نبع في ذاكرة التاريخ.. قصة من قريتي

هيثم هورو 
  -١-
قبل اكثر من نصف قرن كان الفقر والحياة البسيطة سائدة وعلاقات الحب نادرة جداً وفي غاية السرية ، حيث كان المجتمع آنذاك يرى الحب قبل الزواج أمراً معيباً ويجلب العار ولا سيما لأهل الفتيات ثم يعتبر خرقاً للسلوك الاجتماعي المألوف في المنطقة، لكن رغم هذا الحظر المستبد ، نشأت علاقة غرامية بين الشاب جانيار والفتاة كلستان على الطريق المؤدي إلى بئر الماء الذي كان يبعد عن قريتهم بمسافة قصيرة .
جانيار يقود حماره المحمل بالصفائح المعدنية لتعبئة الماء من البئر ، وكذلك كلستان تعمل نفس التدبير .
مرت أيام وأسابيع ، جانيار وكلستان يذهبان بنفس التوقيت إلى البئر لجلب الماء حيث تزداد بينهما علاقة حب حميمي ويتغازلان بكلمات تفوح منها عطر ورود الجنة ، وفي إحدى المرات ومن سوء الحظ صدف جوان وهو أحد أبناء عم كلستان العاشقين في الطريق وهما يعودان من البئر إلى القرية ، وحينما وصل جوان إلى بيته ، افشى سر الحبيبين حالاً ثم أكد لأبيه بأنه يراهما مراراً في هذا الطريق .
لم يصبر عم كلستان مطلقاً خشية من الفضيحة المؤاتية ، فزار منزل أخيه والد كلستان في الليل ثم كشف عن العلاقة بين كلستان و جانيار والتي تمس شرف العائلة بشكل مباشر ، فأثار هذا الكلام غضب والد كلستان واصبح يفور كبركان ثائر ، وعلى حين غرّة اتخذ القرار بأن يتابع هذه القضية بنفسه وكأنه كان يراوده الشك بأقوال أخيه .
-٢-
نفذ الماء في البيت أمرت الوالدة ابنتها كلستان بجلب الماء من البئر قامت كلستان وهي مسرورة جداً بسرج الحمار ثم وضعت الصفائح المعدنية على ظهر الحمار وقادت حمارها المطيع ومرت من أمام منزل جانيار ، حين رأى جانيار حبيبته فأسرع حالاً بسرج حماره ثم حمّله الصفائح المعدنية لجلب الماء ولحق بكلستان .
رأى مصطفى كيف نفذت كلستان طلب امها بتلهف ودون تردد فخرج هو الآخر حالاً من البيت حاملاً بندقيته الألمانية متجهاً صوب البئر ، لكن قبل وصوله إلى البئر اختبأ خلف كومة من الحجارة المصفوفة على جانب الطريق وهو يراقبها خلسةً ثم رأى بأنهما يتعاونان في تعبئة الماء وعلامات البهجة ترتسم من وجهيهما ولا سيما يفوح من محيط البئر عبير أشجار الدلب والحور والنسيم العليل يعانق أوراق الأزهار المزروعة على أطراف البئر التي جعلت المكان قطعة من الجنة فيها حوريان يتغازلان بأعذب الكلام ، ولسوء حظيهما كان لا يعلمان من يقف خلف تلك الكومة وشرارة الغضب تتناثر من عينيه وينوي غسل العار حالاً .
عادت كلستان برفقة حبيبها جانيار من البئر إلى القرية وحين وصلا إلى قرب تلك الكومة ظهر أمامهما شخص يشبه العزرائيل وهو كان اب كلستان ثم أشهر بندقيته على جانيار ووجه له عبارات نابية وقال له يا عديم الشرف ماذا تعمل مع ابنتي؟ هنا دافعت كلستان عن حبيبها وأردتفت قائلة لا يا والدي لم نجلب لك العار ولا زلنا طاهرين أرجوك ان لا تتسرع في حكمك علينا. 
لكن طلقة البندقية كانت أسرع من كلمات كلستان فأخترقت صدر جانيار بسرعة البرق وأردته شهيد الهوى ثم أطلق عزرائيل الحب رصاصة أخرى على ابنته العاشقة و اردتها ايضاً شهيدة ثم طارت أرواح الشهيدين إلى السماء لتتعانقا فوق نجمة وضاءة .
-٣-
لاذ بالفرار والد كلستان إلى قرية ميدانا حيث التقى هناك بصديقه خليل وأخبره حالاً من قتلهِ للشاب جانيار وابنته كلستان وهو فخور بفعله لأنه غسل العار حسب العادات والتقاليد في المجتمعات المتخلفة. 
فرد عليه صديقه متفوهاً : لا حول ولا قوة إلا بالله ما هذه المصيبة يا صديقي لكن لابأس ، ستظل في منزلي مختفياً وهو ملاذك الآمن لحين نضع حلولاً ، سر والد كلستان بأقوال صديقه المخلص ووقوفه إلى جانبه وحمايته ، أدخلت هذه الكلمات الطمأنينة إلى  قلب والد كلستان.
مضت فترة من الزمن اهل جانيار يبحثون عن والد كلستان ليلاً ونهاراً للانتقام والثأر منه وأخيراً عرف والد المغدور مكان اختفائه في قرية ميدانا .
حبك اهل جانيار مؤامرة خبيثة حيث دبروا شخص اسمه جمعة وهو من سكان ميدانا ، وذلك لقاء مبلغ كبير من المال . 
بدأ جمعة بتنفيذ خطته حيث تعمد بمصادفة والد كلستان وإقناعه بالعمل معه في تجارة التهريب عبر الحدود مع تركيا ولا سيما انه فقير معدوم المال .
مضت ايام قليلة جاء جمعة في ليلة مظلمة برفقة شخصين من القرية ثم اصطحب معه والد كلستان وحملوا جميعاً البضائع على ظهورهم وعندما وصلوا قرب الحدود ، جلسوا للاستراحة قليلاً ثم استعدوا ثانيةً بالمسير على رتل أحادي وفي مؤخرتهم جمعة المأجور .
وبعد أن ساروا مسافة مئة متر تقريباً ، أطلق جمعة رصاصتين من الخلف على والد كلستان فأرداه قتيلاً أما الرفيقان الآخران لجمعة أكلتهما الصدمة وصرخا بوجه جمعة قائلان معاً لماذا يا خائن قتلت هذا الرجل ؟ فرد الخائن عليهما هذا ليس من شأنكما ، ثم عادا هذان الرفيقان إلى قريتهما على الفور وخيبة الأمل تعصرهما وعلامة الحزن والندم لا تفارقهما ثم انتشر هذا الخبر المشؤوم سريعاً بين أهالي القرية ، عرف خليل حالاً بأن جمعة هو الذي قتل والد كلستان وأهل جانيار هم الذين دبروا هذه المؤامرة الخبيثة والخسيسة .
على اثر هذا الحادث المفجع استدعى خليل أهالي القرية إلى جلسة موسعة تحدثوا فيها عن طريقة قتل والد كلستان ، الذي كان يعتبر هذه القرية ملاذاً أمناً له ، ثم اكد خليل هنا هذا العمل الجبان يعتبر وصمة عار على جبين القرية ستلاحقهم مدى الحياة. 
وبالنتيجة قرروا الحضور بالإجماع على إعدام جمعة رمياً بالرصاص جزاء لغدره وخيانته العظمى وليعتبر عبرة تسجل في ذاكرة التاريخ .
وبقيت هنا ألية تنفيذ هذا القرار :
قدر عدد الذين طوعوا لتنفيذ عملية الإعدام رمياً بالرصاص حوالي أربعون شخصاً ، إيماناً منهم لرد الاعتبار إلى قريتهم .
حضروا هؤلاء جميعاً مع بنادقهم ثم اجتمعوا تحت ظل شجرة سنديان كبيرة معمرة الواقعة في وسط ساحة القرية وهم يراقبون قدوم جمعة من أسفل  الوادي .
وإذ ظهر جمعة قادماً إلى القرية وهو لا يعلم ما ينتظره من أهالي القرية وهو يسرح ويمرح في مخيلته سيعيش حياة مليئة بالرفاهية والثراء وعندما وصل إلى امام هذا الجمع الغفير فلم يخبره شيطانه عما يدور في خلد ابناء قريته وسلم عليهم ثم سأل أحدهم :  خيراً ان شاء الله فلم يرد أحداً عليه السلام ثم قال : الآخر له اليوم عرسك يا خائن وأطلق رصاصة عليه فوراً ثم تابعت البقية جماعياً بإطلاق النار عليه واصبح جسده كالغربال ، ثم تعالت الأصوات وتقول هذا هو عقاب كل خائن وكل من يضرب عاداتنا وتقاليدنا عرض الحائط ويخون اللاجئ مهما كان سبب قدومه إلى قريتنا 
– ٥ –
إلى حين تنفيذ الحكم بقتل جمعة كان جثة والد كلستان متروكة في مكان غدره قرر خليل بجلب جثة الضحية والد كلستان إلى قريته ثم تم دفنه ، وألقى خليل كلمة تحت خيمة العزاء وأستنكر بشدة تلك الجريمة الغادرة ثم قدم شديد اعتذاره لذوي صديقه المقتول والد كلستان
-٦ –
هذه القصة الدراماتية الحقيقية لا تزال تنقل شفهياً من جيل إلى جيل ، لكن لا يستطيع أحداً من الجيل الجديد ان يصدق قصتنا الفعلية ويراها ضرب من الخيال !!!
  ٢٠١٧   

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…