هل يقتل الفنان التشكيلي نفسه حقاً؟ الفنان مالفا أنموذجاً

إبراهيم اليوسف

خطر في بالي هذا السؤال، وأنا أتابع سيرة الفنان التشكيلي  الكبير-مالفا- منذ بدايات تجربته وحتى لحظة رحيله، عن طريق المقربين منه، فنانين، أو أهلين، أو عبر ما توافر بين يدي مما هو مدون عنه، واختصرت مدونته الأولى التي وقعت بين يدي في كتاب “قصة حياة أو لون” لزوجته جانيت كوركيس، والذي قرأته مرات عدة، بعد أن حصلت عليه، الكثير، وكان من عداد الكتب التي توزع -يدوياً- في سبعينيات القرن الماضي، على ما أذكر، ولم يكن متوافراً في تلك المرحلة في المكتبات، شأن الكتب المسموح لها بالتداول من قبل وزارة الإعلام السورية التي كان يعمل فيها قراء برتبة-مخبر-إلا في حالات استثنائية طفيفة.
ولعل ما دعاني لطرح هذا السؤال، هو ما نقل لي عن طريق الطبيب المشرف على علاج مالفا Dr.Reinhard Schuster
، والذي حذره عندما اكتشف مرضه، إذ قال له: أبعد الألوان عن مرسمك، بيد أنه-مع ذلك- كان يعود بين الفينة والأخرى إلى مرسمه، على أمل أن يرسم لوحته الأخيرة “وجه عمر حمدي” تلك اللوحة التي لم يمهله مرضه الذي احتد و احتدم عليه، على إنجازها، بعد أن اختصر العالم كله في وجوه شخصيات لوحته، بل بعد أن توزع وجهه في وجوه عالم فني كامل. غير أن فناننا الذي قدم للتشكيل العالمي أعظم مشروع، لم يكحل كلتا عينيه برسم لوحته تلك.
لم كان على مالفا رسم لوحته؟
أهي النرجسية، المسوّغة، التي تساور ذات كل مبدع، أم لأنه الوجه الذي تابعه منذ أن فتح عينيه على المرايا، وبات يتابعه بين حبو الطفولة؛  وسرير المشفى  الأخير SMZ Ost-Donauspital
  ؛ وما بينهما من حبور الصبا والصبا والشباب والكهولة. على اعتبار أن عينيه اللتين كانتا بوابتي روحه على الكون اختزنتا سيرة عمرها عقود متواصلة، لوجه واحد، في محطاته المختلفة، قبل أن يخترق حصونه فايروس المرض، ويجعله أشبه بورقة صفراء،  رهن الذوي، تخلو من أرومة الأصفر الذي طالما كان جزءاً من المعادلات اللونية التي اعتمدها.
لا ضير في الابتعاد عن الأسئلة الفرعية، أنى كنا في حضرة الأسئلة الأم التي نفتتح بها دواة الحبر، والصوت، و الحيرة، وهو ما يحيلنا في نصف دورة، أو أكثر، أو أقل، إلى سؤال المقام، أو المقال:
-هل يقتل الفنان نفسه حقاً؟.
ثمة رعونة ذات جذر مازوكي، رغم سادية المظهر، تصل إلى مقام الوحشية تعامل عبرها مالفا مع لوحته، إذ بدأت مسيرته مع فضاء اللوحة، عبر شفرة الحلاقة، المهملة، المرمية، التي كان يغسلها- جيداً- من إثم الحلاقة، بعد استهلاكها، كي يضرب بها قماش اللوحة، يهندس ألوانه، التي ستنتظم ضمن إطار الواقعية التعبيرية، بما يجعلها أقرب إلى عفوية ذلك الطفل الذي كان يرى أن بعثرته لمجرد لونين على بياض لوحة قد يكون أصدق من لوحات كل فناني العالم. ولعله كان دائم السير نحو ذلك الطفل في أعماقه، فلم يكتف بالشفرة-أداته الثانية بعد أصابعه- حتى بعد أن صار يمتلك أفضل أنواع الريشات العالمية الحديثة، حيث ظلت أصابعه تطفح برائحة ألوانه، طوال ساعات متواصلة، دون أن يمسحها بمريولته، التي ظلت في المرسم، بعد وفاته، وهي تحمل آثار أصابعه، كلما أراد أن يمارس استراحة قصيرة، يدخن فيها، أو يشرب خلالها فنجان قهوة، أو عصير، أو كأس ماء فاتر مليمن، ليعود إلى لوحته، وكأن “شاويش” القطن، الذي كان يستحثه وأختيه الكبريين وهم يعملون في حقل القطن، الحسكي، يجنون ندفه، أو جوزاته، لا يزال صوته يتردد في مسمعه، بعد أن تحول هذا العمل إلى هيام لم ينته إلا مع النفس الأخير من حياته.
 هذه العلاقة الحميمة بين عمر الفنان السوري الكردي والألوان منذ لوحته الأولى وحتى الأخيرة، وهي توازي، زمنياً،  محطات عديدة من حياته، كانت تقدم له المتعة، وأية متعة أعظم من متعة الإبداع؟، بيد أنها كانت تنعكس على صحته-تدريجياً- فهي كما ثبت-طبياً- وراء مرض “اللوكيميا” الذي تعرض له دمه، ليكون الفنان التشكيلي، شأن العامل في مجالات-الدهان- في مرمى الكيمياء اللامرئية، معرضاً لهذا المرض، ولابد عليه من وقاية نفسه، بعد أن دفع مالفا حياته ثمن هذه المصاهرة بين روحه، وألوانه، إذ كان عليه أن يجنب نفسه هذا الجو، من خلال إتباع سبل الوقاية، المفترضة، وفي مطلعها تجنب لمس الألوان، على نحو مباشر، بالإضافة إلى استخدام “الكمامات” الطبية، ناهيك عن توفير شروط التهوية الصحية، داخل المرسم، وهو ما لم يفعله فناننا، كما هو معروف عنه.
هل كان مالفا يجهل مايجري له؟
أم أنه كان يعرف أن ثمن صناعة لوحته التي تشبه قلبه، باهظ، لا محالة، حيث كان أخطبوط السرطان يوسع شبكته داخل جسده، يحكم الهيمنة عليه، بينما هوساهٍ عن كل ذلك، مادام أنه لقاء ما يحدث له، يواصل إنتاجه، وإن كانت ثقته بخالق هذه اللوحة جد كبيرة، إذ كان يظنُّ أن من استطاع أن يتحمل كل صنوف الألم في حياته، من دون أن يتخلى عن لوحته، لا يمكن له أن يهزم. هذه الطمأنينة، كانت حافزاً مبيتاً في نفسه، المتلاطمة، كمحيط، والهادئة كصفحة مرآة،  لكي يواصل هذا المرض مداهمته لهذا العالم الوديع، البريء، الذي ليس له سوى مجرد أحلام عامة تخص الناس جميعاً، كما علمته ثقافته التي نهل منها، في بيته، وبيئته، ورؤاه الفكرية، المتشكلة، دون أن ينسى محبة من هم مقربون منه.
لقد كان اعتراف طبيبه له بالقول:
مالفا، أنت تعاني من السرطان، جدَّ صادم له، فقد عض على شفته، لكنه، لم يعدم ثقته بمقاومة هذا الوباء الذي تأخر في اكتشافه، حيث كانت هذه الحقيقة ذلك الخط الرَّفيع، ما بين النقائض: الإبداع واللاإبداع، الجمال والقبح، الحب واللاحب، الحياة والموت، غير أنه سرعان ما صار يفكر بالخطوة التالية، وهي كيف سأقف في وجه هذا العدو الذي استوطنني، من دون استئذان، كي يصارح شقيقه الطبيب د. عمران حمدي، وشقيقته الصغيرة، آخر العنقود، التي كان قد سماها بنفسه، فاتحاً كل نوافذ التفاؤل حتى آخر لحظات وعيه التي هزمت أمام شبح الغيبوبة الفاجع..! .
فصل من مخطوط معد للنشر بعنوان:
عمر حمدي – مالفا
ما وراء اللوحة

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…