الشاعرة مريم تمر و (الأبله الذي يدق في غيابي)

علي شيخو برازي
 
الشعر الملتزم هو ديوان الأمم , والقصيدة هي الوثيقة الأكثر مصداقية لدى حاملي الهم الإنساني, والكلمة النابعة من الفكر النيّر, هي ناقوس لا يصمت صداه في آذان الأجيال .
وفضاء الأحرف يتسع لكل تأويل , ويحمل كل التداعيات عبر خيال الشاعر المبدع .
وهنا في ديوان (الأبله الذي يدق في غيابي) للشاعرة الكوردية مريم تمر, نحن أمام وثيقة وجدانية ووطنية بامتياز, وفي كل صفحة نلتمس الحس المرهف, ووجع الإنسان الذي يسمع عبر الحروف المزدانة بالإيقاع والصور الشعرية, هذا الحس الذي يقرع كل باب ليواسي الجراح ويمسح الدموع من على مساحات الوجد .
الشاعرة مريم تمر تأخذ بيدنا عبر 104 صفحات ملؤها الخوف والحزن والضياع, من ديوانها  المقسم كالوطن , بين السرد والنهر والضوء.
قد يكون السرد هو: حكاية البلد المباح في رحلة الموت والشتات اللانهائي, والنهر هو: الدم النازف من شرايين الحياة, والضوء أملها في غد أفضل .
تتمنى مريم أن تكون الرصاصة عصفورا, والقنبلة حمامة, والصاروخ طائرة ورقية, لكن الأمنية تتركها بلا أقدام في الشوارع الصماء .
في الصفحة 29 تقول : الحرب يا أنا تثقل ظهري باسمك…. تدعوني بشهوة جامحة لحضنك.
هنا نرى أن مريم  باتت جزءا من الحرب الدائرة في سوريا, كونها لم تغادر الوطن, وتعيش تفاصيل المعاناة والويلات, بمساحة تكبر تحملها المحدود وفق معطيات الحياة , تعيش جرح الداخل وضياع من نزحوا وهاجروا, لكنها تؤكد على انتصار الحق في النهاية.
وفي قصيدتها ( نصوص في الحب والحرب) الصفحة 38 وفي إشارة إلى إباحة الوطن من قبل كل الأطراف وضياع البوصلة, تقول مريم : كل جهة أخذة فلذّة كبدي .
الحرب يأخذ  حيزا من ديوانها , فتعيش كل أحاسيس الموت والجوع والهجرة, تموت مع كل رصاصة تطلق, وتتجمد في مياه البحار مع اللاجئين, وتغرق في كل رحلة عبر المياه البارة .
تستمر الشاعرة في هذا الإطار وتلعن الحرب في الصفحة 42 بقولها: قذرة هذه الحرب التي تأخذ صدرك من الريح .. ابتسامتك من وجهي… الطفولة من الأراجيح … وقلبك الأغر من نبض المرتعش .
يرهقها جحيم الرحيل وبوح العويل, تتكسر ثم تطحن القبلة على هامش الحلم, تبكي البقاء وتبكي الرحيل, فكلاهما سيان على خارطة الدم النازف دون مصب , تعيش الغربة في ذاتها, ترحل إلى كل الجهات, وتحاول لملمة أشلائها من على دروب الرماد .
تدخل خلجات النسوة اللائي فقدن أزواجهنّ فتقول: أترك لي زر قميصك.. ليعينني على هذا الموت البطيء , ثم تقول: كلما تربص بيّ غيابك كذئب جائع, يأكل نصفي ويرمى نصفي الآخر في طريق الحرب .
( الأبله الذي يدق في غيابي) هو ديوان وجد وسراب أمنيات, لكن مريم تقتل اليأس في عشق قامشلو بقولها:
لن تمل يدي قامتك.. قامتك الضوء ..
في الصفحة 45 تناجي النبيّ محمد , ليرى حجم الدم الذي يجري, وحجم السبي باسم دينه : آهٍ يا محمد تعالى لترى كلمة ( الله أكبر) تحل الدم والعرض والمال……
وفي الضوء تقول: ما أن أحاول نسيانك … حتى يقفز وجهك إلى ذاكرتي كسنجاب مشاغب ..
يرهقها أتون الرحيل, وبوح العويل, تتكسر وتَطحن القبلة على هامش الأمل, تدعو الراحلين إلى لملمة بقايا الحلم , كي لا يضيع على متن سفن السراب, وتبقى النصوص الشعرية أسئلة مفتوحة على مواضيع عدة, وبمقاييس جمالية مختلفة .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

في إطار أسبوع الصحافة الكوردية الذي أعلنه تحالف المجتمع المدني الكوردي، أحيا التحالف يوم الصحافة الكوردية من خلال فعالية ثقافية وإعلامية موسّعة في مدينة قامشلو، وذلك عبر ندوة حوارية برعاية ” جمعية يكبار”للثقافة والفن” العضو في التحالف، وبحضور لافت ونوعي ضمّ نخبة من الإعلاميين والصحفيين، إلى جانب ناشطين مدنيين، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، وشخصيات…

ا د قاسم المندلاوي

الفنان المناضل الراحل جعفر حسن فيلي موسيقار وعازف عود وملحن وموزع ومطرب. ولد في خانقين عام 1944، وهو احد رواد الاغنية السياسية. عاش في اليمن 20 عاما هربا من ظلم السياسات الدكتاتورية لنظام البعث، وفي مقدمتها ظلم الطاغية صدام حسين للشعب الكوردي، وخصوصا للكورد الفيليين. وفي اليمن عمل…

أحمد جويل

كزهرةٍ توقد العطر
على مناديل الصبايا
يجمعن القطا من بيادر القرية
في الليل أهمس للقمر
لإهدائي النور
على أصابعكِ
كي أعزف على صدركِ
وجع السنين….
صيد الحجل وتفاحات آدم
الممنوعة…
يمنحانني السكينة
وأنتِ تغنين بشفاهكِ
على أوزان القبلة
ويداي تداعبان الشمس
في مخيلة العشاق
نوارس البحر….
تحمل إليّ
منديلكِ المخضب بالحب
وأنا أخبئها
لعجاف قلبي
تعالي نقلب عاصفة
الريح
إلى وشوشات
على أضواء المدينة
كلهم كانوا نيامًا
سوى قلبينا
والبدر
يرسم لوحةً لوجهكِ
الطفولي……
وأنا أقطف الكرز من بساتينكِ
المحمية من احتمالات
السقوط
في أفواهٍ غائرة
لا…

عبد الجابر حبيب

نعمةُ العُري

في ساحةٍ مكتظّةٍ بالمعاطف، وقف رجلٌ يصفّقُ للبردِ ويعدّهُ فضلاً، قال فرحاً: العُريُّ يقرّبنا من الشمسِ والهواء… صفقَ لهُ بعضُ الحمقى. عند هبوبِ الريح، اختبأوا خلف أوّل جدارٍ… وترَكوا كلامهمُ يرتجفُ في العراء.

*******

درس

وكأن الوطن ضاق بي، فتعلمت أن أتركه لغيري، سلّمت بيتي لآخرين، ومضيت… كنت أقول: هكذا نصير أكثر إنسانية، وحين تعبتُ…