رواية سليم بركات «زئير الظلال في حدائق زنوبيا» والقارىء الكردي الطفيلي

إبراهيم محمود
رغم أن رواية سليم بركات “زئير الظلال في حدائق زنوبيا ” قد صدرت سنة 2017، وفي قرابة ” 580 ” صفحة من القطع الوسط، ونوّه إليها جهة الصدور في منابر ثقافية عربية مختلفة وغيرها. سوى أنها لم تلق أي اهتمام، في حدود متابعتي لها، رغم أنها تستحق القراءة. لعل موضوعها التاريخي وبناءها الفني المعقَّدين، غير ” مطلوبين ” لجل النقاد العرب المؤدلجين، أما جل القراء/ النقاد الكرد” قراء العربية “، فهم ملحَقون بالأُول، لكنهم طفيليون هنا كعادتهم، فهم كثيراً ما يردّدون ببغاوياً، ومع تحوير القول، لما هو مقروء هنا وهناك عربياً.
يطرح السؤال النقدي نفسه: لماذا همّشت لا بل أهمِلت هذه الرواية؟ هل أن ذائقة القارئ العربي، ضجرة موجوعة من موضوعات تاريخية، خاصة بالنسبة لما هو سوري، ويتقهقر به إلى زمن موغل في القِدَم ؟ وأن ذائقة القارىء الكوردي الذيلية، لا تستسيغ كتابات كهذه لاحقاً، إنما كيف يجوز ذلك، وهو مأخوذ بسليم بركات و” إعجازه ” الفني في كل ما يسطّر ؟
لقد كان في الإمكان قراءتها عربياً، ربما، أكثر من مجمل رواياته الأخرى، بوصفها رواية استثنائية لبركات، ناحية موضوعها، لكنها لافتة للنظر بخاصيتها، حيث يسهل عدُّها تفخيماً وتبييناً لتاريخ ” قومي عربي ” إن استقرأنا ما يكتَب في هذا الجانب عربياً على أكثر من صعيد. سوى أن الشأن السوري طرح نفسه سياسياً أكثر من كونه اجتماعياً وثقافياً” أذكّر، مثلاً، كيف تهافت القرّاء العرب ونقادهم، وفي إثرهم القرّاء الكرد، وضمناً ” نقادهم “، على قراءة ديوانه الشعري: سوريا، وتُرجِم إلى الفرنسية، مثلاً، سريعاً ، وما في العنوان من صنعة إيديولوجيا “. وفي المستوى الثاني: لا يُهتَم بالرواية كردياً، لأنها تمضي بالكردي نحو تاريخ يجد نفسه غير ملزم به، وإن كان فيما تعرَّض له بركات، وصاغه فنياً، يتعدى ما هو تاريخي. بمقدار ما يتطلب السؤال عن مغزاه. لقد أصبح بركات ضحية مركَّبة: للقارىء العربي الذي يأنف من موضوعات كهذه، وفي هذا الظرف، والقارىء الكردي، لأن هناك تاريخاً لا يعنيه أمره.
طبعاً، تستحق الرواية قراءة على مستويين: مستوى التاريخ، ولماذا انشغل بركات به، كما تقدَّم. أوليس كل موضوع مباحاً للكاتب ليستمد منه ما يمكّنه من صوغ نصه، أثره الفني؟ ومستوى الإبداع الذي يتجرد من كل جنسية، وماالذي أفصح به عنه بركات رمزياً .
ثمة شخصية زنوبيا وهي في الأسر الروماني، واسترجاع ما حدث، ومساءلة ما حدث، ومساءلة المسئول عما جرى؟ أيخاف الرجل من مساءلة المرأة، باعتبارها محاكمة له، وهو ما يعتبره تجاوزاً لها لحدودها المرسومة ذكورياً؟
ربما تعيش ذلاً، كان الرجل، ومن كانوا يحيطون بها سابقاً في موقع الاتهام. تخاطب الطاهية، وهي في القلعة: الأسر الروماني بمرارة ( السنون الباقية لي، يا عزيزتي نوتيسيا، ليست إلا خنانيص ترعى في الوحل .ص 28 ) .
وفي مشهد لحشرتين سرعوفتين: ذكراً وأنثى في تسافد، ما يسترعي النظر، ومغزى المشهد، بالنسبة إلى زنوبيا، حيث يكون كمال الجسد، وحين ينتهي أمر الذكر وهو مستغرقٌ لذة، ويموت حتف لذته، كما أسلفت القول أيضاً ( لذة السرعوفة الذكر هواءٌ حول جسد الأنثى. هو ينفث نفسَه هواءً من حولها قبل اعتلائها للسفاد والإنزال. يترك جسده خلفه، ينفصل عنه في كيان آخر لا مرئي، يتركه لا ألم فيه وليمة ً هبَةً من امتنانه لما تهبه الأنثى من وقت جسدها المتأني في استلام ضرورة الخلْق منه مَنْياً. ص 37 ). 
ثمة إشارة إلى الخيانة التي تفعل فعلها في التاريخ ( ” كلكم خونة “، صرخت زنوبيا ثانية . ص 53 ) .
ما يشد زنوبيا إلى ما كانت عليه مجداً، هو عنفوان القوة، عبر زئير الأسود في جنبات تدمر، علامة السيادة، والمقدرة، حيث يتكرر الاسم، والامتلاء بالزئير، وفي الوقت الذي يمحو الزئير صفة التجنيس: زثير الأسد: ذكراً أم أنثى ( ماذا أسمع؟ “، دوَّى الصدى قبل الصوت في القاعة من حنجرة زنوبيا. ” أأكتب إليه توسلاً بالعفو عنا؟ أين نحن منروح أوديناثوس ” ملك تدمر ” المشرفة علينا ؟ اسمعوا الزئير “، قالت مشيرة بذراعيها إلى تمثالي الأسدين المجنَّحين، متقابلين على جانبي العرش. ص 206 ). الفرق كبير بين أسدين حجريين، لصقها، وطليقين، حيث كانت أو تكون ملكة، ذات مقدرة في تدمر.
الحديث عن الخيانة يُسكِننا التاريخَ، وهو ما تسعى إلى طرحه زنوبيا بلغة حادة، وجارحة، وما في ذلك من تعنيف ومن تأثيم للرجال، ومن خانوا زوجها الملك، وما في هذه المتابعة من إبراز شأن المرأة في شخص زنوبيا، وهي تقلق المحيطين بها، حتى امبراطور روما ذاته: أورليانوس ( انقلبت المعاني على ظهورهتا، وانكمشت الحقائق المنجزَة في خيال زنوبيا على نفوسها، ألماً من مغْص الحقائق. تحدَّبت الأرض وتقعرت. تخلَّعت السماء بجذورها من التراب الأزرق في بساتين الأعالي. انهدَّ الزمن جدراناً وسقوفاً. علق كلُ شيء بشباك كل شيء فوضىً من تدافع الصور أمام بصر قلبها- قلب الإمبراطورة التي أحصت انتصاراتها لمْحاً. ثم انقصتها لمحاً بِعدّ ما تبقى على أصابع الشك. جثا يقينها على ركبتيه لاهثاً ..ص 513 ) .
زنوبيا كانت ممتلئة بعشق تدمر، وكان الألم يعصف بها وهي ” تُقتَلع ” منها أسيرة ( ببصر منهوب، منكوب، رنت زنوبيا إلى المدينة متباعدة- كل ذراع بُعْداً جرحٌ فرسخٌ طولاً في أعماقها الممعوسة كمعدن حُبِطَ، والمدعوكة كقماش مُعتَصر بعد البلل. نهضت عن مقعدها في العربة. أدارت بصرها على مرافقيها على الخيول تودُّ لو أنهم لا يرونها…ص575 ) .
لا يُراد من المقتطفات التنبيه إلى ما يمكن النظر فيه، وما يمكن تجاوزه، فالنص واحد، ولا قراءة دون كلية النص، سوى أن فسحة المتابعة، تتطلب استئذان النص ببعض منه، إيفاء بمعنى يشغل الآخر: القارئ، ومن يعنيه أمر الأدب: نصاً إبداعياً، أم نقداً، بعيداً عن التشدق أو التملق، ليكون استواء المعنى، وولادة القراءة غير المحسوبياتية !

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…