جان دوست، لم يرحم نفسه ولا يرحم قارئه أيضآ

محمد زينو
قبل لحظات أنهيت قراءة رواية كوباني للكاتب الكردي جان دوست ، Jan Dost
صار لي يومان وانا لا اتجرأ أن أفكر بكيفية كتابة عدة جمل و أسطر حول هذه الرواية.
انت لا تسطيع قراءتها وتفكر وترى ما حولك من أحداث الحياة الآنية.
على قارئ الرواية أن يخرج من ذاتيته الآنية ، أن يخرج من عالمه المعاش ، أن يبعد كل ما هو في متناول اليد والبصر والسمع .
ان يقرأها بصمت . لكي يقدر الولوج بعالم الرواية .
يختلف عالم الرواية عن عالمنا وصيرورة يومياتنا المعاشرة بكل دقيقة وساعة .
عالم الفرح والمرح والضحك والعمل والسفر .
ان القارئ لن يفهم حيثيات الرواية إن لم يتجرد من ذاتيته.
انك تدخل عالم كوباني بكل فجاعته وقسوته وعنفوانه.
عالم الدمار والدم والموت والتشرد والفزع والخوف .
عندما تسأل أحدا عن كوباني ،ماذا يعني لك هذا الاسم ؟
نسمع عادة انها مدينة المقاومة ، المدينة التي حطمت حلم داعش بشوارعها.
إلا كوباني هي أكثر من هذا بكثير .
هي أكثر من تحطيم حلم
هي أكبر من مجرد معركة
هي أعظم من مجريات حرب صارت من نصيب التاريخ يكتبها المؤرخون ويقرؤها الرومانسيون والفضوليون .
هي أكبر من قصص يرويها الكبار للصغار قبيل النوم .
انك أمام كوباني المحنة .
انك أمام تحفة نادرة الوجود والوجه .
يرصد الكاتب تاريخ تأسيس وتطور وتوسع هذه المدينة منذ بدايات القرن الماضي وحتى اليوم.
إنه يدخلنا في دقائق حياة الكوبانيين من النواحي الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية وهو يتابع سير تفاعل أهلها بالمنزل والمسجد والسوق والحقل .
لقد رصد الكاتب حياة أسرة كوبانية وجعلها مسندا لمجريات الحياة في هذه المدينة وافرادها ابطالا لروايته هذه .
إنها أسرة حمه زراف، الكردي الهارب من ظلم الدولة التركية بعد فشل الثورات الكردية ، الذي عمل وكدح بصبر وعناد قل مثيله ، انه رمز الكردي الصلب الذي لا يلين شوكته ولا يستسلم للاقدار بسهولة .
يرزق حمه زراف بولد بعد اربع زوجات ويتزوج ذاك لينجب أطفالا كثرا.
محمد الذي يختار سبيل العمل بالتجارة ومتين يلتحق بقوات كريلا ولوند يلتحق بقوات بيشمركه وباران العاشق للموسيقى والطرب والحب ومصطفى الذي يلتحق بقوات الجيش السوري وخديجة التي ستفقد زوجها وطفلها دارا بمياه بحر ايجه وروشن الجميلة التي تنضم إلى قوات الحماية الشعبية YPG .
يرصد الكاتب حياة الأسرة الكبيرة فردا فردا ويضع القارئ بمشاهد مفجعة وموجعة لمصير كل منهم.
يقتل الابن الكبير محمد مع أمه تحت أنقاض منزله في كوباني أثناء الغزو الداعشي للمدينة .
يقتل مصطفى بالجيش السوري بعد انتفاضة قامشلو عام 2004 بظروف غامضة .
يستشهد لوند على تخوم شنكال ضمن قوات بيشمركه روج في كردستان الجنوب .
تستشهد روشن في مدينة كوباني دفاعا عنها ويقطع داعشي قافقاسي رأسها .
يستشهد متين أيضا في كوباني بتفجير داعشي مخيف .
تغرق خديجة في نهر الراين بألمانيا بعدما فقدت زوجها وابنها في البحر بين تركيا واليونان.
يذبح باران العاشق بإحدى شوارع قرية بضواحي الرقة بسكين داعشي ،أثناء زياراته لحبيبته سوسن ويحطم الته الموسيقية في مشهد مرعب أمام حشد من فاقدي الوعي والبصيرة.
آلة الموسيقى وسيف بتار
اغنية عزبة وصيحات التكبير
لقاء الحبيبة ولقاء المجرم
البسمة والدم
هنا في ساحة القرية يتصارع الخير والشر
يتصادم الأمل والقطيعة
يتفاعل الفرح والفزع
يتحارب الموت والحياة
تهرب ما تبقى من الأسرة إلى تركيا بعد دخول داعش إلى المدينة وتعيش فترة بخيمة في إحدى ضواحي سروج وترجع إليها بعد تحريرها.
تتعرض الأسر الهاربة إلى أنواع وصنوف الابتزاز والنهب والاغتصاب في مهجرها التركي .
تحاول زوجة محمد لملمة جراحها بعد موت زوجها بين الأنقاض .
يفقد رب الأسرة الكبيرة عقله بعد سماع ورؤية هذه المآسي والفواجع .
إنه فقد الأسرة والاولاد والمال والزوجة والمدينة .
تمثل هذه الأسرة نموذجا لمعظم الأسر الكردية الكوبانية، اذ قلما يجد المرء أسرة كوبانية لم تفقد أحد أفرادها شهادة وغرقا وهجرة وتشردا.
اننا نرصد الان مع الكاتب جان دوست مرحلة تفكك الأسرة الكردية اربا ومعها يتفكك الروابط الأسرية والاجتماعية في المجتمع الكردستاني في غربي كردستان.
ثم…..
ثم يدخل الكاتب قارئه في بحر الخيال والذكريات وتاريخ اسرته نفسه .
استغل جان دوست كل شيئ في منزله وسخرها في الرواية ، انه جعل من غرفة والده الشيخ الجليل مسرحا كبيرا لجمع ذكريات حياة الكوبانيين.
إنه جعل من أمه نموذج المرأة الكردية الجبارة حنانا ورقة وروعة وعذوبة.
إنه صور لنا شجرة الرمان في باحة منزله وغرفته / مكتبته وباب المنزل وشارعه وحارته / حارة سيدا.
قد يبدو للقارئ أن تلك الشجرة مجرد أغصان وازهار وثمرات ، الا انها عالم مليئ بالذكريات ، ذكرى من أتى بها ومن زرعها وسقاها ونام وعقد جلسات السمر والسهر تحت ظل وريقاتها .
قد يبدو للبعض أن نافذة الغرفةمجرد فتحة لدخول الهواء إليها، إلا أن بحر من الذكريات والأحداث جرت هنا .
هنا غمز الكاتب اول غمزة لفتاة جاره، من ضوء الآتي من النافذة علم الأصدقاء أن جان مستيقظ ويولوج إليه لشرب كأس شاي .
إنه يمسك بتلابيب قارئه ويأخذ معه إلى هناك حيث الطفولة والفتوة والرجولة والترحال والزواج وقصص الحب الأول والقصيدة والكتاب الاول .
إنه يدخلنا بعالم مزركش مليئ بصور بالرومانسيات والروعة ولكنه لا يدع القارئ يستمتع كثيرا بهذه الصور إذ سرعان ما يذكره بالحاضر ، بالانقاض والتشرد والقتل والدم .
لعل أكثر ما شد انتباهي هو تلك اللغة الكردية العذبة التي سخر جان دوست كل كلمة وجملة وعبارة يعرفها من مخزونها اللغوي الواسع .
إنه يمتعنا كثيرا لمدى عذوبة لغتنا الكردية.
إنه استخدم كلمات وعبارات كردية كادت أن تمحى من ذاكرة الكرد واحاديثهم.
إنه لماساة مفجعة ألا يجد المرء مشهدا مفرحا بين ثنيان الرواية المؤلفة من 408 صفحات .
كيف بك ، أيها القارئ أن تقرأ الفرح والمرح والضحك والبهجة وانت أمام كوباني.
كوباني المدمرة
كوباني ….. حيث قضت الحرب على كل ما هو جميل وبديع فيها .
كوباني التي روت الدماء والشهداء والعناد ازقتها وشوارعها.
لا مكان للفرح هنا .
Jan Dost
لم يرحم نفسه ولا يرحم قارئه أيضآ.
آن لي أن أتصور نهر الدمع المنهار على خدوده.
إعلم ذلك لأني ازرفت دموعا أيضآ أثناء قراءة الرواية .
اني اصمت بعد قراءة كل مشهد فترة واعيد بذاكرتي مرات عديدة مصير أبطال الرواية .
مرعب هذه المشاهد
كبيرة هي مأساة الكوبانيين.


شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…