آه يا جامع قاسمو

بهزاد عجمو سليفاني 
آه يا جامع قاسمو كم شيعت قوافل الشهداء و في مقدمتهم بطل الشهداء مشعل تمو و رحلت معهم أحلامهم و آمالهم و أمانيهم أدراج الرياح ، لأن القدر كان أكبر من إرادتهم و تصميمهم و شجاعتهم .
آه يا جامع قاسمو كم كان جميلا و رائعا حينما كان يتجمع الشباب في عمر الزهور أمام بواباتك في بداية الثورة السورية و هم يهتفون ( Azadi   ) و بالديمقراطية و العدالة الاجتماعية ، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فتكسرت سواريهم وتمزقت أشرعة سفنهم وقذفتهم الأمواج إلى شواطئ دول شتى و ابتلع البحر أحلامهم و أمانيهم و آمالهم . 
آه يا جامع قاسمو قضيت أجمل مراحل حياتي بالقرب منك و في شارعك و بالتحديد مرحلة الطفولة في بداية الستينات من القرن الماضي ، حيث كان يتحول شارعك في أمسيات الصيف المقمرة إلى ملاعب الطفولة حيث بعد المغرب كانت تتوقف حركة  السيارات اللعينة ، حيث كانت أعدادها قليلة في تلك الفترة ، فكم اشتقت إلى ملاعب الطفولة التي تحولت الآن إلى حلبة لسباق السيارات . 
فتحت عيني على الحياة في بداية الستينات من القرن الماضي في شارعك ، حيث كان منزلنا أمام معمل الجليد بالتحديد ، حيث ولد أخي أمير الشعراء الكرد فرهاد في هذا المنزل وعلى يمين الجامع كان منزل ملا بركات والد الكاتب المبدع سليم بركات وعلى بعد أمتار قليلة من جهة الشرق كان منزل الشاعر الكبير جكرخوين حيث كان يسكن في هذا المنزل  بالإيجار و الذي تحول الآن إلى ( آزاد مول ) وعندما كنت أذهب إلى مركز المدينة كنت أرى هذا الشاعر المبدع يجلس على كرسي صغير في فناء الدار و هو يتأمل شجيرات العنب المزروعة في فناء الدار لعله كان يتذكر قريته ( هسار ) . 
لا أتذكر فترة بناء جامع قاسمو ولكن يقال أنه بني في عام ( 1958 ) وسمي بجامع الوحدة ولكن لو سألت أهل الحي أين جامع الوحدة فسيردون بأننا لا نعرف جامع الوحدة ، في حينا لا يوجد سوى جامع واحد و هو جامع ( قاسمو ) فمن هو قاسمو هذا ؟ لقد كان بيته وراء معمل الجليد مباشرة  و هو كان مؤذناً للجامع ، كان قصير القامة نحيف الجسم ذو لحية قصيرة يلبس شروالاً عريضاً ، وفي فناء الجامع كان يلبس القبقاب و كثيرا كنا نراه يؤذن وسط الفناء و هو يلبس القبقاب و كثيراً كنا نراه يؤذن في وسط الفناء و هو لابس القبقاب  ، هذا قبل تركيب جهاز تكبير الصوت في مئذنة الجامع أما حين تركيب الجهاز اكتشفنا جمال وروعة صوته و كنا نستمتع نحن أهل الحي صغاراً و كباراً بصوته الشجي العذب أثناء الأذان و التكبير رغم أنه لم يكن يتقيد بأحكام التجويد و هو أصلاً لم يكن يعرفها و رغم أن إمام و خطيب الجامع كان ” ملا أحمد ” فلم يكن معروفاً كثيراً في الحي فالكل كانوا يعرفون   ” قاسمو ” من خلال صوت الأذان و التكبير ، و خاصة في صباح الأعياد حيث في ليلة العيد ننام و نضع ملابس العيد وراء المخدة و من شدة الفرح كنا نستيقظ قبل الفجر ننتظر تكبير “قاسمو” و عندما نسمع ( الله أكبر الله أكبر ) بصوت قاسمو كانت بالنسبة لنا نحن الأطفال أجمل من كل سيمفونيات العالم و كنا نخرج نحن الأطفال من بيوتنا فرحين مثل العصافير نكاد نطير ابتهاجاً بالعيد و في يدنا كيس لنضع فيه السكر الذي سنجمعه من البيوت بينما يتوجه آباؤنا إلى جامع قاسمو لأداء صلاة العيد ، و بعد أن أصبح صوت قاسمو مسموعاً في كل الحي من خلال جهاز تكبير الصوت عاد في اليوم الأول إلى البيت و سأل زوجته : هل سمعتي صوتي ؟ ألم يكن جميلاً ؟ فردت زوجته كنت مشغولة فقد كنت أحلب البقرة فلم أسمع صوتك ، و في المغرب تحججت بأنها كانت تحضر العشاء و في العشاء تحججت بشيء آخر ، و في اليوم الثاني قالت بأنها كانت تغسل الثياب فعرف قاسمو بأن زوجته لا تريد أن تقول بأن صوته جميل ، فلم يعد يسألها ….   

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…