«ممحاة المسافة» للشاعر والكاتب إبراهيم اليوسف توهج إنساني يشعر القارئ أنه شريك في السيرة

مردوك الشامي*
 
ربما لأنني أعرف ابراهيم اليوسف منذ صباه، ومنذ قصائده الأولى ، وولعه بالمسرح، وشغفه بالعمل القومي ، ورؤيته واقع الحال السياسي التي جعلته مطاردا بكسر الراء أخطاء الأداء السياسي ، ومطاردا بفتح الراء من قبل زبانية ذاك الأداء السياسي العقيم ..
ربما لكل ذلك ، أقرأ اليوم كتابه ” ممحاة المسافة – صور ظلال وأغبرة ، كأسرودة ذاتية ” الصادر عن “أوراق للنشر والتوزيع ” ، قراءة مختلفة عن أي قراءة عابرة لأي قارىء آخر.
منذ الكلمة الأولى ، شعرت بانجذاب سري إلى لغته أولا ، هذه اللغة اللا سردية ، واللاقاموسية ، هي القصيدة تستلقي على مدى 450 صفحة ، بكامل بهائها وغواياتها ، بمنتهى أناقتها وظرفها ، وحدتها في آن..
أجزم أنني أثناء قراءتي كنت أسمع لهاث قلبي يلاحق العبارات ، وأصغي إلى أنفاسي تطارد فراشاته الجميلات ، أتعب ، وأواصل المطاردة ، وخلف كل سطر فخاخ من بنفسج ، ووراء كل صفحة باب يوصل إلى باب آخر يفضي دائما إلى كل ما هو جميل وشائق وشائك معاً.
كأنما حملني كتابه على بساط الاشتياق من كل سنوات المنفى التي عشتها ولا أزال ، ووضعني أمام الأمس ، أمام المدينة ، وقراها ، أمام بيوتها وناسها ، مدارسها ، شخوصها ، طيبيها وظالميها ..ضحاياها وجلاديها ..
كان هو صاحب الحكاية ، بطلها ، وفي الوقت ذاتها ، كانت البطولة للآخرين ، لرفاق القرية الأولى ، المدرسة الأولى ، التعليم ، العذابات ، التفتح السياسي والثقافي ، كان ابراهيم يؤرخ عبره وعبر كل هؤلاء لأخطر مرحلة تمر بها المنطقة ، مرحلة السبات الذي كان يتأجج كما جمر ملتهب تحت رماد الانتظار ، ومن ثم هبت الريح فتحول المكان المسالم إلى بركان من رفض وتضحيات.
كتابته لا تشبه سرديات السيرة لدى الآخرين ، هو شاعر حكّـاء ، تصويري بامتياز ، يحمل القارىء معه عبر الزمان والمكان ، يأخذه في رحلة حقيقية معاشة ، فيشعر أنه كان هناك ، في تل افندي ، في تل حجر ، في شارع الحرية ، في القامشلي ، تطارده عقارب القرية ،وعناكب السلطة ، ويناطحه كبش المرايا الفريد ، ويتشارك مع ابراهيم اليوسف مائدة الفقر الكريمة ، والعزة والكبرياء التي بلا حدود ، يتشارك معه أبواه ، وأعمامه  وعماته وخالاته، وأشقاؤه ، وكل الذين عرفوه..
يكتب عن الناس بشغف ، هم محبرته ، زوادته ، ثريّـاه وثراه أيضا ..
وهم أيضا قضيته الأولى ، نصه ، وجمهوره ، ينبت بينهم ، ويصطحبهم إليه ، كأن الناس أبجديته الأم ، قبل أبجدية الفقهاء والصوفيين التي تعلمها على يدي والده السيدا ، وأبجدية المحبة التي تلقاها من والدته الملاك الأصيل .
هو لا يستخدم الممحاة هنا للمحو ، بل يستعملها للتدوين ، للحفر ، ممحاة ابراهيم اليوسف قلمه ، وألمه ، أوراقه وحبره ، صدقه الكثير الشفافية والجرأة على ذاته أولا ، ثم على الآخرين .. هو لم يتورع عن كتابة أخطائه وعيوبه ، ولم يبتعد عن وصف الحال كما كان عليه ، هذه المصداقية هي التي تجعل من الكتاب حقل قمح وارف بالكرامات ، لم يمارس الإدعاء أبداً ، ولم يستدع البطولات والغارات والفتوحات كما قد يفعل كثيرون .. لعلي أجزم بذلك لأنني كنت الشاهد على كثير من المراحل التي مر بها إبراهيم اليوسف ، ومرت بها المنطقة بأسرها ..بل هو في أحايين كثيرة أخفى تواضعاً بطولات كان يجب عليه تدوينها ليكتمل المشهد ..
تمتعت باستذكار تلك المراحل،  أعادني ابراهيم إلى أماكن ، وجوه ومواقف وأصدقاء رائعين ، وإلى أنواع من البشر الطفيليين كانوا يعيشون بيننا ، ويعتاشون على موتنا وإذلالنا..
هو أسمى كتابته ” أسرودة ذاتية ” ، أنا أسميها حكاية حياة ، رواية ذات اختلاف شكلاني عن سردية الروايات المعتادة ، تأريخ عاقل لزمن مجنون .
في كثير من صفحاته ، قرأت سيرتي ، مفرداتي ، وجعي ، كم كنا متشابهين ، ولم ندر ، وكم يشابهنا شباب تلك المرحلة الذين بعضهم غدوا رجالا وكهولا ، وكثيرون منهم شهداء ومنفيين ..
جمالية النص لغويا ، لم تلغ أبدا واقع الحياة / الصورة .. وتقطيع الكتاب إلى نصوص عديدة لم يلغ هذا الحبل السري الذي يجمع كل تلك النصوص معنى ومبنى ولغة شديدة الثراء ، وهذا ما يميز اليوسف ، قامة لغته عالية عالية ، وهي على علوها ، بلاغة معاصرة ، تحمل في طيات حروفها ذاك التوهج الإنساني الذي يشعر القارىء أي قارىء للسيرة أنه كان شريكا فيها ، وأنه عاش في كل البيوت التي عاش فيها ابراهيم ، وان والدي ابراهيم ساهما في تربيته ، ويعرفهما تمام المعرفة ، وأنه صديق أصدقائه ، ورفيق تنقلاته ، وكرمه ، ووريث خرابه المادي ، وتغاضيه عن الثروات إلا أن يمنح الآخرين كل ما لديه ، حتى لو لم يكن يملك سوى محبرة مليئة بالنوايا الطيبة، ورغيفا مشحونا بالثورة يتقاسمه مع المتظاهرين في الشوارع والمقاتلين في الفن والأدب ضد أبشع طاغية عرفه التاريخ القديم والمعاصر..
ممحاة الذاكرة ، كتاب يستحق القراءة لتستقيم لدينا لغة النبض ، والقلب ، والانصهار في الآخر ، ولكي نستعيد بلداتنا ، ومساقط الرؤوس ، ولكي لا تنمحي البيوت التي غادرناها مرغمين من لوائح الاشتياق وعربات العودة.
 
شاعروإعلامي وناقد سوري “من مدينة قامشلي” مقيم في بيروت

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.

من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن…

عامر عثمان ” إيفان “

لَنْ تَكُونَ المَدِينَةُ فَاضِلَة

وَلَنْ يُرَتَّبَ الزَّمَنُ حَيْثُ نَكُون

أَضْحَتْ كُلُّ الوجُوهِ رسُومَاً دُونَ تَفَاصِيل

أَمَا آنَ للموَازين أَنْ تَرَتِّبَ العَدَالَة العَاقِر ؟

فَلا كِيميَاء كَمَا نَقَاء إِيمَان السَّمَاء

العِلْويّ الرَّزين

أَبَدَاً . . .

لا كِيميَاء . . .

 

عبد الستار نورعلي
في الليلِ
ناداني الكتابُ
وفتَّحَ الأبواب، قالَ:
“هيتَ لكْ”!
أسرعْتُ..
ملهوفاً إليهِ،
دخلْتُ فصلاً….
بعدَ فصلٍ….
بعدَ فصلٍ….
بعد…..
لم أجدْ..
،”فصلَ الخطابِ”؛
حتى أضعْتُ
وفي غيابي
بينَ طيَّاتِ الحسابِ
رقمَ السُّؤالِ،
رقم الجوابِ،
لكنَّ “مصباحَ ديوجينوسَ”
أهداني القرارَ،
وسلَّمَ
عنْ طيبِ خاطرِهِ
مفاتيحَ الجوابِ،
فنمْتُ….
والأبوابُ مُشرعَةٌ،
وفي أيدي الليالي..
كانَ رأسي (جَرَّةً)،
تسكبُ ماءَ العينِ
في كؤوسِ جُلَّاسي:
منَ الأقلامِ
والأوراقِ
والكلماتِ
عشّاقِ الشَّرابِ….

(الخميس 30 نيسان 2026)

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…