النمر والحية

إبراهيم محمود
وحيداً كان، كما هو في نطفته الأولى، مأخوذاً بقوته الحيوانية المعهودة، المسجَّلة منذ الأزل في سجل الطبيعة، مسيطِراً على مساحة واسعة من حوله، متلذّذاً على طريقته المعهودة بوحدته، وهو مقيم أعلى شجرة ضخمة تضمن له أماناً وراحة وظلاً ورؤية لما حوله. لا شيء يمكنه إقلاق راحته، أنّى لحيوان آخر وهو بخفته ورشاقته وجماله أن يصعد إليه وينافسه على مكانه، أو يقترب من الشجرة ذاتها، شجرته، وقد أطلق من جسمه رائحة علامة حضوره في المكان، والغذاء وفير، حيث لا أسهل من أن ينقضَّ من عليائه على فريسة  تمرُّ من هناك، ويصعد بها إلى حيث كان، يلتهم منها ما يشبعه، ويشرب من ماء نبع بالجوار، ويلوذ بالسكينة بعدها .
الحيوانات تقدّر قوة بعضها بعضاً، وهي ترسم إشارات دالة على هذه القوة، وترسم بها حدودها الطبيعية مذ كان الوجود، وظهرت الكائنات بألوانها فيها، وأي صراع يحصل  فيما بينها، يكون جرّاء التباس معهود أحياناً في إدراك غريزي للقوة، التي تعلي شأن بعضها، وتنهي بعضها الآخر. والنمر توارث هذا المفهوم الطبيعي للقوة مذ كان سلفه الأول، في غذائه وإثبات وجوده، ودفاعه عن حدوده، ويتأكد ذلك من جهة الحيوانات المنتشرة في محيطه، وهي على علْم به غريزياً، بعض منها يدخل منطقته أحياناً فيشعر غريزياً في الحال بخطأ ما، بانتهاك حرمة معينة، فيجفل منتبهاً إلى هذا الخطأ، ليتراجع، أو ينسحب في هدوء، بعض آخر، لا يقيم لذلك وزناً، ولو بعد حين، فيحصل صراع، أو تهديد، ويستمر النمر حيث كان، كما لو أن شجرته تشد من أزره، وهي بعمق جذورها. هكذا نشأت علاقة من نوع آخر بينه وبينها، فيتمسح بها أحياناً، كما لو أنه يسرح ويمرح في حضنها، لتتحول أفرعها أياد ٍ تمسح هي الأخرى على وبره الناعم الطويل، وتمسّد على رأسه المغزلي، سعيدة شجرياً بوجوده، وهو يبعد عنها مخاطر العبث بها
في بعض الأحيان كان يشعر بالوحدة، وثقل الوحدة، كان دبيب جسم ما في الأسفل، يزيد في إيقاظه، فيمسح المكان بعينيه المرصديتين، ويمضي وقتاً كافياً لينسى وحدته الثقيلة الوطء تلك، كما لو أنه عاش متعته النمرية على طريقته، وإن لم يبصر شيئاً .
هذا الهسيس، هذا الدبيب ذات مرة أصبح حقيقة، وكان متقطعاً في البداية. كان جسماً طولانياً رفيعاً صغيراً، يخرج من حجرة صغيرة أسفل الشجرة، ثم لا يلبث أن يعود إليه. أمعن النظر فيها، بذاكرته الحيوانية ميّزه عن غيره: جسم حيّة .
كانت الحية حريصة وهي بحجمها المحدود، بطولها المحدود، وقوتها المحدودة، على سلامتها، وهي تمسح نطاقاً محدوداً على قدر قواتها، تعتاش من قوارض الأرض، وهي تخرج سريعاً وتعود سريعاً إلى حيث مستقرها .
كان النمر يشعر بحرارة جسمها عبر عروق الشجرة، كما لو أنها شرايين جسمه المرئي كقذيفة. ثمة ما يشغل وحدتي. هكذا خاطب نفسه. سأعلمها بأن تخرج وتعود إلى جحرها دون خوف، فهي في حمايتي. ردد بينه وبين نفسه .
كان يقدّر غريزياً أن هذه الحية قد قدِمت من مكان ما، واستقرت في هذا الجحر المهيأ سابقاً، إذ ليس من خواص الحيّات أن تحفر جحوراً، مثل هي النمور التي ليس من خواصها أن تحفر أوكاراً، إنها وجدت لتُرى، إنها لا تختبىء عن غيرها، وهذا ما يميّزها عن الحيات التي كثيراً ما تبحث عن جحور جاهزة، لتلوذ بالأمان أكثر .
انحدر النمر الرشيق إلى الأسفل، وعاين الجحر الصغير، شاعراً بوجودها من خلال شعيرات محيطة بشدقيه، مثلما أنها نفسها أحسّت بجسم يبث حرارة خاصة في المكان، فلزمت الحذر كثيراً، مقدّراً قوته من جهتها:
اخرجي أيتها الحية، فأنا أعرفك جيداً، لقد رأيتك مراراً وتكراراً، اخرجي عليك الأمان .
كعادة الحية، لم يكن لها أن تستجيب في الحال، وتخرج إليه، كما هي عادتها مذ كان وجودها، إنما تحتاج دائماً إلى ” دراسة ” مسحية لمحيطها المناسب لقوتها، لتحسن التصرف المناسب بالمقابل .
التزمت الصمت، وهي متوثبة تجنباً لحدوث ما لا يحمد عقباه .
قلت لك، اخرجي أيتها الحية، فأنت في جحر أسفل شجرتي، ولو كان لدي نية قتلك، لأمكنني ذلك من لحظة تسللك إلى محميتي، لقد أصبحت جارتي. إنه وعد نمر، والنمور لا تحنث بوعدها كآخرين .
التزمت الحية الصمت لبعض الوقت، لتجد نفسها وهي متكورة، وقد مدّت بجسمها طولانياً، وتتحرك صوب فتحة الجحر بحذر معهود كعادتها، وهي تدفع بلسانها المشقوق إلى الأمام، متذبذباً، من باب الاستطلاع، وتبيّن لها النمر على مبعدة كافية من فم الجحر، إنه جسم كبير مرهوب الجانب من جهة حيوان مثلها، لتخرج رأسها الصغير، وتراه بكامل جسمه:
من لا يحسب لك حساب، لا يعرف حجم قوته. لقد قدّرت قوتك، وتهيبتك، ولهذا لم أخرج .
قالتها الحية.
نظر إليها النمر. إنه لا يحسن الضحك، سوى أنه حرّك رأسه ميمنة وميسرة، مركّزاً بصره عليها، كما لو أنه يضحك على طريقته، وهو يعاينها في حجمها الصغير، ولاتناهي قوتها:
تحسنين التصرف وتقدير غيرك يا حية. سعيد بوجودك في منطقتك، لقد أصبحنا جارين .
أنّى لنا أن نكون جارين، وأنت بهذه العظمة والمهابة؟
قالتها الحية، وهي تحرك لسانها بخوف.
نعم، أصبحنا جارين يا حية، بعد الآن، نستطيع أن نقيم علاقة فيما بيننا، أنت في جحرك أسفل شجرتي، تخبرينني عما يحصل في الأسفل، وأنا في أعاليّ، سوف أعلمك بما أرى، وبالطريقة هذه ستكون علاقتنا .
أمِنَت الحية على نفسها، وحلمت بطعام وفير، طالما أنها في عهدة حيوان له اعتباره في سلم الحيوانات ذات القوة، آخذة منه ما قاله بمثابة وثيقة عهد مؤكَّدة .
واستمرت العلاقة على هذا النحو، حيث كان النمر يعلِم الحية بما يراه في محيطه الواسع، وكانت الحية تعلِمه وهي في ظلمات جحرها، وما يدب على الأرض من الهوام والقوارض، بما يتناسب وقوتها في التقاط حرارة الأجسام الصغيرة، وذلك في محيطها. 
كانت الحية تتلقى معلومات عن عالم واسع كبير، معلومات استصعبت تلقّيها، نظراً لحجمها الصغير، وكانت تصغي إلى كل شيء، والنمر يسترسل في نقل ما يراه، رغم أنه في قرارة نفسه، كان يقدّر محدودة حجم جارته، ومحدودية قوتها في تلقّي معلومات من جهته، لكنه كان يوحي إلى نفسه أن هناك من يصغي إليه، وإن لم فاضت عليه معلوماته.
بالمثل، كان النمر يستخف أعماقه النمرية بالمعلومات التي ترسلها إليه جارته الصغيرة، إذ أين هو والحديث عن الحشرات الصغيرة، وعن القوارض وأشباهها، سوى أنه كان يستمتع بسماعها، لأنها تأتي من عالم لم يكن اهتمام به، أو معرفة دقيقة بكائناته، وعن ظلمات الحجر، وكيف يمكن لحيوان صغير أن يسرد، وبالتفاصيل، عما يعنيه جحر صغير، بالنسبة إليه، ودلالة الظلمات بالذات، ويغفو أحياناً، بينما تكون الحية مستمرة في نقل ما تشعره بغريزته مهماً لسيّد منطقتها.
وصلت العلاقة قوة بينهما، إلى درجة أن النمر طلب منها، ألا تتعب نفسها في البحث عن غذائها، ففيما تصطاده الكثير مما يفيض عن حاجته، وهو في كل مرة سيلقي إليها بقطعة لحم شهية، لم تستسغ لحماً كهذا من قبل.
طاب لها ذلك، ولكم استشعرت لذة لحم كهذا الذي كان النمر يصطاده من حيوانات تعرَف بمذاق لحمها الجذاب، كالغزلان وغيره، وهذا ما أعطى لجسم الحية دفعة قوية، وغير معهودة، لأن تنمو بسرعات قياسية.
ذلك ما أثار انتباه النمر. كيف، وهو في كل مرة كان يزيد من كمية اللحم طعاماً مطلوباً بحسب حاجة الحية إليه.
هذا النمو المتزايد أشغل النمر بالذات، وهو في كل مرة، يضاعف كمية اللحم، ليبلغ به الحال درجة مخيفة، وقد أصبح حجم الحية أكبر من حجمه هو بالذات، فزاد نهمها، وهو ما كاد ينقض على طريدته، حتى تكون الحية بالمرصاد، خارجة من وكر مجاور هذه المرة، لتنقض هي بالتالي على طريدته، فيجفل منها، ويبتعد عنها، وهو ينظر إليه لاهث الأنفاس، جائعاً، وليس في مقدوره تناول ولو البعض اليسير مما يصطاد، إذ كانت الحية تلتهم الطريدة بكاملها .
احتار النمر في أمره، وهو مع الأيام يزداد هزالاً، لا بل وقوة، وصعوبة في اصطياد حتى الطرائد الصغيرة، وهو ما جعله يلازم مربضه عالياً، ليخاطب الحية التي كبرت بشكل غير معهود هذه المرة:
لم تعد لدي القوة الكافية لأصطاد طريدة، فأنت تلتهمين ما أصطاده في الحال، دون أن تتركي لي شيئاً.
قالها النمر.
هكذا وعدتني أيها النمر، وقلت عن أنني في حمايتك، ووعدك دَين، وإلزام عليك، ولا مجال لفسخ هذه العلاقة.
قالتها الحية.
إنما كان وعدي لك، أن أقدّم أنا لك الطعام، وليس أن تقبلي على ما أصطاد كلياً.
قالها النمر.
لم يكن مثل هذا البند وارداً في اتفاقنا الشفاهي، وأنت تعلم جيداً، أننا نحن الحيات لسنا مثل غيرنا من أمثلك في تناول طعامنا، فميزنا التهام الفريسة، وليس قطعها، وكان عليك أن تعلم بذلك مسبقاً .
قالته الحية .
لكنني فقدت قوتي وقدرتي. عليك الآن أن تبحثي عن مكان يناسب حجمك وقوتك .
قالها النمر.
حرّكت الحية لسانها مراراً، وقد زاد طولاً، وسط شدقين هائلين، ورأس ضخم مخروطي رهيب، وهي تنظر إليه، وهو أعلى الشجرة:
وهل أجد مكاناً أوفر غذاء، وأكثر ماء، وأخصب طبيعة كهذا المكان ؟
قالتها الحية .
لم يعد في مقدور النمر الاستمرار معها في الحوار، أو النقاش، أو الإلحاح عليها بلزوم تغيير العلاقة، إدراكاً نمرياً بلا جدوى الموقف، نظراً لأن ما كان قد تغيَّر كلياً، وباتت مخيفة إلى درجة أن النمر، شعر في داخله، أنه ربما سيكون طعاماً لها لو واتتها الفرصة.
لزِم الصمت، تاركاً الحية في حالها، واعداً نفسه، أن يبقى هو حيث هو، تجنباً لخطر الموت الفظيع الذي تصوره بطريقته، وهو يحاول تهدئة نفسه، وقد أغمض عينيه، في المكان الذي يضمن له سلامة وسكينة، لائذاً بحضن شجرته التليدة الكريمة.
أطلق العنان لخياله الحيواني مشوباً بحلْم مرافق، وهو لاصق كامل جسمه البادي الهزال، مستعيداً صورته، عندما كان في أوج قوته، حيث الهواء العليل يهب عليه خلَل أفنان شجرته، وهو شبعان تماماً، وحوله محميته المعلومة هادئة، دون دبيب أي حيوان يوقظه، أو حيّة تهدده، وهو يستسلم لنوم، لا يعرف ماذا سيحصل بعدها، ما إذا كان سيموت وهو في أعالي شجرته، أو يفتح عينيه، حيث لا يعود من أثر للحية، حين تيأس من وضعها المستجد، فتغادر المكان .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…