البيشمركة ونكاح الجهاد

ابراهيم محمود
لا أنتظر أن يشفع لي أحد يوم القيامة.. يكفي أن الشعب الكردي سيشفع لي
الشاعر الأمازيغية: مليكة مزان
يظهر أن الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان ” 1960- … “، ومنذ عدة سنوات، قد أثارت ثائرة المغاربة ممن تتملكهم غيرة من نوع خاص، ربما مرجعها ما هو عروبي ” وهي أمازيغية “، وهي تقدم خدماتها الجنسية الخاصة، لمن يقاتلون ضد “داعش” في إطار ما سمّي بـ “جهاد النكاح المضاد“، وفي صفوف شعب “الفيسبوك” لدرجة أنهم طالبوا السلطات بسحب الجنسية المغربية من الشاعرة، ولا بد أن تركيزها على الكرد، وعلى أفراد البيشمركة في هذا المضمار، قد ضاعف هذه الغيرة، كما لو أن تصريحاً كهذا بمثابة تهديد كامل للأمن القومي، والشرف القومي العروبوي.
هناك قاعدة انطلاق لمليكة مزان الشاعرة والناشطة الأمازيغية وجلابة الشهرة من خلال تسخير ” جسدها ” على مستوى الصياغة الشعرية، بوقاحة ” مقشَّرة “، وعلى الملأ، وفي التعريف بنفسها جسدياً، وكأني بها تريد تحريره بالكامل من عنف فحولة الذكر الذي يستقطر وراءه نسقاً ثقافياً عربياً وحتى إسلاميّ الطابع في اعتبار المرأة متعوية قبل أي شيء آخر.
مزان، شقَّت، وما تزال تشق عصا الطاعة على مستوى المجابهة، وفي نسف التابو الذكوري، وتعزيز التحرير بعقْد  صِلات مع من تعتبرهم أقرب إليها في هذا التوجه الجَسور، ضد من تملَّكوا شعبها، عربياً وخلافه، والكرد في واجهة اهتماماتها، وهي في مسلكها بالدعوة إلى سلوك هذا الطريق الجسدي، حرباً رمزية مثيرة ضد ” داعش ” ومَن وراء داعش، وما يمثّله داعش من فحولة إسلاموية، ولها نسب وحسب ماضويان ودينيان يمتزجان بالإرهاب الذي بلغ أعلى درجاته على يد داعش مؤخراً، وهي حرب تعني السخرية المرَّة أيضاً من كل توجه داعشي، ومن تُسلّم جسدها للداعشي الذي يفصل الرؤوس عن أجسادها، ولا يتردد عن الانغماس في عهر من نوع آخر عبر ” جهاد النكاح ” ذي الطابع التعبوي الذي يستهين بالمرأة إجمالاً.
مزان بالطريقة هذه كذلك لا تصرّح بأنها في خانة ” الإباحية ” وبمفهومها السلبي، كما هو المشاع، وإنما تعرية الذكورة وهي في دمغتها الأبوية والسلطوية المأثورة والتدميرية للجسد عموماً وجسد المرأة خصوصاً، وبنوع من الهجاء الأسود والنافذ.
وإذ تركَّز على الكرد مجدداً، فلأنهم برزوا أكثر مَن تحدوا ليس داعش حصراً، وإنما ثمة الملايين ممن تعاطفوا مع داعش على صعيد عربي وإسلامي، وخصوصاً في مسعى النيل من الكرد، ولعل الأمازيغ يعانون من وصاية استبدادية لأنظمة عربية ذات خلفية عروبوية وقوموية بالغة في العنف ضدهم، حيث إنها تجسّد موقفاً، وتعتمد لغة تصدم من يخجلون منها، أو كونهم يعتبرون المتفوَّه به وكذلك ما تجسّده واقعاً ” وقاحة، ورذيلة، وإلحاداً بالتوازي “، وهو ما يشرعن لـ” قتلها ” أو التشهير بها وإراقة الدم” ليسلم شرف رفيع من الأذى “، إنما هو منطق المهزوم والخائف على عورته الذكورية العريقة ورهانه عليها، وطعن في الجميع، فلا نستغرب أن تكتب عبارات موجزة ومعبّرة، أو مقاطع، أو تغريدات على صفحتها الفيسبوكية وهي توجه كلامها ” البذيء ” في العرف الأبوي المثلث العلامة ” السلطة، الدين، الجنس “، إلى من يشتهي ذلك، وهو اشتهاء حياة بطريقة غير مسبوقة، والكرد موضوعها الرئيس.
وهي تتلمس في كفاح الكرد تمثيلاً لما تتمناه وتنشده أمازيغياً وأكثر، وتشجّعهم في المضيّ قدماً حتى يحققوا ما يليق بهم في الحرية والاستقلال والتكامل الكردستاني،كما في قول لها ” في سبيل الكورد تعرضت لآلاف الشتائم، تعويضاً لي على تلك الشتائم أريد من كل كردي قبلة. ولو كانت القبلة على شفتيّ الأمازيغيتين العسليتين فستكون الضربة قاضية “.
 
وما نشرت بتاريخ  07 كانون1/ديسمبر 2015 على صفحتها الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوكي بصيغة رسالة موجهة للشعب الكوردي، له حيوية التفاعل والإعجاب اللافت بالكرد والبيشمركة، إذ قالت فيها: ” إذا لم تكونوا لتناضلوا اليوم من أجل قيام دولة كوردستان المستقلة، غداً فلا حاجة بكم أصلاً لخوض أيما نضال.. اذهبوا وناموا في أحضان نسائكم أحسن“..
أي علاقة بين هذه المرأة وصاحبة ” معتصماه “، إن وضعنا بالمقابل ” وابيشمركاه ” ، مع فارق المحتوى والزمان والمكان ؟
وحتى في الدعوة إلى نوع من الاتحاد الثلاثي بين الكرد والأمازيغ وإسرائيل، فإنها لا تخرج عن الواقع، في الوقت الذي تتنافس الأنظمة العربية لكسب ود ” الصهيونية “، كما لو أن تعاملاً معها احتكار خاص لها، كما هو الاستئثار الذكوري أو الفحولي الذي يستدعي تاريخاً طويلاً، وعبر عوذلة وبسملة ليزداد ” العاهر ” الشرعي فحولة، بقدر ما تسمّي هذا العهر الفعلي، عهر ذكورة سياسية، تتاجر بما هو قومي وغيره. ويا لها من مفارقة ” ماجنة ” وسافلة .
وفي المختتم أجدني في معرض إنارة عالمها الشعري الذي ” يُذمُّ ” هنا وهناك، حيث إنها من جهة التحرك ضد التيار الأدبي، الشعري الذي يحتكر رايته ذكوريُّو الشعر وخلافه، تذكّرني بشاعرتين، على الأقل، تناولتُهما كتابة قبل سنوات، هما الشاعرة الفارسية فروخ فروخ زاد ” 1935-1967 “، والشاعرة المصرية اليهودية الأصل والمدهشة بشعرها الإيروتيكي : جويس منصور ” 1928- 1986 “، إذ إنها من حيث التعبير لا تمتلك تلك الذائقة الشعرية التي ترفع من مقامها الفني، أو جمالية الصورة لديها، بالعكس، هناك تعابير أقرب إلى التنميط ، ولا تومض في مجرى ورودها النصي، إنما هي جرأتها في استدعاء لغة واعتمادها في وسط ينصدم بطريقة كهذه، وهي تسخّر ذلك في وجه سلطة قوموية، عروبوية، أبوية في مساحات جغرافية واسعة، ولا أن شاعرة كردية فارسية بالمقابل، تُستدعى هنا، في إعلانها الحرب الشعواء على السيستام الذكوري من الموقع إلى المخدع والمرجع، أي ” باران ميلان ” كما في قصيدتها ” أنا قحبة “، ونسفها للمحرمات، كما في هذه العبارات :

أضاجعك أنت الذي لا أحبّه

 فلن تجد أبدا عاهرة أكثر عهراً منّي

ومليكة مزان تصرّح بعهرها الخاص لمن تحبهم وهم أهل للحياة من أمازيغيين وكرد وغيرهم، وما في هذا التحديد من تحدٍّ ومجابهة تهين بهما ملايين مؤلفة ممن يربطون بين الفحولة ونباهة القومية، عهر مضاد للعهر المعرَّف سلطوياً، إذ تربط بين متعة خاصة بها والكتابة والقراءة، معيدة صدى اهتمامات الفرنسي : رولان بارت في ” لذة النص “، لذة لها صفة تملكية، دون إذعان لأحد، دون مساومة على جسد يعنيها، وطريقة التصرف به أو معه.
تحية لجسد يشرق في القمة !
تحية لامرأة امرأة إذ تلوّح بقامتها الأمازيغية لجموح البيشمركة المقاوِم !
 
دهوك، في 15-2/ 2017
م:
أورد هنا قصيدتها الذائعة الصيت، وهي ” أنا العاهرة ُ وأما بعد “، والمنشورة في موقع ” الحوار المتمدن ” الالكتروني ” بتاريخ 3-7/ 2006 “، للنظر والمتعة الأدبيين فقط !
 
 
لا جدوى ..
من مغازلة الجدار ِ ،
فلِمَ إلحاحي على الفصول ْ ؟!
***
كل ما حولي ..
بخيل ُ الدين ِ ،
وحدي .. العاهرة ْ !
***
ليس هناك َ ..
من صلاة ٍ ..
لطهر أسطوري ،
فليُـفسدْ وضوئي ..
يأسُ الرب ْ !
***
بل أصوﱢبُ النهدَ ..
رشاشاً ..
أصيلَ الغنائم ِ والطلقات ْ !
***
لأني ..
من أشفق على الربﱢ ..
لي .. صلاتيَ الخاصة ُ ،
لي .. عشاقيَ اليتامى ،
لي .. كل المطاردات ْ !
***
أيتها العاهراتُ ..
كل آلهة الأرض ِ ..
بصحة وعافية ْ ..
إلا هذا الربﱠ ..
استفحال ُ اكتئابْ !
***
أيتها العاهراتُ ..
لكـُنﱠ ..
آلهة ُ الأرض كلها ..
إلا هذا الإلهَ التعيس َ ..
فهو لي !
***
أيتها العاهراتُ ..
أنا مَن تدللـه ُ ..
من النهدِ إلى النهد ِ ،
أنا مَن تراقصه ُ ..
حتى تنفجرَ الشياطين ُ !
***
أيتها العاهراتُ ..
لكـُنﱠ .. فقهاءُ البؤس ِ ،
وعليﱠ .. تحريرُ رقبةِ الرب ْ !
ــــــــــــــــ

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقّوري

لم يكن رحيل إدغار موران خبرًا عابرًا في صحيفة، ولا تفصيلًا ثقافيًا يضاف إلى سجل الغياب الطويل. كان رحيله انطفاء مصباح فكري ظلّ، طوال قرن كامل، يضيء زوايا العالم المعتمة، لا بضوء اليقين المتعالي، بل بضوء السؤال، والشك، والربط، والإنصات العميق إلى تعقيد الإنسان والتاريخ والحياة.

رحل موران، لكن فكره لا يرحل. فبعض المفكرين يموتون…

إعداد وصياغة: ماهين شيخاني

حين يُستعاد تاريخ الشعوب، لا تُقاس عظمتها فقط بما شيدته من مدن أو خاضته من حروب، بل بما أبدعته من ثقافة وآداب وفنون حفظت ذاكرتها الجماعية عبر الزمن. والشعب الكوردي، رغم ما تعرض له من انقسامات سياسية وتحولات تاريخية قاسية، استطاع أن يبني إرثاً ثقافياً غنياً انتقل من الرواية الشفوية والأغنية الشعبية…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لَيس الألمُ دائمًا صرخةً مُدَوِّية، ولا الحُزن دمعة تسيل على الخد. أحيانًا، يرتدي الوجعُ قناعَ السُّخرية، ويختبئ خلف ابتسامة ساخرة تفضح العَالَمَ أكثر مِمَّا تفضح صاحبَها.

في تاريخ الأدبِ الحديث يبرز اسمان استطاعا أن يُحوِّلا الألمَ إلى لغة ساخرة جارحة: الشاعر السوري محمد الماغوط ( 1934_ 2006…

صبحي دقّوري

لا يُقرأ كتاب إدغار موران «فلاسفتي» كما تُقرأ كتب تاريخ الفلسفة المدرسية، ولا كما تُقرأ المختارات التي تجمع أسماء الفلاسفة في فصول متجاورة كأنهم تماثيل مصطفّة في قاعة باردة. فهذا الكتاب، على صغر حجمه، ليس فهرسًا لأعلام الفكر، ولا عرضًا تعليميًا لمذاهب كبرى، بل هو أقرب إلى سيرة ذاتية داخلية، يكتب فيها موران نسبه…