وجوه قامشلي التي لم تكنْها «في زيارتي السنوية إليها صيف 2019 » – 2

 ابراهيم محمود 
2- متى نصبح بشراً ؟
خلال زياراتي السنوية إلى قامشلي صحبة العائلة، تعمَّق لدي ذلك الشعور الواعي، وهو أن الكرد شعب بصيغة المضاف إليه. مضاف إلى غيره، وليس نفسه، إلى تاريخ غيره، بصيغة ما، وليس تاريخه الذي يرسمه شعباً، إلى جغرافية سواه المتشكَّلة، وليس جغرافيته التي يشار إليها في مناسبات رفْع الشعارات والحماس الكردايتي. شعب عالق تاريخياً، مبعثر جغرافياً.
ثمة ما يترتب على قول كهذا، يمنعه من أن يصبح في مستوى اسمه: بشراً كآخرين .
في صيغة ” المضاف إليه ” يكون السابق عليه هو الأساس، فقولة ” رأيتُ نهر الفرات ” تعطي الاعتبار الرئيس للنهر، والفرات يحال عليه، أو يعرَف بسابقه، وإن كان يوضّحه.
أيُّ ” مضاف إليه ” شغلني هذا العام بصيفه القائظ، كما هو وضع الكرد القائظ على مدار عمرهم الزمني، والجغرافي؟ وحفّزني على التلويح بنقطة كهذه، لعلها تثير حفيظة كثيرين ؟
على مستوى القوة: الشعوب مستويات، والقوى درجات. ثمة شعب يعرَف بنظام ما، وهذا النظام محكوم بقوى/ قوة أخرى. وتلك خاصية للمضاف إليه سياسياً. وفي أنظمة المضاف إليه، نتلمس مفارقات مثيرة للسخرية أحياناً. أنظمة شكلية موجَّهة بقوى كانت وراء تكوينها، وهي بدورها تمارس تحكماً بشعوبها، دون أن تخالف توجهات المتنفذين فيها . نستدعي التبعية هنا.
في حال الكرد، وهم جار تقسيمهم، حال جغرافيتهم، تتحكم بهم لغات المتنفذين فيهم. يعني ذلك أنهم في ظل ” المضاف إليه ” سياسياً وإيديوجياً، يعرَفون بمن مارسوا فيهم تقسيماً وتلغيماً .
سوى أن ” المضاف إليه ” الكردي، يتميز بعلامة فارقة، تتمثل في أن الذين يمثّلونه على خلاف فيما بينهم، وهذا يعني في الحال، أن كلاً منهم يكون ” مضافاً إلى ” قوة متنفذة فيه، أو تستهويه هذه القوة بحكم المصلحة الضيقة ” اللاكردية طبعاً ” .
وعلى قدْر تمزقات الكرد، يمكن الحديث عن أصناف ” المضاف إليه ” سياسياً .
مسوّغ هذا القول، هو أن ظهور نسبة منا كلاجئين، هنا وهناك، عمَّق هذه الحالة، وأفصح عن مدى ابتعاد الكرد عن جغرافيتهم، تاريخهم، وثقافتهم ” الموحدة ” .
إذ إن الذي ينفَّذ فيهم هو حكم التفرقة المشتهاة، وليس الوحدة المرتجاة، التباعد وليس التقارب .
منذ عدة سنوات، وأنا لاجىء كردي، وفي جهة جغرافية كردية: دهوكية، لا يفارقني هذا الشعور في ضوء المعيش اليومي، مهما شُدّد على الكردية الملموسة هنا وهناك. فأن أكون ” كردي روجآفا، كردي: سِيري ، باللهجة القائمة هنا “، أو من هذه الجهة أو تلك، فذلك ترجمان السالف ذكره.
هذا الوعي المأساوي يتبدى من خلال العلاقة ، رغم أنني أعيش في وضع متحسن، أو أفضل، مقارنة بنسبة لا بأس بها من ” كردنا اللاجئين “، وذلك بحكم وجود ” علاقات خاصة “.
العلاقات الخاصة توجّه سلوك الكردي، وتحدد هويته الفعلية. وهذا يبرز من خلال زيارة ما إلى الأهل، المكان، أو الجهة في روجآفا، إذ لا بد من أخْذ موافقة جهة سياسية معينة، ليكون في المقدور التوجُّه، ومن ليس في مقدوره ذلك، لن يكحل عينيه برؤية المكان الذي قدِم منه.
كل من يمضي إلى هناك، يجب أن يحسَب على جهة، أو شخص ما، ولستُ خارج هذا التصنيف، ويكون عبوره تبعاً لقوة الطرف الداعم. بينما يقتضي الوعي القومي الكردي وجوب الاتصال بالأهل، المكان الذي جاء منه هذا أو ذاك، حقاً من حقوقه، في السنة ولو مرة واحدة على الأقل، حتى تبقى صلاته على قوتها بذلك المكان، كما خرج منه.
سؤال: أنت من قبَل من؟ يلازم كل قائم بالزيارة. طبعاً في الجانب الآخر، تكون المحسوبيات، هي عينها فاعلة في مقام خاصية ” المضاف إليه “، وبصيغ أخرى.
الكرد محكومون بسواهم، مضافون إليهم، سوى أنهم فيما بينهم، وجرّاء انقساماتهم، يعيشون وضعاً تنافسياً، فيه من العداء والكيدية والحساسية، ما يبقيهم أهلاً للاستمرار محسوبين على تاريخ سواهم، وجغرافية سواهم، وثقافات سواهم.
إنها لمعاناة كبيرة مترجَمة في هذه النوعية الفارقة من العلاقات ” المضافات إليه “.
لكم كنت أتمنى، وفي زياراتي السنوية، أن أمضي إلى مكاني الأول، أهلي وأصدقائي ومعارفي ممن لا زالوا هناك، حقاً من حقوقي الطبيعية، وليس منّة، أو بتوكيل. لكم كنت أتمنى في السياق، أن ينظَر في وجهي أحد المعنيين بتسوية المعاملة ” الحدودية : النهرية المتماوجة ” ذات مرة، وهو يبتسم، معرَفاً بنفسه علي، وليس العكس، أو وهو يسألني مستفسراً: ابراهيم محمود الكاتب، أليس كذلك؟ كنت أضطر أحياناً كثيرة إلى التعريف بنفسي، دون أن أجد اهتماماً يذكر غالباً، لدى مسيّر المعاملة. فالأصل هو في المتبني، قبل كل شيء. لكم تساءلتُ: أيعقل ألا يوجد ضمن هذا المجموع المعني بما هو حدودي من ليس له صلة بما هو ثقافي؟ أم أن الموضوع موصول بتصريف الثقافي البائس أصلاً ؟
أيحق لنا، أن نمضي في لوم الأعداء، ونحاسبهم على ما نحن مسئولون عنه أكثر ؟
نعم، نحن شعب المضاف إليه، سوى أن المضاف إليه الذي يتكلم بـ” لغات ” كردية يبز مجمل المضافات إليه لهؤلاء المعروفين أعداء للكرد تاريخياً وجغرافياً ؟
متى نصبح بشراً ؟ سؤال مطروح للمختصين بأحوال ” المضاف إليه ” هنا وهناك كردياً !
…… يتبع
3- دخول قامشلي بمخاوف مضاعفة :

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…