هـديَّة السجين لسجّانه: عن كتاب إدريس عمر: سورية من الاضطهاد السياسي إلى الكارثة الإنسانية.

 ابراهيم محمود
أن تقرأ لأحدهم وأنت تعرفه عن قرب، غير أن تقرأ له وأنت لا تعرفه، والقراءة درجات كما أن المعرفة درجات، ومن تعرفه وهو يحدّثك كتابةً في موضوع يعنيك أمره وكنت سمعت موجَزه المكثّف منه، غير الذي تجهله وأنت تتابع بعضاً أو كثيراً مما يهمك أو يثيرك، ولا أخالني ببعيد عن الصواب، أنني عندما تابعت جوانب حيّة ومؤثّرة من حياة آسرة للصديق الكاتب إدريس عمر” المقيم في ألمانيا الآن “، عبر صفحات مفتوحة من كتابه الصادر حديثاً جداً” سورية من الاضطهاد السياسي إلى الكارثة الإنسانية، المكتب العربي للمعارف، القاهرة، 2016، وفي 300 صفحة ونيّف من القطْع الكبير “، تجاذبني أمران: الأول ما أعرفه في شخص عمر، وكيف أصبح نزيل كتابه، والثاني، ما يقدّمه الكتاب وهو يقارن بالأول، أي خارج كتابه.
الموضوع راهن ومعاش، غير أن المهم التنويه إلى نقطة رئيسة وهي لزوم الربط بين ما هو معاش في ضوء الحدث السوري ” العظيم “، وما هو منتقل إلى نطاق الذكريات وتتناقله ألسنة الناس، وما هو طي النفوس والمخطوطات، وبين الجهتين يتشكل خط تحرك عمر، فهو البدء المنبّه والمحفّز على القراءة” من الاضطهاد السياسي “، والتالي هو ما زال في وضعية تبلور، حيث النهاية غير معلومة، إنما المدرَك هو المروّع والرهيب ” الكارثة الإنسانية ” .
وبالنسبة للقارئ المعني بما هو تاريخي، ربما تشكّل نقاط كثيرة مألوفة كونها تنتمي إلى كتب موضوعة منذ عقود من الزمن، بدءاً من أواسط الحرب العالمية الأولى، والمشانق التي نصبها السفاح العثماني جمال باشا لرموز المقاومة للوجود العثماني في دمشق وبيروت في ” 6 أيار1916 “، وما مهَّدت له اتفاقية ” سايكس بيكو 1916 ” من تقسيم للمنطقة، وضمناً كردستان، ودخول الفرنسيين إلى دمشق بعد معركة ميسلون في ” 24 تموز1920 “…الخ، ومقاومة الفرنسيين هؤلاء من قبل عموم الشعب السوري ” ص24-26 “…الخ، إلا أن قراءة هذا التاريخ مهمة بالنسبة لموضوع الكتاب بالذات، ولعل حكمة قراءة عمر لهذه الفترة تعلِم قارئه ما هو منتظَر قوله، وهو أن من يتحدى العدوان والظلم والإهانة، يجب عليه أن يتجنبها في تعامله مع سواه، ولأن الذين قاوموا الفرنسيين كانوا يجسّدون سورية التنوع، وليكون ذلك مدخلاً واسعاً للتالي، وهو المهم قوله وذكره (ومن الجدير بالذكر أن الاستعمار الأوروبي عامة والفرنسي خاصة، ما كان يترك البلد حتى يبني فيه ركائز من أنصاره يشغلون وظائف الحكم والجيش والإدارة، ويتأكد من إبعاد الإسلاميين والمعادين لسياسته عن ذلك كله .ص 35 )، كون هؤلاء يوجّهون التاريخ الذي يبقي مصالح أولئك وينمّيها.
ذلك ينطبق على مسرح الأحداث التي استغرقت عقوداً من الزمن حتى بعد خروج الفرنسيين من سوريا وإعلان الجلاء في ” 17 نيسان 1946 “، وكيف تعمَّق الصراع السياسي بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية وفي الإطار الحزبي في البلد ” ص77 ” .
تعمُّقُ الصراعات تنامى مع الانفصال وحتى استلام حزب البعث للسلطة، ولتتشكل الهوية السياسية في سورية (ومنذ أن تحولت السلطة في سوريا إلى دكتاتورية، لم يذق خلالها الشعب السوري طعم الحرية التي ناضل من أجلها.ص92 )، كما لو أن هناك تحسراً على الاستعمار، لحظة المقارنة بين عهدين.
ومن يتابع قراءة الكتاب، بدءاً من الفصل الثاني” سمات الاستبداد السياسي من عام 1963 إلى نهاية حكم حافظ الأسد “، يلاحظ هذا التنامي في الاستبداد، وكيف أن الاستبداد ينزع عن الناس حريتهم ويغتصب إرادتهم ” ص95 “.
وما حصْر السلطة داخل عائلة الأسد إلا الترجمة الدقيقة لهذا الاستبداد بمفهومه التوريثي ” ص 187 “، وربما كان الفصل الرابع ” من ثورة سلمية إلى ثورة مسلحة “، تعبيراً عن عودة إلى ما كان في بداية عشرينيات القرن الآفل، فالشعب الذي طالب بالعدالة يقابل السلطة التي تطالب بحق الاستمرار في مسارها، وقد أعماها الطغيان، حيث لم يعد هناك من مكانة للشعب، وعدم تقبل مطاليب الشعب في سلميته نابع من هذه العلاقة، وتفجير الوضع من النظام دل على ذلك”ص229″، ولتدخل البلاد في حمامات دم وقتل وإزهاق أرواح في كل مكان، وداخل السجون وفي أقبية سرية، ولتتشكل مذابح جماعية بالمقابل” ص248-254 “، وهنا تكون الكارثة الإنسانية، ولتكون الخلاصة مؤكدة على مسيرة العنف الدموي وشمولية سلطة الحزب الواحد والدولة المدارة أمنياً، وعلى أعلى مستوى، وبمنهج طائفي”ص 261 “.
في قراءة الملاحق ما يفيد، عن قانون الطوارئ في سوريا”  وتاريخه يبدأ في” 8 آذار 1963 “، وهناك محاكم الميدان العسكرية، ومحكمة أمن الدولة العليا…الخ. وربما كان الملحق المتعلق بالاعتقال السياسي ذا قيمة خاصة كون إدريس عمر كان معتقلاً لسنوات في سجن النظام، وأن الذي يأتي على ذكره عصارة تجربة حياتية مرَّة، تخصه وآخرين، وأهوال السجون عموماً، وكل سجن له ميزته الخاصة في أساليب التعذيب: تدمر، صيدنايا، المزة .. صص279-291 “، وتالياً يأتي ملحق آخر عن نماذج من المجازر التي ارتكبها النظام السوري” صص292-306 “، ومن ملحق عن شهداء الانتفاضة الكردية في 12 آذار 2004، ومن ثم نشر وثيقة تخص المسجلين في سجلات أجانب سوريا ” ص308″…الخ.
تلك إشارات سريعة لكتاب لم يؤلَّف بسرعة، إنما بتأنٍّ، وهو أساساً: رسالة قدمها إلى الجامعة العربية المفتوحة في الدانمارك، كجزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في العلوم السياسية، وحازت على درجة جيد جداً ” كما ورد ذلك على الغلاف الداخلي للكتاب “.
ومحاولتي تمثَّلت في تقديمه لمن يعنى بموضوعات من هذا القبيل، وكوني رأيت أن من واجبي ليس كصديق لإدريس عمر الذي أعرفه منذ تسعينيات القرن الماضي ، وفي ” ديركا حمكو “، وإنما كمهتمٍّ بما هو معرفي وإنساني، وفي شأن يعنينا كردياً، والرجل الذي أمضى سنوات في أقبية النظام السوري أراد أن يعلِم من يريد معرفة ما يجب أن يعلَم به، حول ما كان يجري سابقاً، وما يجري الآن، وليضيف إلى التاريخ المدوَّن تاريخاً آخر. إذ إن التاريخ مصبَّات، تكون الأنهار والروافد والجداول وقائعه وأحداثه ورواياته، لكن التاريخ لا يتوقف عند هذه النقطة، طالما أن هناك حياة، أي ينابيع/ منابع تلقّم الأرض أمواهها، هي المزيد من الروايات، وإدريس عمر قال روايته الخاصة، أطلق جدوله/ رافده المائي، ربما إيماناً منه بما يجب عليه القيام به، وما يترتب عليه من صبر وجلَد ومكابدة، وكأني به، أراد أن يهدي سجّانه الكبير على مستوى سوريا وفي كل مكان قبل الآن والآن وبعد الآن ما يجب أن يعلَم به: موته الزؤام، ولمن ناضلوا من أجل الحرية: الحياة التي تستحق التضحية من أجلها، وسوريا ليست محمية بعثية أو طائفية، إنما جغرافيا تسع شعوباً وأمماً.
أليس لهذا وعلى هذا يكون رهاننا ؟
م: كما نوَّهت، ما أكتبه هنا كان بمثابة تعريف موجز للكتاب، وما أكثر الكتب التي تبصر النور ويجري التعتيم عليها لأسباب لا داعي لذكرها هنا، والأمر الثاني، هو أن الصديق إدريس عمر الذي التقيت به في معرض أربيل الحالي للكتاب الدولي، مصادفة أهداني كتابه في الحال، ووجدت أن من المناسب ومن باب رد جميله تسطير هذه الكلمات المتواضعة !
دهوك-10 نيسان 2016 


شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…