ليتني كنت السابع .. قصة قصيرة

بقلم:ماهين شيخاني
انطلقت الحافلة المليئة بالركاب،باتجاه المدينة البعيد والتي تستغرق رحلتها الاعتيادية،حسب خط سيرها المقرر من قبل إدارة المرور/خمسُ ساعات.ولذلك حاول الأستاذ مصطفى مدرس مادة الفنون وأخوه، قطع تذكر أمامية ،قريبة من جهاز الفيديو،ليتسلوا بمشاهدة الأفلام لحين وصولهما إلى المدينة.
أخرج سيكارةً من علبته وضعها في فمه،وهو يفتش عن ولاعته المهداة إليه في إحدى المناسبات ، وقبل أن يشعل السيكارة،كان مرافق الحافلة واقفاً على رأسه.
 – لو سمحت،الشركة تمنع التدخين،يرجى التقيد والالتزام بذلك.
أبتسم مصطفى وقال: تكرم…أهلاً وسهلاً بك وبالشركة، طالما ممنوع للكل،ولكن بما أنك منعتني من التدخين، أليس من حقي أيضا .أن أطلب(كاسيت)لفيلم هندي يكون على مزاجك .
 – بكل سرور(قالها المرافق ذو الشكل الجميل والأنيق في ملبسه).لديَّ فيلم هندي باسم مرد وسأضعهُ بعد الضيافة مباشرةً.
كانت الحافلة تنطلق كالسهم تخترق البوادي دون أن تعيقه صعود أومنحدر . وكان منظر قافلة من الشاحنات الكبيرة التي تئن تحت حملها ، تحاول جاهدة الإسراع دون فائدة . كسباق مجموعة من الشيوخ العجز مع لشاب رياضي نشيط، فقد بقيت القافلة وراءها حتى فقد أمل اللحاق بها .
الأشجار الحراجية وأعمدة الكهرباء والهواتف تتراجع من جانبي الطريق. التفت انتباهه الى فلاح شاب بجانبه فتاة تحت ظل شجرة وارفة.خرجت تنهيدة طويلة من صدره وغلب عليه الخيال كانا على مقربة من نهر الخابور …تظللهما أشجار السرو والسنديان.جالسان على مقعد أسمنتي ويده تشبك يدها. وهي صامتة.
–  ما بك…أحبك…أحبك أنت فقط .لاأحد غيرك لها مكان في قلبي.
–  ولكن أخبروني…نعم أخبروني بأنك على علاقة مع فتاة أخرى – قالتها بحزن
–  أخبروكِ ..من ..؟ عمك الذي سحب علينا المسدس،أنه رياءٌ وافتراء. يريدون أن يبعدوك عني يريدون أن تذبل زهرة حبنا…أهواك أنت..أعشقك أنت .. دونك الدنيا بلا..
– أعرف مشاعرك اتجاهي ومتأكدة منك يا حبيبي،ولكن كلماتهم عنك تضايقني، عند سماعي بذلك يقشعر بدني أتألم !! آسف لأنني أخبرك عن مكنونات قلبي .
 – هل تضايقت…؟ 
 – أبداً… – ولكنني سببت لك الازعاج- قالها مازحاً: بمناسبة هذا الخبر المزعج والكاذب، ماعليكِ إلا مراضاتي ومراضاتي ليست سهلة كما تعلمين.؟ 
ضحكت وقالت: اغمض عينيك…وبعدها ستنال ما تطلب.
وأغمض عينيه وهو في نشوته العارمة.
حاول فتح عينيه،أحس بضبابية الألوان وشعر بدوار في رأسه وكأن كابوساً مرعباً زاره في المنام …ارتعب وصرخ بأعلى صوته حتى جفلت الممرضة الواقفة إلى جانبه…ماذا حدث ..أخبروني؟
أين…أنا..؟أين الحافلة.؟..أخي..أخي أين هو..؟ يا إلهي رأسي…تؤلمني..
اقتربت الممرضة، مسحت أثار الدم المتبقي على وجهه وعيونه وبَعَدَتْ جفونهُ عن بعضها وزالت الأوساخ بالقطن المعقم وقالت:
هوَّن عليك ياأخ…أنك رَجُلْ…حمدا لله على سلامتك …كان حادثاً مؤسفاً ذهب ضحية اللامبالاة ستة أسخاص من جملتهم السائق و مرافقه، المساكين ماتوا قبل أن يصلوا الى المشفى ، أما الباقي فأغلبهم أصيب بكسور وجروح بسيطة، وأخوك بخير وهوفي الغرفة رقم ( 17) ولكن للأسف هو أيضاً مصاب في ساقه.
–  أريد رؤيته…أرجوكم…بالله عليكم طمئنوني.
 – أطمئن ولا تخاف،صدقاً أنه بخير وقد يزورك بعد قليل، هو أيضا قلقٌ عليك وأخبرناه بالحقيقة مثلما أخبرناك. 
–  أريد رؤيته ولو لدقيقة واحدة، خذوني إليه…أرجوكم…أتوسل اليكم…وأثناء ذلك سمع دقات على الباب-ودخل عليهم رجل- وقال: 
 – مرحباً يا أستاذ…يا فنان…مد يده للمصافحة . 
 – يبدو أنه يعرفني / قالها في سره /.
–  كانت يده اليمنى سليمة،أراد أن يمدها للضيف القادم إليه، وحين رفع بصره وتفحص ملامحه.تجمّدت يمناه وتغير لون بشرته وقال بمرارة (يكاد لا يسمع):أنتْ. 
–  نعم أنا…المساعد أبو الزند،ألم تقل بأنك تستطيع رسمي خلال خمس دقائق، ها أنذا آت إليك.لقد رأيت أسمك في سجلات المشفى وسمعت بالحادثة ،بالمناسبة أنا أعمل هنا كاتباً، فقد سُرحت من الوظيفة مثلك…ألا تريد أن تفي بوعدك ،أم أنك نسيتني .
–  كيف لي أنسى ذلك اليوم، مداهمتكم لبيتي في ساعة متأخرة من الليل. استقبالكم وحفاوتكم…كيف أنسى كلماتك الرقيقة عندما قلت:سأنسيك حليب أمك…كيف أنسى ذلك السوط والخيزرانة والكبل الرباعي وغرفة التحقيق،ومعلمك كيف أنساه وأنتما الأثنان تتناوبان 
على تعذيبي نفسياً وجسدياً وذلك دولاب قياس600/14عندما وضعتموني فيه .وهو يقو لك:
ابن الـ….مهيأ حالو نفسياً.
–  كان يتذكر تلك اللحظات الأليمة كشريط سينمائي- وما زالت يده ممدودة كما هي، قال: لاتؤاخذني علىذلك ،كنت مرغماً،ذلك كوني في(00000) لقد كانت وظيفتي آنئذ…
– وظيفتك كانت إهانة الناس وتحطيم مشاعرهم وأحاسيسهم،وبصوت مخنوق_ماذا فعلت لكم…؟ شتّان مابين عملي وعملك…لقد حرمتني من وظيفتي كوني أقمت معرضاً فنياً دون أذن منكم…ألم يكن عندنا سلطات مثلكم..أم أنك كنت التحري البطل.واستغللت الوظيفة لأحقادك الشخصية …ألم تخاف من ربك وأنت تقول لمعلمك أقاويل كاذبة،ملفقة،كي يزداد جرمي وأمامي،ولم استطع أن أتفوه بشيء..أنت تعلم بأنك افتريت…كذبت(ومازالت يده كما هي). ولكن مثلك لايخاف أحداً.لأنك بلا رحمة ولاضمـ… 
وتدخلت الممرضة في تلك اللحظة وقالت :هدىء من روعك يا أخ …الانزعاج مضر وسيء بالنسبة إليك وقد يجلب لك مضاعفات نحن بغنى عنها…
– لا يا أختاه…ليتني كنت السابع ولم أر وجه هذا الرجل ثانية. 
تراجع إلى الوراء محاولاً إسناد ظهره الى الوسادة،ونزلت يد أبو الزند الى الأسفل واتجه نحو الباب بعد أن همست الممرضة في أذنه.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بدعوة من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، نظّمت لجنة الأنشطة في الاتحاد ندوة أدبية وحفل توقيع للمجموعة القصصية الأولى للروائي الكردي عبدالسلام نعمان، بعنوان “زوجتي الأخيرة كانت عاهرة”، وذلك في قاعة الأنشطة التابعة لمنظمة كاريتاس بمدينة إيسن الألمانية، يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 2026.

وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً من…

صدرت حديثاً عن دار الزّمان بدمشق المجموعة الشّعرية الثّانية «أوراقٌ تقودُها الرّيح» للشاعرة السّورية ندوة يونس، وتقع في نحو 128 صفحة من القطع المتوسّط، بغلافٍ أنيق للوحة للفنانة التشكيلية د. سمر دريعي ومن تصميم الفنان جمال الأبطح. يُذكَر أنّها أصدرت مجموعتها الأولى «النّبض المرهق» سنة 2021م.
كتب مقدمة هذه المجموعة النّاقد صبري رسول بعنوان «مغامرة…

كردستان يوسف

أنا خبز الصباحات الجائعة
تأكلني الحروب كل فجر…
تفتتني أصابع الجوع
ويعجنني الدمع
في صحون الفقراء
قلبي…
كأنه عجين من حنين وملح
يختمر في دفءِ الأمهات
وينضج مثل صلاة
في صدر المساء

يا أيها الغارقون
في قداسة الجمعة…
وفي صلوات التراويح…
أَتخافون الله
وقلوبكم سكاكين؟
تقطعون أوردة النساء
وتحرقون القصائد
النائمة
في حقائب النازحات…

أنا امرأة…
حين خانها الجميع
بقيت
تغسل الليل
من عتمتكم
وتفسح المكان البهي
لراهبة
تسكن محراب ضفائري
تصلي…

عبدالجابرحبيب

على رصيف الوجع

كنتُ أُراقبُ المدينةَ

وهي ترتدي وجهاً آخرَ في كلّ صباحٍ،

تغسلُ ملامحَها بماءٍ مُعادِ التدويرِ،

ثمَّ تخرجُ إلى النهارِ

لتغفو فوق أنقاضِها القديمةِ،

وتُؤجِّلُ تعبَها إلى وقتٍ لاحقٍ.

 

أعرفُ ياصديقي،

أنَّ الأصواتَ لا تموتُ هناكَ،

إنَّهم يحفظونها في عُلَبٍ مُحكَمةٍ،

يفتحونها حين يشاؤونَ

لتُعيدَ ترديدَ ما يُشبهُ الهتاف،

لكن، أتُصدِّقُ يا صديقي؟

أسمعُها تخرجُ باردةً،

كأنَّها لم تُخلَقْ إلَّا لتُقالَ.

 

قلتُ لكَ ذات مرةٍ،

أكرهُ الأفاعي كما؛

أكرهُ هذه…