أمنيات صغيرة جداً*

كلستان بشير 
 العضوة الادارية في الاتحاد النسائي الكردي في سوريا
اعتدتُ كلَّ صباحٍ على سماع صوت / Dilo/ وهو ينادي: (يَلا خيار يَلا بندورة يَلا بطاطا …), كانَ نداؤه ملحناً, ومرتّلاً وكأنَّه يردِّدُ أهزوجةً شعبيّةً منظّمة .
لم تكنْ عربته الخشبيّة ذات الدّواليب الثَّلاثة جديدةً , ولكنَّها كانت ملوَّنةً بألوانٍ وأنواعٍ عديدة من الخضار, والفاكهة المعبّئة في عبوات من الفلّين , منسّقةٌ ومصففةٌ بشكلٍ ملفت للنظر . فإذا ما نظرتَ إليها اشتهيتها , لكثرةِ اهتمامه بها , جميعُ نساء الحارة كنَّ تبدين إعجابهنَّ بأخلاق (Dilo)ومعاملته اللطيفة معهنَّ رغمَ أنهنَّ , كنَّ تقلبْنَ تلك الخضار المصفّفة رأساً على عقب لانتقاء أفضلها, إضافةً إلى أنَّ الكثيرات منهنَّ وبأسلوبٍ تعجيزي كنَّ تساومنه على الأسعار, فهو مجبر أنْ يسايرَهنًّ ويرضيهنَّ ويتحمّل غلاظة بعضهنَّ في سبيل أنْ ينفقَ ما لديه من الخضرة والفاكهة , لأنَّها إنْ لم تُبَع فسيُتْلَف قسمٌ كبيرٌ منها في اليوم التّالي .
(Dilo) شابٌ في مقتبل العمر يرتدي زيَّاً بسيطاً, ويضعُ على رأسه قبَّعة كبيرة في أيّام الصّيف لتقي رأسه من حرارة الشَّمسِ .وهو ذو وجه حنطي الون على وجنته اليسرى شامةٌ متوسطةٌ فعلى الرغم من ان لحيته لم تكن مشذبةً فقد كانت تلك الشامةُ بارزةً تمنحهُ جمالً وتميزً .
كانتْ أشعّةُ الشّمسِ مسلّطةً عليه وعلى عربته, لأنَّها كانتْ دونَ مظلّة لذا كانت تلك الخضار الطّازجة معرّضةً للذبول والتَّلف, فكان يغطِّي قسماً منها بأكياس الخيش المبللةً بالماءِ, كنْتُ أترقَّبُ قدومه فما إنْ أسمعُ نداءه حتى أخرجَ مسرعةً لشراء ما يلزُمُني , ويوماً ما وبينما كنْتُ أنقّي الخضرة, ومن حولي جاراتي اللواتي تناولت كلُّ واحدةٍ منهنَّ كيساً, وبدأتْ تنقّي ما يلزمها من الخضرة , بدا Dilo)) نشيطاً ذلك اليوم وسعيداً للغاية, كانَ يدندنُ ويغنِّي في سرِّه, وهو شاردٌ, نظرْتْ إليه جارتي (زكيّة) وقالتْ له: تبدو اليوم سعيداً للغاية Dilo)) أخبرنا عن سرِّ سعادتكَ, أظنُّ إنَّك وجدْتَ لك عروساً, أليسَ كذلك ؟ردَّ عليها دلو بابتسامةً ساخرةً وهو يطأطئُ برأسه ((إيه … إيه …عروس,)), اتسخرين منِّي يا خالة زكيَّة ؟ ولما أسخرُ منك , لأنَّ ما تقولينه حلمٌ كبيرٌ مستحيلٌ تحقيقه في الوقت الرَّاهن .ألحَّت عليه زكيّة بسؤالها قائلةً :
-إذاً أخبرْنا عن سرِّ سعادتك اليوم , أجابها دلو بتنهيدةٍ عميقةٍ يبدو أنّها خرجتْ من أعماقه الكئيبة قائلاً : 
منذُ فترةٍ وأنا أدّخرُ مبلغاً من المال وغداً إنْ شاء الله سوف آخُذُ عربتي لأطليها طلاءً جميلاً وسأضعُ لها مظلّة كبيرة وملوّنة, لتقيني وتقي خضرتي من أشّعة الشّمس و المطر .
-هذا هو سرُّ سعادتي, وهذا هو حلْمي الحالي الذي سيتحقّقُ قريباً إنْ شاء الله , يا خالة زكيّة , ثمَّ التفتَ إليَّ وقالَ :
 خالتي أمَّ داراف ألا يحقُّ لنا نحن أيضاً أنْ نحلمَ كغيرنا من البشر, رغم أنَّ أحلامنا بسيطة , وأمنياتنا صغيرة جدَّاً, لكنَّنا نحقّقها بشقِّ الأنفسِ.
شعرْتُ بغصَّةٍ مرَّة في حلقي ودمعة على أهبَّة الاستعداد في حدقتي لذلك لم أنطق ببنت شفة ولم أجبه على سؤاله ،فقط أومأْتُ له برأسي وأنا أسأل نفسي, إذاً كان هذا الحلم البسيط قد كلّفّه عمل أيّام وأيّام… وهو يدفعُ بعربته من شارعٍ إلى شارعٍ ومن حيٍّ إلى آخر .يتلفَّحُ حرَّ الصَّيف وبردَ الشّتاءِ. 
فكيف له إذا فكر بحلمٍ أكبر؟ وزّن لنا الأكياس وحاسبْناه ثمَّ رتَّب خضرته من جديد وتابع سيره وهو ينادي: (يلا خيار , يلا بندورة يلا بطاطا).
——————
أحلام مبعثرة 
مجموعة قصصية مستوحاة من الواقع الكردي
   قامشلو 2/3/1997

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…