فلك/روشن

ابراهيم زورو

الكثير من المفكرين قد رحلوا فقراء لسبب غير معروف، فأغلب المفكرين الفرنسيين كانوا للوطنية ولأفكار الثورة الفرنسية مثالاً يحتذى بهم، فبعضهم قد تركوا اولادهم في الميتم كي يتسنى له الدفاع عن الثورة الفرنسية والقيم التي آمنوا بها لأجل فرنسا. وكذلك بالنسبة للكثيرين من مفكري العالم. ونحن الكورد لا نشذ عن هذه القاعدة، رغم الهوة التي بيننا وبين الأخرين لجهة الوعي الوطني، فوجودهم متحقق عبر دولة وطنية تحافظ عليهم وتدافع عنهم. فالأرث الذي تركه لنا محمد شيخو غني عن التعريف لم يكن بحاجة إلى أحد كي يتكلم عنه، لما له من قيمة فكرية ووطنية لا يشق له غبار، 
اعتقد من المعيب أن نتكلم عن محمد شيخو الذي أدخل مساحة صوته إلى قلوبنا عنوة عنا، لهذا فهو قد دفع حياته ثمناً لأفكاره من النفي والتهجير والفقر والعوز والجوع والحرمان، يبدو أن محمد شيخو قد أخطأ كثيراً في اختيار نوعيه جمهوره كمستمعين لصوته ولحنه ونوعية غناءه، وقد توجه مباشرة إلى الوطن جعل منه علماً برأسه نار يعلو صوته الأخاذ؟ وقد شبه الوطن بكل مشتهيات الحياة وكما أدخل إلى القاموس الكوردي مبادىء وأسس وأدوات (الفلسفة الوجودية) من القهر والحرمان والحزن والفرح والحب والألم والضحك والغربة والأغتراب، أي قد سافر في نفسية شعبه عميقاً بتلك المصطلحات الوجودية التي تعتني بالانسان من الداخل كما يقول ابو الوجودية وفيلسوفها “سرن ميخائيل كيركجارد” ليكون مقبولاً لذائقتهم النفسية! مثله مثل أي كاتب يريد أن يترك أثراً ويمضي، ولم يترك مناسبة إلا وحضرها بقامته الطويلة كقامة وطنه! وصوته الأجش الذي راق لنا أن نقلده في حلنا وترحالنا، بقول واحد أن محمد شيخو غني عن التعريف لدى كافة فئات شعبه وفي كافة الأصقاع المعمورة ضمن وطنه!.
إما سعيد يوسف فهو أيضاً قامة موسيقية رائعة في السياق الكوردي وحيث أن عزفه كان بارعاً وهو قد توجه إلى جمهور ربما مختلفاً عن جمهور محمد شيخو، فعرّف عن سعيد يوسف، أنه اباً للأغنية العاشقة يغني للحب ولم يختص بالاغاني الثورية والوطنية مثل محمد شيخو! رغم أنه يملك شذرا من أغانيه تنحو بهذا الأتجاه! إضافة إلى ذلك أن سعيد يوسف نحا نحو الآخر إلى المحيط العربي لأن عزفه كان يساعده في ذلك،
لست بصدد مقارنة بين عملاقي الأغنية الكوردية ولكن اعتقد أن محمد شيخو قد خسر كثيراً في اختيار جمهوره تماماً أكثر مما لدى سعيد يوسف! لأن جمهور محمد شيخو على اساس أنه جمهور عادي جاء ليشجعهم على فعل الأنتماء للوطن، ويحملهم أي جماهيره على فعل الخير تجاه شعبهم فكان الأجدى بهم أن يكونوا رمزاً من رموز الشهامة والعزة والكبرياء! ولكن هذا الأمر جاء مخالفاً لفكر محمد شيخو ولم يرتق اختياره بمصاف نوعية النص الشعري الذي اختاره، وهذا الذي لم يعان منه سعيد يوسف كثيراً كونه غنى لقامشلو بينما شيخو غنى لكل البلدان الكوردية ترى أي عيب في خطاب محمد شيخو؟! حتى بات اغانيه غريبة عن جمهوره، لو فاق من غفلته يوماً سيندم! نظراً لتعبه الذي راح سدى، ومن أكبر نواقص اغاني محمد شيخو أنه بات ملعباً لكل من هب ودب، فالعميل عندما يريد أن يغسل ذاته من العار يستمع إلى صوت محمد شيخو؟ الأستاذ الجامعي عندما كان يتفق مع الامن السوري يستمع بصوت عال إلى محمد شيخو، التافه الذي مر من هنا ذات يوم كان يغني ويستمع لأغاني محمد شيخو، حتى كاد اغلب الناس يفكرون أن محمد شيخو لم يغني لأجل الوطن بل بات جهازاً لكشف العميل عن الوطني وكلاهما الآن يساعدان بعضهما في الحصول على سرقة لقمة الشعب في خضم الثورة السورية، من هذه الناحية نام أمير البزق هادئاً بدون صخب في اختيار جمهوره، فالعاشق سوف يأتي إلى عرينه هكذا؟ وهو أول كوردي من لحن لمطربين عرب وهو أول من لقب بأمير البزق على المستوى السوري إن لم يكن على مستوى الشرق الأوسط، نادى بتحرير المرأة! وأعطى لقامشلو اسماً أزلياً لا ينازعه أحد عليه، وقد حارب من قبِل لأنه لم يقترب من الأغنية السياسية! على أساس محمد شيخو يعيش في جنة عدن بينما سعيد يوسف يحيا لوحده! ويعود إلى سعيد يوسف ربما الفضل كله في تأليف أول فرقة موسيقية في لبنان! أي أنه كان يدافع عن الكورد من خارج الكورد عكس ما كان يفعله محمد شيخو الذي كان رجلاً داخلياً بهذا المعنى!.
ختاماً: أي نهاية حزينة شلف على هذين العملاقين! إنها نهايات أليمة رغم أن جنازة محمد شيخو كانت جنازة مهيبة وأغلب من شيعوه كانوا طلاب مدارس وأناساً بسطاء التفوا حول زعيم الأغنية الكوردية، هكذا احبوه على أنه ثروة وطنية وقومية للشعب الكوردي، الجميع أموّا إلى جامع قاسمو نظموا صفوفهم ينعون قائدهم الكوردي العظيم الذي قُرن بشخصيات عظيمة التي مرت على تاريخ الشعب الكوردي، للأسف جمهوره التزموا بيوتهم دون حراك وربما كان خوفهم يزجيهم أمام سياط رجالات الأمن!. أما القائد الآخر سعيد يوسف قائد البزق وأميره فقد ذهب عميقاً دون أن يرف جفن لأحد، بضع اشخاص حضروا جنازة هذا القائد ويذكرني بجنازة الدكتور طيب تيزيني! ومحمود درويش واخرون. وأينما حل الزعيم سعيد يوسف كان يحمل الحاناً كوردياً يتصدر المشهد بدون أي منازع! كان يزور الملحن محمد عبد الكريم بين الفينة والأخرى!. لباسه كألحانه المرقع Rewşê Rewşê Rewşenê Pepûkê li te rebenê هكذا مضى rebenê في سياق ذاته اميراً للبزق عاقب الجمييع بالحانه ورتابة صوته!
ارقدوا أيها السادة في قبريكما فنحن لم نستحقكم تماماً أمير البزق الكوردي سعيد يوسف وضميرنا محمد شيخو! لكما باقات من دموع الأمهات لتغسل عارنا على أننا لم نستطع أن ننتمي إليكما كما انتماءكم لنا، جسديكما البارين واريا تراب قامشلو، فيها عشتما، وفيها فقرتما، وفيها رحلتما، سلاماً لكم وعليكم وإليكم إلى يوم تبعثون…عذرا منكم وخجلاً اضع كلماتي تحت أرجلكم الطاهرة من كل بد،،، اذا ضربنا جداء الطرفين في الوسطين يذهب الانبياء إلى نومهم ليبق شيخو هو سعيداً والعكس جميلاً،،،
سعيد يوسف
محمد شيخو
——————- 
  إذا اعجبتك المادة
يرجى مشاركتها مع اصدقاءك من خلال النقر على رموز وسائل التواصل الاجتماعي في اعلى
الصفحة

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…