أنا وشجرة الصاعقة

 ابراهيم محمود
هذه ليست قصة سريالية، إنما واقعة حقيقية أردت نقل لحظة تأريخية لا تُنسى، عندما أوشكتْ صاعقة أن تأتي على شجرة البلوط التي أحتمي بها من مطر خفيف، وهي ذات جذع غليظ، كغيرها من مجمل الشجر غير المنتظم في المكان، بجوار  قرية ” Dêra gijîk  ” التي تقع شمالي دهوك مسافة ” 40 كم ” تقريباً، حيث اتفقنا نحن العاملون في مركز بيشكجي للدراسات الإنسانية- جامعة دهوك، أن نمضي إلى رقعة خضراء فيها يوم الثلاثاء ” 15-5/ 2018 “، دون أن نعلَم بنوعية المفاجأة التي خبأتها لنا الطبيعة، أو أمّ  السوط السماوي: الصاعق من عل ٍ.
أتحدث هنا عن تلك اللحظة الغفل من التسمية، من التفكير فيها، بحيث لا يكون في مقدور الشعور أو الوعي النظر في حقيقتها، أو مجريات أحداثها، وكيف أنها، وهي في مقياس الثانية أحياناً، تستدعي شريطاً هائلاً وشديد التلون من الذكريات، وهو ما يفكَّر فيه بعد تجاوزها أو النجاة من ربقتها،والدخول في رحابة عمر جديد، كما يقال .
لقد كنت مأخوذاً بتجليات الربيع الكردستاني، بالشجر البلوطي الذي كان يتناثر في المكان كعقود طولانية لا تواري بدعتها أو فتنتها ، وعشب صاعد إلى أعلى، وكل ذلك كان يزيد في شهية النفس والسباحة الروحية في بهاء الطبيعة والخضرة المتألقة في المكان.
كانت أصواتنا تتصادى في المكان رغم التباعد النسبي، حيث كان الأصدقاء على مبعدة خمسين متراً وربما أقل مني، ورذاذ من المطر يدفع بنا، تحت مظلة غيمة شفافة إلى البحث عن ملاذ دون حساب لمتحولات الطبيعة.
صحيح أننا كنا نسمع بأصوات بروق من مسافات بعيدة نسبياً، لكننا كنت نتوقع انفراجاً في السماء لنتموضع بشكل أفضل في المكان، ويبدو أن حسابنا لم يكن دقيقاً، أو حسابي أنا بالذات.
في تلك الثانية التي ألمحت إليها، حيث الشجرة التي انتقلت منها محتمياً بأخرى تفصلها عنها مسافة ما دون الـ” 20 ” متراً، شعرت بأن أرضاً تهتز، وما يشبه الوميض الهائل، وانقطاع التيار الكهربائي لوعيي، أو ما يشبه فقدان الوعي وانسلاخاً عن المكان بالذات: تلك كانت صاعقة ضربت سوطها الناري الشجرة المقابلة، لكن ضغطها الرهيب والمهيب زلزل المكان عموماً ضمن دائرة تعدت عشرات الأمتار وكنت الأقرب، توقعت في إثرها أنني أصبتُ بالصمم، حيث رائحة الشواط انتشرت في الرقعة الجغرافية تلك، جراء ملامسة الشجرة الرطبة، وقد أصبت والأصدقاء بالذهول، غير مصدقين لما جرى في الختام، أي وقد سلمنا من سطوة الشجرة الصاعقة، كما سمّيتها.
جمدت في المكان لبعض الوقت، وأنا أحاول العودة إلى الواقع، واندفعت لاشعورياً باتجاه الأصدقاء الذين كانوا يتابعون المشهد مثلي وهم ذهول، ذهول يترجم عدم تصديقنا لما حللنا فيه وعدم إصابتنا بأذى برقي، كما يُسمى .
كانت أنظارهم متجهة إلي، لقربي من المكان المصدوم بالذات، ربما لأنهم لم يصدقوا نجاتي أنا بالذات، وأنا أتجه إلى حيث هم مهرولاً ومصدوماً بهول الواقعة الرعدية بالذات، ليطمئن كل منا الآخر وهو سالم معافى .
لقد بقيت لبعض الوقت، وربما لساعات أعيش اللحظة الصاعقة، وتداعيات الحالة، والطمأنة المستمرة من قبل الأصدقاء علي، ولم يكن في مقدوري إخفاء الأثر النفسي لما جرى بالذات .
وإذا كان لي أن أصف الواقعة بدقة أكثر، فإن ذلك يحتاج إلى زمن طويل والكثير من الورق، وما عشته في عمر الثانية الزمنية في عمقها والصور التي تداعت كالشلال، وكأنها طرحت عمراً طويلاً، ومشاهد تداعت بدورها من أمكنة بعيدة، وبمستويات مختلفة، أو بإيقاعات مختلفة، وكيف أنها فاجأتني أنا نفسي بما لم أعشه سابقاً، وفي أي لحظة أخرى من عمري الزمني الطويل نسبياً، لعلها تجربة شاقولية ترجمت نفسها هي الأخرى في هيئة أخرى، وما هو خفي في حياتنا الواعية، وأفصحت عن جوانب غامضة، وما أكثرها وأوسعها وأعمقها، لا يحاط بها، ثانية هي تجربة عمر من نوع آخر، شدَّتني إلى عالم قار في الروح، وفي نسيجي العصبي، ربما تصيب المرء بالهلوسة أحياناً، لكن بالنسبة إلي، لم تكن هلوسة، إنما رد فعل نفسي، عصبي، عضوي، وجدتني منزوع القوة وإرادة التحكم بها” بالثانية المزلزلة تلك ” مأخوذاً برهبتها، وما في ذلك من عجز، أستطيع القول، ودون أي ادعاء، بأنني لو حاولت الدخول في عملية توصيف لها لاحتجت إلى زمن طويل، كما أشرت، واستشعرت المزيد من النقص كلما سمّيت أشياء، وعبَّرت عن مشاعر وأحاسيس وتصورات.
ثانية من العمر، تجربة فذة من عمر غير محتسب، يوم مشهود له بفرادة حدث وصل ما بين الأرض والسماء، هي ما أردت التأريخ لها بإيجاز شديد، لأشكر المكان الذي خرجت منه حياً، وأخص بالذكر الشجرة التي أصابتها صاعقة، وأقصتني عنها بقدرة، وأختها الشجرة المقابلة لها وأنا ملاصق لها طبعاً، كما لو أن قوة ما لعبت دوراً إنقاذياً لنا جميعاً، وأنا بالذات، والأصدقاء الذين تصاحبنا معاً إلى المكان ذاك وغادرناه ونحن في وضعية آمنة.
دهوك، في 17-5/ 2018 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…