رواية جمهورية الكلب.. صعوبة اندماج اللاجئ في بلد مغاير لوطنه

سماح عادل
رواية “جمهورية الكلب” للكاتب الكردي السوري”إبراهيم اليوسف”  والصادرة عن دار خطوط وظلال، الأردن 2020، تحكي عن محنة الاغتراب والهجرة بعد حرب، واضطرار اللاجئ إلى التعايش مع الوطن الذي هاجر إليه، وقبول كل تفاصيله وقوانينه حتى وإن كانت تتناقض مع ما تربي عليه وعاشه وألفه من عادات وقيم.
الشخصيات….
آلان نقشبندي: البطل، باحث وكاتب، هاجر إلى ألمانيا هو وأسرته، بعد اشتعال الحرب في سوريا، يعاني من عدم التأقلم رغم مرور بضع سنوات على بقائه في ألمانيا، لم يتعلم اللغة بشكل جيد مما جعله ينعزل في منزله، ثم بدأ يتجول في الحدائق القريبة حتى لا تتدهور صحته، ويتعرف على أرملة ألمانية تساعده من خلال حواراته الطويلة معها على تعلم اللغة وعلى اكتشاف طباع الألمان.
بيانكا شنايدر: الأرملة الألمانية التي تعرف عليها البطل، سيدة على قدر من الجمال، تخطت سن الأربعين، عاشت سنوات طوال بعد وفاة زوجها الذي كان يعمل في مجال النفط في العراق، لها كلب ترعاه وتهتم به، ثم تتعرض لحادث غامض يؤثر على البطل
وهناك شخصيات داخل الرواية لكنها ثانوية.
الراوي….
الراوي هو البطل، يحكي بضمير المتكلم، يحكي عن باقي الشخصيات من خلال رؤيته ووجهة نظره نحوهم، ومن خلال تفاعلهم وتقاطعهم معه. كما يحكي حكايات كثيرة سمعها أو عايشها وهو طفل.
السرد……
الرواية تقع في حوالي 360 صفحة من القطع المتوسط، محكمة البناء، السرد يتنقل ما بين الحاضر والماضي، الماضي القريب والماضي البعيد، ويعتمد على حكايات سمعها البطل من آخرين، وعلى كشف أحداث ما ثم إعادة الحكي عنها من البداية، والنهاية مفتوحة.
الكلاب شرقا وغربا…
الرواية تركز بشكل أساسي عن الحكي عن الكلاب وكيف يتم التعامل معها في الغرب، في مواجهة الشرق، فالراوي يرصد الاختلاف الكبير بين التعامل مع الكلاب في الغرب، وتحديدا ألمانيا البلد الذي يعيش فيه بعد أن هاجر من سوريا، وبين الشرق، ورغم أن الاثنين، غرب وشرق، يحتاجان الكلاب في أمور وشئون كثيرة، بعد أن أكد مرارا على أن الكلاب تخلت عن عالم الحيوان وعن حريتها لتنتقل إلى العبودية بإرادتها في عالم الإنسان.
الغرب يتعامل مع الكلاب بإنسانية حتى أنهم في ألمانيا يحتلون المركز الثالث في الاهتمام بعد الأطفال والمرأة، في حين أن الشرق يتعامل بوحشية يقتلون الكلاب حين تمرض، ويستخدمونها في الحماية وفي المعارك ورغم ذلك يتعاملون معها بتقزز، مؤكدين على أنها تحمل الأمراض والجراثيم وكذلك النجاسة وفق المفهوم الديني، في حين أن الغرب يتم التعامل فيه مع الكلب على أنه  فرد  من العائلة، يتم توفير الطعام والبيت الآمن والترفيه والحنان والملابس وكل شيء له، ومن يحاول أن يؤذي الكلاب يتم معاقبته قانونيا.
ربما لأن الغرب يعاني من انحلال العلاقات الاجتماعية، ومفهوم الفردانية اتخذ لديهم بعدا كبيرا وصل إلى حد العزلة والوحدة، كل يهتم بشؤونه ولا يتدخل أحد في حياة الآخر، التواصل الاجتماعي له حدود وكل مشغول بمسؤولياته وحياته الخاصة. شغل الكلب أماكن هامة كان يشغلها الإنسان ف”بيانكا” نفسها تستعيض بالكلب عن الأطفال الذين لا تريد إنجابهم ولا الزواج مرة أخرى، مؤكدة للبطل أن الطفل يكبر ويترك أهله في حين أن الكلب يبقى ملتصقا بصاحبه طوال العمر، وهذا الأمر ينطوي على أنانية شديدة في رأيي، حيث أن الغربيين وصلوا إلى مرحلة من الأنانية تجعلهم ينبذون الإنجاب ويفضلون العيش في هدوء وراحة بال، مستمتعين برفقة حيوان أليف ووفي ومطيع لا يتركهم أبدا. كما أشار الراوي إلى انخفاض نسبة الإنجاب في ألمانيا ودول أوربية مما يضطر المسئولون إلى استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين.
صعوبة اندماج اللاجئ في بلد مغاير لوطنه..
رغم تركيز الرواية الشديد على عرض الاختلاف والتناقض في التعامل مع الكلاب بين الغرب والشرق إلى حد زادت معه الحكايات عن الشرق، والتي منها حكايات تنطوي على عنف ووحشية، ورصد رأي “بيانكا” وتفاصيل تعاملها مع الكلاب، إلا أن الرواية تتناول موضوعا آخر أكثر أهمية في رأيي وهو محنة اللاجئ حين ينتقل من مجتمعه مضطرا، بسبب حرب أو اضطهاد أو تعرض لقمع، إلى بلد آخر يختلف كلية عن مجتمعه في العادات والتقاليد والقوانين والدين، خاصة إذا كان في منتصف العمر وعاش سنوات طوال في بلده، فتأقلمه يصبح صعبا والراوي كان نموذجا لهذا اللاجئ الذي يجد صعوبة في الاندماج.
فاللغة صعبة جدا عليه ولا يستطيع إجادتها أو التعامل معها، مما أفقده القدرة على التواصل حتى في أبسط الأمور الحياتية، ولجأ إلى الانعزال في المنزل، لكن حين تأثرت صحته اضطر إلى الخروج للتمشية والتنزه في حديقة قريبة، ليتعرف على “بيانكا” التي كانت مهتمة بالتواصل معه رغم عدم إجادته للغة، بل ساعده التحاور معها على تطوير لغته واكتسابه كلمات جديدة كثيرة.
لكنه مع ذلك ظل يعاني من عدم الاندماج، فالكلاب أمر آخر مؤرق له يضطر إلى تحمل قرب كلب “بيانكا” رغم أنه يتقزز من أنفاسه ورائحته ومن القرف الشديد إذا اضطر لتناول طعام أو شراب يحضره أحد لامس الكلاب.
ورغم تجاوبه الإنساني مع “بيانكا”، حتى وصل إلى حد التعلق العاطفي بها، إلا أنه يشعر دوما أنه لاجيء لا يعيش في بلده، أنه ضيف لا صاحب مكان، وزاد إحساسه بالاغتراب حين حصلت حادثة غامضة ل”بيانكا” وجاء كلبها إليه لينبهه ولم يفهمه البطل، ومات الكلب قهرا واتهم البطل بالاعتداء على الكلب وعلى “بيانكا.”
وقد تعذب البطل في التعامل مع الشرطة، لشعوره أنه ضيف وأنه مجرد لاجيء، حتى أنه قرر في النهاية أن يعترف بجرم لم يقم به من شدة الضغط النفسي الذي تعرض له، لكن “بيانكا” تستفيق وتكتب ما يبرئه حيث أنها حاولت الانتحار ومات كلبها حزنا عليها
كما أشار الراوي إلى هتلر من خلال يوميات تركها جد “بيانكا” ولها أهمية تاريخية كبيرة، وهي ما أوقعته في المشاكل حين أقنع “بيانكا” أن تسلمها للسلطات، بين من خلالها طريقة تعامل هتلر النازي والوحشي مع كلبته التي يحبها قبل اختفائه.كما بين أن الغرب لم يكن طوال الوقت انسانيا في تعامله مع الكلاب، فقد استخدمها الغربيون في تفجير الدبابات حيث كانوا يفخخونها ويتركونها تنزل إلى تحت الدبابة ثم يفجرونها بريموت كنترول بدائي، كما استخدم البريطانيون الكلاب في أغراض عسكرية.
لم يكن عدم اندماج البطل سببه هو فقط وإنما تعامل الألمان أنفسهم والذين لا يسعون إلى إدماج اللاجئين بشكل حقيقي، وهذا الرأي عبر عنه في مناقشة مع “بيانكا”، حيث يقول لها أن الألمان يريدون أن يندمج اللاجيء في وسطهم لكنهم لا يسعون إلى الاقتراب منه، تعلم لغته مثلا أو التعرف على ثقافته، أو فهم اختلافاته الكثيرة، وكان ردها أن ألمانيا تحتضن جنسيات كثيرة وصعب أن يتعلم الألمان كل تلك اللغات والتعرف على كل تلك الثقافات
ويظل يؤكد الراوي أن اللاجئ طالما أتى إلى البلد، أي بلد، وارتضت استقباله، على عكس ما فعلت الدول العربية والإسلامية مع اللاجئين السوريين وفق رأيه، فلابد للاجئ أن يحترم قوانين وعادات هذا البلد.
الرواية مميزة عكست مخاوف اللاجئين في بلد الهجرة ومعاناتهم وكيف أنهم لا يشعرون بالأمان، رغم توفر فرص الحياة والمعيشة الجيدة من منزل ومأكل وملبس، لكنهم في النهاية لا يتم التعامل معهم كمواطنين أصليين لهذا البلد حتى، وإن ادعت هذه الدول أنها تعاملهم بشكل إنساني، يبقى دائما تمييز ما تجاه هؤلاء اللاجئين ومخاوف وحذر لا يختفي.
الكاتب…….
“إبراهيم اليوسف” شاعر وكاتب وناقد  كردي سوري، مواليد عام 1960،  صدر له حوالي ثلاثين كتاباً حتى الآن. وقد كتب الشعر منذ وقت مبكر من حياته، نشر بدايات كتاباته النثرية منذ السادسة عشر من عمره، أصدرعشر مجموعات شعرية منها (للعشق للقبرات والمسافة عام 1986- هكذا تصل القصيدة عام 1988- عويل رسول الممالك- – عام 1992- الادكارات  عام1995- الرسيس عام 2000) ساعة دمشق- أستعيد أبي- مدائح البياض- أطلس العزلة- وثلاث روايات آخرها “جمهورية الكلب.”.
——————– 
المصدر: كتابات

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…