يُعرف بها من مناداته وتلفظه لها, وهي كلمتان متتابعتان متلازمتا اللفظ (,تعالوا,  ورني), وكلاهما بذات المعنى  في لغتين مختلفتين شكلا ومضمونا, لا صلة للقرابة بينهما من قريب أو بعيد, لغتين احداهما العربية, وهي طليقة ومرخصة ,كونها لغة الحكم والحزب الحاكم, والأخرى كوردية ,وهي مقيدة وأسيرة كالشعب الناطق بها ,وممنوعة من التداول في الدوائر الرسمية, ومن التعلم بها.
كنا نشعر بشيئ من النشوة , أو ربما الشعور بالعزة, ونحن نسمع كلمة  ورني, تلك الكلمة بعيدا عن الاخرى بالمعنى الانتمائي, كانت تجذبنا, كانت كالبرد والسلام الذين أحس بهما النبي ابراهيم عليه السلام ,عندما كانت تحيط به النار, كنا كمن وجد شيئا افتقده منذ زمن بعيد,كذلك  كانت لتلك الكلمة وقعها على قسمات وجوهنا.
كما انه كلما مر من أمامه نفر من الطلاب كان يتلوا أحد الابيات الشعرية التي دأب أهل العلم في الحُجُرات يحفظونها من معلميهم (الأئمة) وهو: تعلم العلم تكن أميرا ولا تكن جاهلا ترعى الحميرا.
وربما للمصادفة التاريخيه كانت مجموعتنا الكوردية, من المجموعات الرائعة اتي لا تتكرر بشهادة أساتذتنا الكورد ,الذين كانو على الدوام يعيدون ويكررون  ملامح تلك الفترة, حتى بعد انتهائنا من الدراسة الثانوية بسنوات, وليس معلمونا من القومية الكوردية وحدهم من كانوا يعتقدون ذلك ,بل حتى الأساتذة المسيحيين أيضا كانوا يعبرون عن مشاعرهم نحونا بالارتياح  المشوب بشيئ من الحسد ان صح التعبير, ولا أذكر معلمينا من القومية العربية باستثناء المدعو حمود  وهو مغموري على ما أعتقد , لم يداوم كثيرا في ثانوية تشرين.
فرن العنترية
كانت المدرسة الابتدائية الأولى التي درست فيها هي مدرسة علي ابن ابي طالب, في العنترية, مجموعة الأطفال الذين تربوا في تلك الحقبة, يصعب انتاح جيل آخر شبيه بهم ,لاختلاف الحقبة من كل النواحي , حتى المناخية , فالأمطار كانت غزيرة جدا, والمواسم التي كانت مباركة رغم قلة الأدوات, كانت تكفي الجميع, المُلاك والفلاحين والعُمال والعاطلين , وفرن حجي حسني دري كان معلما شاخصا هناك, كالصوامع الذي تحول فيما بعد لأقسى الصيغ الامتحانية, التي مر بها الشعب المحيط بذلك الهيكل الاسمنتي, للأسباب السياسية ذاتها التي جلبت المغموريين من المستوطنين العرب, للمنطقة الكوردية ووزعت عليهم أخصب الأراضي الموجودة في الاقليم الكوردي, من دجلة وحتى الخابور, سياسة البعث الخفية, والتي دأب العنصريون من حكام سوريا على التخطيط لها وتنفيذها على الارض. الكتلة البشرية التي سكنت ما بين النهرين بعد طوفان نوح كنت تجد صورة مصغرة عنها في العنترية,من الأولياء الصالحين, والزنادقة الكفار , ومن المنافقين, ومن الصادقين, من كل المشارب, شوارع العنترية الضيقة أوجدت الشخص العصبي , والمصاحب للفورة المرتبطة برد الفعل  المنعكس العنيف, جراء الطبيعة المليئة بالشوارع الضيقة والأزقة الطويلة والفروع المفاجئة في التخطيط العمراني للعنترية, وأي تخطيط هو ذالك الذي ليس له مثيل, لعشواءية وأهواءية المخطط. والطريق يمر من الجهة الشمالية للعنترية, وفي الجهة الشمالية هناك تجمعات الدالينيين ,الذين سموا مجموعة بيوتهم ب قناة السويس تمسحا وتقربا من السلطات البعثية, وكان اللون الغالب على سكان قناة السويس فيما بعد القادمين من قرى المنطقة الواقعة شمال الرميلان ولاحقا سكنها آخرون من الاكراد القادمين من كل القرى الشرقية, وشمال قناة السويس هناك على أرض مستوية  تقع جرنك ,تبتاع الكاز  -كانت- من ياسينو صاحب السيتير أو الصهريج, الذي يجره حصان, كانت الطرق ذات أخاديد عميقة تحفرها دواليب الجرارات القوية في الشتاء فكان من الصعوبة السير بطريق بشكل مريح, حتى أثناء السير على الاقدام كنا نجد كل الصعوبة في ذلك, ومن أهم المعالم التي ما عاد لها أثر اليوم جوكا صلو, والطريق من جرنك حتى الطريق العام يبلغ أكثر من خمسمائة متر, في الجهة الغربية من الطريق الذي يربط جرنك بالعنترية ,كانت هناك بساتين ومزروعات عبدالقادر وحجي بدران وعباسي عاني, كانت تلك البساتين مسورة بأشجار التوت البري الشائكة وبالورود ذوات الشوك, وعلى الجهة الغربية صومعة الحبوب التي تم بناؤها في بدايات السبعينات.
تلك الصومعة التي أسستها سواعد الكورد وجنى ثمراتها اخواننا العرب, عبر توريد محصولاتهم من القمح ,والتوظيف في غرف الادارة, والتي لم ولن يفهموا حتى كيفية الجلوس فيها.
أصدقاء الطفولة
كنا مجموعة هائلة من الاطفال الذين تتلمذوا في مدرسة الأخلاق الطبيعية المتوارثة عبر الزمن من قيم الأولين من آباءنا  ,مجموعة من البراعم التي  لن تنتجها البساتين في جنات الأرض مثيلا لها من جهة الأخلاق, والسجايا النادرة التي حملها ذلك الجيل ,من الذين أتذكرهم بكل اعتزاز: من العنترية وجرنك وقناة السويس مع الاعتذار عن عدم ذكر الالقاب والصفات الرسمية :أكرم مراد_ عبد الباري حمو- مصر وأخوه نصر- عبدالكريم عيسى_ محمد خير خليل_ بروسك نجار_ بنكين عبدالله دنكبيز- عدنان حمي- بنكين شاكر من اللطيفية- عبدالله خليفة- سربست يوسف- جنكيزمشو- صبغة الله – عايد حسكو- حسن رشيد- يوسف رشيد- عدنان حسين- عدنان احمد- واخوه حزني- محمد خير جتو وهو كان قبلنا في الدراسة –خليل من قناة السويس- محمد سليم اسكان- محمد نافع عزم- غسان-عدنان دوماني- عدنان نايف- سربست نبي و كان قبلنا ايضا في الدراسة, علاء الدين جنكو وكان ايضا بعدنا في الدراسة- خالد جتو- هزار رستم شحمو وكان بعدنا في الدراسة- كاوى رشيد و كان ايضا بعدنا في الدراسة, وابناء قريتي (جرنك) وهم سفير علي, وحسين عثمان, وجوان حسين, وكامران حسين, وصباح ايوب وصالح ايوب, ووليد علي, واحمد خلف, وفرهاد احمد, وحكمت أحمد, ولقمان كمال, وزناور ايوب و هوشنك ايوب, ومازن احمد ونور الدين ملا عبدالجبار

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…