الخُلْد الذي لم يتوقف عن مديح نفسه حتى كان…

إبراهيم محمود
تحت كومة التراب المرتفعة قليلاً والتي تكون على شكل دائرة كقبَّعة مقصوصة الأطراف، كان من عادة الخْلد الرخو جسماً التغني باسمه، ومكانه، موطنه المسمى، أن يطيل في مديح نفسه صباح مساء، في تلك العتمة اللزجة. ولم يكن بجواره إلا ولده الذي كان يستيقظ منزعجاً متكدراً من هذه العادة التي أدمن عليها والده مذ كان صغيراً، كما كان يعلِمه باستمرار، ولطالما ترجّاه صغيره هذا أن يتوقف عن هذه العراضة، فليس من أحد بسامع صوته، إنما دون جدوى .
لا يستطيع صغيره إحصاء عدد المراّت التي كان يأتي فيها والده هذا أثناء غنائه الأجش، على ذكْر مناقب أجداده، فضائل جنسه الفريدة من نوعها. كان يعيد على مسامعه يومياً، مراراً، السمعة الذائعة الصيت التي اكتسبها هو عن والده وهو بدوره عن جده، وهذا عن جد جد جد جده، ليصل به التسلسل الطويل ربما إلى ما قبل ظهور أول كائن حي على الأرض، ودون أن يمل، وكيف أنه فيما اختاره لنفسه صامد في مكانه، لا يفارق بيته الهرمي البديع، كما كان يقول، وهو يشدّد على كل كلمة كهذه( قال لي أبي العظيم عن أبيه العظيم، وهذا عن أبيه العظيم، وهذا عن أبيه العظيم أيضاً…)، عن أن جنس الخلد من أكثر المخلوقات أصالة وحفظاً على مكانها الذي لا يعادله أي مكان آخر.
لطالما حاول صغيره الامتناع عن سماع صوته، بطرق شتى، وهو يغطس رأسه المغزلي في التراب المائع، إنما دون نتيجة .
ولم يشأ استعمال العنف الخْلْدي ضد والده هذا، كأن يدفعه جانباً، أو يعضه، توقيراً له، مفضلاً صداع  الرأس على عقوق الوالدين، ولم يتنبه والده الخلد إلى صغيره ومدى احترامه، كما لو أنه غير موجود، ولم يكن هناك في الجوار من يوقفه، أو يجبره على السكوت، كونه وحيداً.
سوى أن الأمر لم يتوقف عند هذه النقطة، إنما بدأ الخوف يتملك الصغير، حين صعد والده إلى الخارج، على أعلى نقطة في كومة التراب، مردداً ما كان يقوله في بيته الصغير المظلم واللزج.
لم يصعد صغيره إلى الأعلى والمكوث بجواره، إنما بقي قريباً منه، مغطياً نفسه بطبقة رقيقة من التراب، تحسباً لأخطار كثيرة في المكان، بفضل الخبرة الغريزية المتوارثة من أجداده.
-أبي، سوف يُفتضَح أمرك سريعاً، توقف عن إرسال الصوت وأنت هناك في مكان مرئي .
قالها صغيره، ولكنه لم يتوقف، بالعكس، كان والده يقول له باستمرار: 
-يا خسارة تعبي فيك. كيف لك أن تقول ذلك؟ كأنك لست من صُلْبي، أنت تثير غضبي دائماً، وغضب الخلد غير غضب أي كائن آخر،سأموت مقهوراً، حين أرى ولدي وليس فيه أي شبه منّي، لن أعود أُذكر، لا أنا ولا أجدادي، بوجود والد جبان، خوّاف، أنا دون ضنى…
سوى أن صغيره كان يلح عليه، بأن المسألة لا علاقة لها بما يقول، في وضع خطيره كوضعه: 
-أبي، أنت لا ترى ما يحيط بك وبنا من أخطار، سوف ننتهي جميعاًشر نهاية .
قالها صغيره، سوى أن والده رد عليه هنا:
-أنا لا أرى بعيني الصغيرتين فقط، وإنما أحس بدبيب الأصوات، وأميّز ما بينها أكثر من أي كان، أما أنت، فيا للعار الذي تسببه لي بجبنك هذا.
كان الصغير ينكمش على نفسه، ويتوقع الحصول الخطر المميت والمباغت في أي لحظة، ويستغرب من هذا الغرور الذي يلازم والده، حيث لا يحسب حساباً لأي شيء .
سمع صوت والده وهو يقول:
-يا لهم من جبناء، كيف لا يلازمون مواطنهم تحت التراب؟ كيف لا يصمدون تحت التراب ؟ أي جبْن ولِد معهم، وهم لا يمتلكون القدرة على الإقامة تحت التراب؟ أي قيمة لمن لا يكون له بيت كبيتي العظيم …
ثم استرسل في الكلام الذي يشكّل ملازماً لمديحه لنفسه :
-هوذا الأسد الذي أعرفه من دبيب حركات أرجله على التراب.. انظروا إليه، يا له من رعديد، وهو بهذه الضخامة.. كيف لكائن صغير مثلي، أن يكون له بيت، ويرفض مفارقته، مهما كانت النتائج، بينما كائن هائل الضخامة مثله، يفتقد إلى الحد الأدنى من الجرأة، لكي يقيم في بيت كهذا.. إنني أرفض كل المغريات دفاعاً عن بيتي هذا، أما كائن مثله وهو يتنقل هنا وهناك، فليس لديه مبدأ، ولا اعتبار..
وتوقف، ليتابع كلامه مجدداً:
-انظروا إليه، إنما لا يجيد حتى الكلام! وأي كلام يقوله، وهو متلبّس عاراً، أيدافع عن جبنه ؟
لم يعرْه الأسد انتباهاً، إنما مضى في سبيله، وهو يقول في قرارة نفسه: يا للأحمق، أيظنني راداً عليه !
وفي إثره مر النمر المخطط، وكرر على مسامعه الكلام نفسه، وبصوت واضح، إنما، مع تغيير الاسم: يا للنمر الجبان، يا للنمر العديم المبدأ، يا للنمر الذي لا يمتلك الجرأة ليقيم في بيت مثل بيتي.. وهل للجبان وطن ؟
بدوره، سمعه النمر، وكرر في سره ما قاله الأسد لنفسه ..
وهكذا كان شأنه مع الضبع، الوشق، الثعلب، ابن آوى، القط البرّي، والذئب…ومع الأخير قال ما هو جدير بالتذكير، حين التفت إليه:
-ها هو يلتفت إلي، إنما دون أن يجيد الكلام، وهو يفتح شدقيه.. طبعاً، لأنه كغيره يعرف فضيحته، وفي أي شيء يرد علي؟ أيعترف بجبنه، أم بعجزه عن إيجاد بيت عظيم، جميل مثل بيتي ؟ أي مخلوقات تعيسة، جبانة، كسولة، وضعيفة، هذه التي لا تتنقل بين الأمكنة، وليس لها موطن فعلي، عنوان دال عليها مثل أنا، أنا الخلد العظيم ابن العظيم، أنا العاصفة الهوجاء، أنا النهررالجارف، أنا الضربة القاضية، أنا القوة الصاعقة، لا أحد بقدار على منازلتي، أنا…..
كان خوف صغيره في كل مرة يزداد، ويتوقع النهاية الوخيمة لوالده الذي أبى التوقف عن كيل المديح لنفسه، وأدرك أن توسلاته إليه والتي تذهب سدى دائماً، سوف تشهد ما لا يتمناه ..
في الجوار القريب، شم ابن عرس رائحة، فشدته إلى مصدره، حتى سمع صوت الخلد بجلاء، والذي لم ينقطع، ولم يعبأ بأي خطر يمكن أن ينال منه.
أبصره ابن عرس وهو متربع على تلة ترابه البادية الصّغَر، كان هو نفسه محط سخريته منه: يا لابن عرس الجبان، الرعديد، العديم الفائدة، المتطفل على الآخرين، القميء الذي يجهل قيمة الإقامة في بيت عظيم كبيتي…و
لم يكمّل لازمته التي تخص أمجاد جنسه، حين انقض عليه ابن عرس، وأسكته بعضة منه، ولزم صغيره الصمت، وهو بمزيد من التكتم غار في أسفل تلة التراب الصغيرة جداً.
قدّر، وبمزيد من الحزن البنويّ، أنه لن يسمع صوت والده بعد الآن !

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…