الحجَل الذي لا يعرِف الكردية والمير يزدان شير الكردي

إبراهيم محمود
بحسب رواية الشهود، وقبل أكثر من “170 ” عاماً، يقال أن تلك السنَة جرَت على ألسنة العامة والخاصة، جريان الماء في النهر السريع التدفُّق، في ربوع جزيرة ” بوتان ” وكان الربيع المثَل الحي في ذلك، وقد شوهِد جنون العشب حتى خلَل شقوق الأحجار، ومفارق الطرق، ومدَ بنفوذه المتطاول إلى الأبعد حيث كسى الدروب والطرق السالكة عينها، واعتبر ذلك فأل خير عمّ البلاد. ليجد ميرها يزدان شير نفسه وسط حاشيته ومدّاحيه وشعرائه ومغنّيه، والأخضر ينعش الأفق، على سفح جبل جودي المعروف بشهرته التليدة، وصاح رافعاً يده منتشياً: جيئوني بذلك الحجل !
جيء بالحجل. كان زاهي اللون، جميلَه، يشد الأنظار إلى تكويرة جسمه، ورأسه المدوَّر والفاتن .
كان يتلفت داخل قفص كبير ذي فتحات، ليراه الجميع، وملؤهم فضول، إلى ما سيفعله ميرهم به، إذ إنهم، وكما هو متداول في أوساطهم، للحجل سمعة سيئة، إذ لطالما اُستُهجِن، ومُثّل به كذلك.
لم يكن الطائر الجبلي المألوف في موقف يُحسَد عليه، وهو يرى بعينيه البرّاقتين كيف تتركز الأنظار عليه، وهو داخل قفص، يسكنه خوف، إذ ماالذي يربطه كطائر بهؤلاء وهم بشر؟
كان قريباً من مجلس المير الوثير المهيب،وهو بثيابه البوتانية المطَّرزة كما ينبغي أن تكون ثياب ذي الشأن والسلطة والمكانة، حيث المير يزدان شير ينظر إليه شذراً وهو يتحرك داخل قفصه.
بإشارة من يده  جاء ترجمان الطيور، وقد زُعِم أنه في الأصل ينتمي نسَباً إلى  سليمان بن داود الذي كان عالماً بلغات الطير كافة، مكرمة ربانية لا توهَب لأي كان، ولا بد أن طائر الحجل هذا كان من بينها، كما يقول القَصَص الديني، وكما هو متواتر هنا وهناك، وبين الكرد خصوصاً .
وقف الترجمان ذو القامة الطويلة والعباءة المقصبة في منتصف المسافة تقريباً بين ميره والقفص، إنما دون أن يحول بين رؤيته والطائر المؤتى به للمحاكمة وسط طبيعة تتفجر ألواناً .
-سلْه عما يفعله ببني جلْدته، وما يفعله كل فرد من بني جلدته بهم، ولماذا هو دون كل الطيور.
نقل إليه الترجمان كلام المير الكردي، بلهجته الجزيرية ذات الفخامة.
سوى أن طائر الحجل المعتبَر كبير الحجول في المنطقة، بحسب تصنيفات العارفين بالطيور، بقي في مكانه دونما حراك، وهو مطاطىء الرأس بنصف إغماضة عينية.
-لماذا لم يجب على سؤالنا نحن مير ربوتان يا ترجمان ؟
كانت نظرةٌ عابرة للترجمان إلى حركة رأسه كافية ليقول له ما زعم أنه فهِمه:
-أخشى أن أنقل إليكم يا ميري ما يغضبكم؟
استقام المير الكردي في جلسته، وكله هدوء، حيث لا يريد الخروج من حالة الاستغراق في عذوبة الطبيعة وبهجتها وجمالها من حوله، ليقول:
-وماالذي يخيفك يا ترجمان؟ قلها، ليكن ما يكون عليه جوابه !
تحركت يده اليمني قليلاً وهي تشير إليه، ومن ثم نظر ناحية ميره:
-إنه يقول عن أنه لا يعرف الكردية البتة !
تملَّكت الدهشة نفْس المير الكردي، وحاشيته، ومن سمعوا صوته، وانتظروا التالي:
-وكيف لا يعرف لغتنا ؟
نظر الترجمان إلى الطائر وكان يحرِك رأسه في أكثر من اتجاه، وقد بدا متوتراً:
-يقول عن أنه يعرف لغات كثيرة، حيثما يكون بنو جلدته، إلا الكردية حصراً .
ألح المير الكردي على ترجمانه ليستفسر منه عن حقيقة الأمر. فركَّز الترجمان بصره على حبيس القفص، ثم التفت إلى ميره قائلاً:
-يقول عن أنه لا يريد أن يعرف لغة مَن يسيء إليه أكثر من أيّ كان، وقد علَّم كل حجوله، كأمر، بنسيان هذه اللغة، أنى كانت، لهذا السبب .
تنحنح المير الكردي والدهشة بادية على وجهه ووجوه حاشيته وحرّاسه والمقرَّبين من حلقته:
-ألأنَّه يخون بني جلدته من الطير؟ أيثقِل عليه عار خيانة الحجل لبني جنسه ؟
زاد طائر الحجل حركة في القفص، كما لو أنه يريد الخروج من القفص، وهو يصدم جدرانه ذات الخيزرانات، والدائري الشكل .
لزِم الترجمان الصمت وقد اصفرّ لون وجهه.
-ماذا دهاك يا ترجمان؟ هل آذاك بشيء ؟
سأله المير مستعجلاً إياه تقديم الجواب، تلجلج لسانه قليلاً، ولم يُفهَم شيء.
-أين هي بلاغتك، ومعرفتك بلغات الطير يا ترجمان ؟
نظر إليه الترجمان وهو يتفصد عرقاً، شبَه مطاطىء الرأس:
-الأمر أكبر بكثير من ذلك يا ميري ؟
حرّك المير الكردي يده ناحيته، وقد بدا منفعلاً قليلاً:
-مم تخش يا ترجمان، طالما أنه كلامه، فلم الخشية إذاً ؟
ضبط الترجمان نفسه:
-إنه يقصدكم أنتم يا ميري، قاتله الله.
-يقصدنا أنا؟ وأشار بسبابة يده اليمنى إلى نفسه وهو يثبتها على صدره.
-نعم، نعم، يا ميري .
-ماذا يقول، قل سريعاً، قبل أن أطيح برأسك !
رد الترجمان سريعاً، وهو فزِعٌ من النتيجة، والطائر دونما حراك، مغمض العينين هذه المرة:
-يقول، إذا كان هناك من يُسمَّى خائناً هنا، فهو أنتم، ليتذكر ما فعله بقريبهم بدرخان بك .
امتقع لون وجه المير الكردي، وعلى أثرها حبس المحيطون به أنفاسهم لما يمكن أن يحصل:
-أكلُّ هذا الكلام منه ؟
رد الترجمان:
-نعم يا ميري، ويقول، إن كل من يرتكب خيانة في أكراده قبله وسيرتكبها بعده، يأتي الانتقام من الحجل الذي لا علاقة له أبداً بأفعالهم، لماذا لا نُذَم لدى غيرهم، أترانا نعرَف بهم فقط ؟
تذكَّر المير الكردي سريعاً ما فعله بقريبه بدرخان بك، حين حاصره الجيش العثماني، وكان من جملة الأسباب الكبرى التي أدت سريعاً إلى هزيمته، عامل خيانته له، حين فتح ثغرة في جيشه .
-هذا الطائر النحس يستحق قطع الرأس. ونهض وهو يجرّد سيفه من غمده .
في اللحظة ذاتها، لا أحد يعلم ماذا حصل، حين تشكَّلت غمامة من فوقهم، أذهلتهم كثيراً، وهي تهبط سريعاً على المكان، وتضرب الوسط، حيث تصخب أجنحة، وقد اضطرب الجميع، وهُزَّ القفص الكبير، وهو يقع أرضاً، ليخرج منه الطائر الحبيس والمتهم بتهمة استثنائية عن بني جلدته كافة، ثم ارتفعت الغمامة التي كوَّنتها جموع الحجل، وكان الطائر الحبيس، زعيم الحجول هناك، قد ارتفع عالياً، وهو يرفرف بجانحيه، وعيون الجميع ذاهلة عما يجري.
كان ثمة صوت صادر منه.
-ماذا يقول يا ترجمان ؟
قالها المير الكردي وهو على أشد ما يكون من الاضطراب .
رد الترجمان الغارق في ذهوله بدوره، وربما وهو يتنفس الصعداء:
-يقول، أرأيتنا؟ هل نحن من نخون بني جلدتنا أم أنتم يا أكراد، يا زعيمهم يزدان شير الكردي ؟

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…