جكرخوين المتخلّف مدنياً ؟!

 ابراهيم محمود

نعم، لا بد أن عنواناً كهذا يثير حفيظة كثيرين، وخصوصاً أولئك الذين ينظرون إلى شخصية بنوع من التقديس، لأسباب لا صلة لها بمكانة الشخصية هذه، وإنما بالذين يولونها هذه الأهمية الاستثنائية الموجهة، كحال شاعرنا الكردي الكبير جكرخوين 1903-1984، وحين أضع عنواناً كهذا، فلا بد أن هناك واقعة في غاية الأهمية، كما أرى، تقرّبنا من خاصيته، واقعة أن جكرخوين هذا بقدر ما يشار إلى شاعريته وجرأته،  بقدر ما يفرض علينا التزام الحذر إزاء الشاعرية هذه ومسارها، وتلك الجرأة بمنحاها التاريخي.
وفي مناسبة كهذه، والتي سأخالف فيها المعهود الكردي كثيراً، حيث إن التشديد على المناقب لا يجب أن يعمينا عن الوجه الآخر، وهو يعرّفنا بتاريخ الرجل نفسه. فالذي يرجع إلى مذكراته، ويطلع على طريقة سرده وتناوله لأشخاص معروفين كانوا ” رفاقه ” الحزبيين، لا بد أن يلاحظ التفاوت الكبير، وهو إجراء طبيعي معتاد أحياناً، ولكنه يستجيب لرغبة ذاتية حزبوية وحتى ذاتية” حيفية أحياناً ” في المتن.
هنا، أحيل قارئ كتابه ” مذكراته : حياتي “، والنظر في قرابة الصفحتين اللتين كتبهما عن الراحل الكبير نورالدين زازا ” 1919-1989 “، وذلك الابتعاد عما هو تاريخي، والدخول في نطاق تُهَم ٍتنزع عن زازا عمقه الثقافي وحتى عمق صلاته مع مجتمعه ومدنيته وريادته في أكثر من مجال معرفي، وتتمثل نظرة جكرخوين الشاعر والحزبي إلى شخصيات كردية معروفة ما بين عامي 1960-1965، بدء الأزمة الحزبية الكردية الكبيرة وتجلّي الخلافات الشخصية والاجتماعية والاعتبارية بين رموزها، وزازا في الواجهة، ومما جاء في التشديد عليه هو أنه كان يتعالى على شعبه، ويريد أن يعلمهم كيف يأكلون ” بالشوكة وغيرها “، ولم يستطع الاستمرار في نشاطه الحزبي لنفَسه الضيق… الخ .
جكرخوين، وبعد توجهه إلى أوربا واستقراره في السويد، اكتشف فضيلة الجلوس إلى الطاولة ” مائدة الطعام ” ومدنية استعمال الشوكة والسكين، والقواعد الصحية الواجب اتباعها من أجل ذلك، وقارىء ديوانه الشعري الأخير حتى الآن ” السلام -1985 “، يجد نفسه مع ثلاث قصائد منشورة في نهاية الديوان متسلسلة، لها بعدٌ نظميٌّ لا يخفي طرافة، وفي ثلاث مراحل، تتعلق بقواعد تناول الطعام: ما قبل الطعام، أثناء الطعام، بعد الطعام! إنها قواعد أدرك شاعرنا الكبير جكرخوين أهميتها بعد قرابة ربع قرن، كان له موقف سلبي تجاهها قبلئذ، ليس هذا فحسب، وإنما سعى إلى الإيقاع بكثيرين ربما ؟ من حوله من حزبييه ومن الناس البسطاء ممن كانوا يفتقرون إلى بيئة متاحة ووعي مطلوب ومكان مهيَّأ وطعام مطبوخ بطريقة مختلفة وأدوات تناول الطعام متناسبة معه، عندما كان زازا ينوّه إلى كل ذلك، وهو الخارج من بيئة متقدمة بطابعها التمدني نسبياً ” مدينته: مادن ” ودرس في أوربا: سويسرا وعاش لفترة من الزمن، وأراد التركيز على أهمية الطريقة هذه، وبالتأكيد فإن هذا المثال لا يعتبَر علامة فارقة لوصم الرجل بالتعالي على بني جلدته أو اعتباره وطنياً كردياً وجريئاً وصاحب موقف والإعلاء من شأنه، إنما يندرج ذلك في سياق مجموعة من المواقف، وبالتالي فإن ما أراد جكرخوين التنبيه إليه إلى جانب أمور أخرى، كان أكثر من نقد طبعاً، إنما أكثر هو أنه كان على بيّنة من مستوى وعي بني جلدته من الكرد الأميين، وأنه بذلك يستطيع استثارتهم وإخراج زازا من ” ساحته ” أي مخاطبة من حوله باللغة التي تثير حفيظتهم، وكان ما كان .
علينا في الحالة هذه التمييز بين جكرخوين الشاعر وجكرخوين الناثر، جكرخوين بطابعه الحكواتي، وجكرخوين الساعي إلى تمثل دور الناقد، وحتى في كل مستوى مما تقدم، لا بد من ضرورة التنبه إلى تعددية المستوى: جكرخوين الشاعر، في أي اتجاه وأي موقف وكيف ؟ وجكرخوين في مذكراته، وهو يتحدث عن نفسه وتبعاً للمواقف وعن الآخرين كما لو أنه المؤرخ والمحلّل، فلكل منحى منصة إطلاق قيمة، إن جاز التعبير، وهذا الإجراء المفتوح، يقرّبنا معرفياً من شاعرنا الكبير فيما قام به وفيما جسَّده من وجوه إبداع وتصوير آلام شعبه وآخرين كثيراً بالمقابل، بقدر ما يبقيه مؤمَّماً من كل وصاية حزبية أو فئوية، وإلا لما كان هذا الاحتفاء أو الانهمام الدوري به .

عود على بدء: بصدد ما أثير، أشدّد على النقطة الرئيسة ” خميرة البحث ” وهي أن جكرخوين فيما تصوره أو تخيله أو استشعره كان أبعد ما يكون عما هو مدني وعياً وأهلية تمثيل لهذا الوعي، وهو يضعنا إزاء جملة من الإشكاليات المعرفية والاجتماعية والسياسية المتحزبية وحتى الطبقية التي رافقته حتى اللحظة الأخيرة من حياته، وانعكاسها على آرائه ونظرته إلى الحياة ومن حوله، بقدر ما تكون مسائل تترجم موقعه في وسطه الاجتماعي ونظرته إلى نفسه ومستوى ثقافته الفعلية وطريقة هضمها والإفصاح عنها، فلا ينظَر من هذا المسلك إلى مفهوم ” التخلف ” وكأنه ذم له، وإنما مكاشفة لجانب حياتي فيه، يمكن أن يفيدنا في التعرف إلى جكرخوين الذي سُطّر على الورق في شعره ونثره، وجكرخوين في حياته اليومية، وتلك الخطوط المفتوحة بينهما، خطوط لا أعتقد أنها عُرِضت للضوء، وتجد من يتحمس لها لدى نسبة كبيرة من حزبيي الأمس الذين مازالوا حزبيي اليوم، كما لو أن الذي كان، أصبح في عِداد أثريات الكرد المعتبَرة !

======

ملاحظة: نُشِر هذا المقال في العدد 30 من ” بينوسا نو: القلم الجديد “، بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على رحيل شاعرنا الكُردي جكرخوين.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…