تجمهرٌ في 20-3-1981 *

 كيفهات أسعد 
تجمهرٌ
كلُّ الذين أعرفهم تجمهروا
كلُّ الذين لا أعرفهم تجمهروا
صغاراً، كباراً، رجالاً، ونساءً 
الكلُّ يبحث عن “زين ” له
الكلُّ يبحثن عن ” مم ” لهن
كان عمري عشر سنواتٍ من اليتم المجبول بدم أغاوات القامشلي
وللتو أنهيت ” ملحمة مم و زين ” المترجمة
بحثت بينهم عن زينة لي،
مقلداً كلَّ العشاق الموجودين 
مقلداً ممو وصديقه 
لم أتنكر كما هم،
في هذه الساحة وحين يطلق المزمار أجمل أصواته وأعلاها،
كانت نهود الفتيات تهتز تحت أثوابهن المزركشة كخيول النَّوَر،
 والمقصّبة كظهر خنفساءة الذهب،
تهتز نهودهن،
وتتمايل بمشيئة الرقصات وصفعات الطبل،
تهتز نهودهن فتفوح منهن رائحة الخزامى والسمّاق ،
وتفوح منهن رائحة عطر ( الكاريس ) منطلقة من وادٍ عميق محشورٍ ومدفون بين نهودهن
الى أعلى خيالات الرغبة.
يلجم شهقات الرجال  أصوات خلاخل الذهب، صدى الأساور في أيديهن.
هسهسة أقراطهن ورائحة الحليّ، 
تنطلق  الزغاريد مبشّرة المكان بالفرح 
وعينيَّ بالاندهاش.
في الطرف الآخر من الساحة البعيدة  للقامشلي، 
توازي ضربات الطبل، صيحات امرأةٍ 
ضرب أقدام داخل رحم تلك “الاشيتية”
هاتوا الماء،
هاتوا الماء،
هاتوا الشرشف الموّرد بالياسمين الأبيض وهاتوا الماء الساخن،
أيّ مساء هذا،
وأيّ ولادةٍ،
ستجعل كلَّ صراخ تَرَفاً،
وكلَّ التواريخ تبدأ اليوم 
ستجعل بيادر القرية الباردةِ في آذار ربيعاً ثانياً هذا المساء .
أيّ ولادةٍ سأنسى قبلها كلَّ الولادات 
وبعدها كلَّ الولادات 
أيّ غنجٍ هذا المليئ بالورد ونبات العوسج البريّ 
وعطر الخزامى 
أي ورمٍ جميل المكتنز بها  تلك الآشيتية كل ذاك العام  
أي مخاض أنثى حبلى بماء العشق تلك المسمى مجازاً ” لونا” 
وأنا ذاك الرائي 
أحاول نقش صدى أحلامي بالكلمات،
وأن أضيئ لذاك الطفل جميع أشيائه الخاوية 
ذاك الطفل الطاعن في العشق كمجوسي، 
الطاعن في الشوق كعبرانيٍ تائه،
الطاعن في مفاجئة يحاول رسمها بقلبه الصغير 
أنا ذاك الذي يقترب من حقيقة غائبةٍ كسراب مسموم.
اليوم ايضاً أشتاقك 
اليوم ايضاً ،
يتصاعد من حولنا الصمت، والابتسامة هي الوحيدة الناجية 
من ذاك الصمت .
والنَفَس الذي ينزلقُ صعوداً هبوطاً من رئتيها أيضاً.
يا لطفلةٍ ناصعةٍ 
تطير البراءةُ من تحت أهدابها كما فراشات الحقول، 
عَبَثية الشّعر ذاك الخرنوبي،
المثخنة بالفرح الذي يغازل شفتيك 
يا طفلةً؛
شاخَت على خدودها الوردية أكواز العسل 
يا صديقة الليل وحارسة النجوم،
يا رفيقة الهواء وأخت الشمس،
يا حارسة البراري وصديقة الأنهار ،
يا صديقة البحيرات وحارسة بجعها ودوارها.
اليوم أيضاً يتصاعد من حولنا الصمت،
مازلتُ أركض خلف تلك الذكريات،
أنثر الهواءَ خلفي،
وأنثر مع الهواءِ،
ثقةُ أمي “التي تظن أنني أجمل الأولاد لطفاً”
كبيرقٍ يهوى، ويهجس بآلامه،
بشرفٍ شرقي، يبكي، صامت كمالكٍ حزين
ويزحقُ لها حلقي كسفرجلةٍ عجرة
مازلت أركض خلف تلك الذكريات،
وأتأبط لعنة اللغة
ولعنة الشوق 
ولعنة الانتظار 
ليومٍ يكسر فيه صمتك الوقور كتمثال برونز
بلهفةِ العاشق 
أرافق الناس،
أعبر جسر القطار باتجاه قبة “نظام الدين” الواقفةِ بتماهٍ
كي أزيح عنها غبار عام كامل من الانتظار.
أنا الرائي 
أحاول تذكر شكل العشاق وهواجسهم ؛
أهجس معهم، مرهق 
عيناي كثعلبين هاربين من أصوات القرويين 
كل فتيات القامشلي تأتين في معراجٍ لتلك القبةِ
كلهن يبحثن عن عشاقهن
يأتين مثل الحمام ينقرن حبةً ويطرن .
كفقاعةِ صابون أو كمشةِ ملح في بحرٍ مجنون،
يأتين ناصعات كالخطيئة، ويغبن كحلمٍ قصير 
كل ذلك اليوم لم أنبس بأية فرح غير التأمل والترقب 
أحمل جعبةً مليئة بالحسرة
كصائم ينتظر  نحنحة ” الملا قاسمو ” من مكبر الصوت معلنا الغروب
……..
مقطع صغير من كتاب قيد الطبع

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…