المرأة الأفغانية وإشكالية وجودها «رواية حجر الصبر نموذجاً»

هيفي الملا

«حجرُ الصبر، حجرٌ سحريٌ تضعه تشرعُ أمامه في الشكوى، كل عذاباتك وكل آلامك وكل بؤسك كل مالاتجرؤ على البوح به للأخرين وأنت تكلمه والحجر يصغي إليك يمتص كل كلماتك وأسرارك، إلى أن ينفجر ذات يوم ويتفتت »
أي شخص أحوج إلى مثل هذا الحجر من امرأة أفغانية، عايشت الحرب والدمار في بلاد تحكمها الحربُ والدمُ، بلادٌ تحكمها سلطةُ الذكور، و تفقد فيها المرأة الإحساسَ بوجودها وكأنها في خانة العدم.
 ظروفٌ سياسةٌ تتالت على هذه البلاد التي خالها الكثيرون مجردةً من الشعر والأدب ورائحة الزهر وصوت الطيور.
 من الغزو السوفياتي، ثم الحرب الأهلية الأفغانية، ودخول حركة طالبان والغزو الأمريكي وكل مرحلة تركت مخلفاتٍ وأثاراً رهيبة نالتْ منها الأفغانيةُ حصة الأسد لأنها تعيش في بلد الدم أولاً، وثانياً لتصنيفها البيولوجي الذي يُتعاملُ به بقصرِ نظرٍ وضيق فهمٍ ودونية ، نتيجة التخلف وأثارهِ المتجذرة في العقل الأفغاني وتربيته، إضافة إلى ما زرعته هذه الظروف الخارجية من توتر وعدم استقرار وزرع التناقضات .
قبل أن أبدأََ القراءةَ في الأدب الأفغاني، كان اسمُ أفغانستان مرتبطٌ عندي بالإرهاب والقاعدة والدم وويلات الاستعمار ولكن توضحت ملامح ذاك التصور السطحي، بعد اطلاعي على سيرِ وأعمال شاعراتٍ حاولن كسرَ جدار الصمت، وشحذ مدية الكتابة، لارتباط الشعر في بلادهم بالعهر والدونية والفسق وكيف لو كان الكاتبُ امرأة!!!! 
هي مديةُ الشعر التي قُتِلت بها شاعرةٌ أفغانيةٌ قُتِلت من قِبل زوجها، وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، وذلك لديوانِ شعرٍ رومانسي طبعتهُ، فنامت الكثير من الدواوين في أدراج الذاكرة قبل أن تتجرأ على الظهور.
و روايات الأديب الأفغاني «خالد حسيني» والتي قرأتها بشغفٍ عكستْ طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه الأفغانية، وقسوة إحساسها باضطهادها الذي قد يدفعها للجريمة لفيضِ كبتها وغضبها، حيثُ كانت المرأة المقموعة ثيمة معظم رواياته، المرأة التي تُباع وتُشترى وتُحرم من التعبير والتفكير.
وهذه السلوكيات التي يمارسها الأفغاني حيالها قد توارثها بالتربية، ولكن عندما غرقتْ البلاد في الموت وباتت صفقة من صفقات الحرب، غرقت المرأة أكثر وتجاهل المجتمع صوتها المقموع باسم الجهل والدين، لتتمزق وتعيش حالة اغتراب حتى عن نفسها.
ولكن دعونا نتخيل هذه المرأةُ التي تكالبت عليها هذه الظروف، وخضعتْ لعمليةِ تنميطٍ أفقدها هويتها وصفاتها .
ماذا لو انحلتْ عقدةُ لسانها!!! ولو تهشمَ ذلك القمقمُ الذي يشلُ حركتها!!! كم من الكراهية والرفض ستجودُ بها خاصرتها النازفة، وكم من الفظائع والخبايا تحت أجنحتها المقصوصة سترفلُ حرةً في سماء البوح .
وهي تدافعُ عن جسدها المباح كسلعةٍ للذكر،  لتنتقمَ بصريحِ الكلام لأنوثتها المقموعة، والتي تُكالُ بمكيالي العفاف والعذرية، ثم القدرة على الإنجاب وخاصة الذكور .
 الكاتب الأفغاني «عتيق الرحيمي» صاحب رواية «حجر الصوان» تفهم طبيعة المرأة ككائنٍ تواقٍ للحياة والحرية،
وسيدة أفكار متنازعة ترفض هذا الإجحاف، و كجسدٍ يَشتهي ويتطلب ويَرغب، ولكن يُتعامل معه بخوفٍ وعدم إدراك منذ الصغر، ثم متعة للرجل وألة لاستمرار النسل. 
هكذا أمسكَ «عتيق رحيمي» بيد المرأة الأفغانية وحررها وإن كان رمزياً، ومنحها أدوات الكلام ومعاول الهدم لتتجاوز حاجز الصمت، فالبوحُ قصيدةٌ حرةٌ وأن قتلتْ صاحبها .
وكما أن لوحة أفغانستان النسوية، تضمنتْ نساء تصالحن مع واقعهن واقتنعن بالسقف المتاح لهن، ورضين بتلك الذهنية المنمطة التي فرضتها عليهن ظروف عدة، فتقولبتّ أذهانهم وتقبلن بحكم العادة والعرف مصيرهن .
هناك أخريات حاولنَ الصراخ في وجهِ مجتمعٍ حشا آذانهُ قطناً وخرافة، نساءٌ حلمْنَ وشعرنَ أنهن روح وفكر وجسد، ولسنَ متاع الرجال ومستودع الشرف فقط، في محاولة لإدراك حقيقة وجودهن بعيداً عن عنف الأسرة ونظرة المجتمع الدونية والتأويل المتعصب للشريعة التي لم تنصفها.
هذه المرأةُ مجهولةُ الاسم عند عتيق لأنها رمزٌ لكل أفغانية متمردة، وما تلك الغرفة الضيقة التي اختصرت مكان وزمان الرواية، إلا أفغانستان بضيقِ أفقها وملامح مستقبلها ونظرتها للمرأة.
  تضعُ هذه الزوجة حجر صبرها أمامها، وتحكي أسرارها دون خوف، بينما المدافع والانفجارات خارجاً تزرعُ الرعب، والجنودُ يقتحمون المنازل ويتطاولون على النساء قهراً واغتصاباً .
أسرارٌ فظيعة كيف كتمتها؟ وكيف تجرأت على التصريح بها الأن!!! وفي غرفة صامتة تضمها مع زوجها المقاتل المصاب، الميت الحي الذي يعيش فقط على المصل المغذي، بينما هي تعدُ أنفاسه المتعبة بقدر التسابيح التي تتمتم بها لتعيده إلى الحياة مرةً كما قال الملا المتزمت ، والذي يجتهدُ في الدين والتأويل كما يشاء، ومرةً تقطع عنه المصل في محاولة لقتله كما تُقتل كل الحرائرِ ولكن بأدوات متعددة، فتضيعُ هذه المجهولةُ بين الرفض والقبول بين الفعل ونقيضه، بين الإقدام والندم .
هذا الأديبُ المتميز غاصَ في نفسية المرأة الأفغانية، لامسَ جروحها وكشف النقاب عن هويتها الضائعة، عن أنفاسها التي تنازع البقاء، فأعطاها حرية التعبير في مكان ضيق أبدع في وصف تفاصيله، ومع زوج هو في الحقيقة نموذجٌ مصغرٌ لأفغانستان الجثة الحية.
وتكشف الزوجة لحجرِ صبرها خباياها وأسرارها، ليخفَ عن كاهلها العبء الذي أثقلها، من أبٍ صعب المراس قاسي التعامل، يبيعُ بناته الصغيرات مقابل المال، ثم زوج أهملها وعاملها بقسوة ووحشية، ولم يحترمْ وجودها وهويتها، ولم يتعامل مع جسدها بقدسية واحترام، لأنها باختصار الأنثى المقموعة التي تسعد لمجرد أن زوجها يعيشُ طقوس سعادته، وجرأتها الكبيرة في التعبير عن متطلبات جسدها وحقها في الشعور المتعة، وفي إنجابها الغير شرعي لابنتيها عن طريق المشعوذين ليس لأنها عاهرة، بل لأنها تعرف مصير العاقر في مجتمعها، نعم هكذا تلجأُ المقموعةُ الخائفة من عقاب المجتمع لذنوب لم ترتكبها وتتحمل وطأتها لأنها أنثى، هو الاضطهاد الذي يعالجُ الخطايا بالخطايا والأثام بالأثام .
روايةٌ تخطو وفق إيقاع بطيء وكأنها نقطُ المحلول التي تقطر في جسد الزوج الممدد وتسابيح المرأة التي ترافق تنفسه البطيء، ثم تتسارع مع سيل الاعترافات التي تفتت الحجر الصلب.
وفي ختام الرواية هل لمح الروائي إلى عقم تحرر الفكر في هذا البلاد وديمومة القهر الذي تعيشه المرأة، عندما انفجر حجر الصوان وضاق بتلك الاعترافات، فقام الرجل الجثة وفي حركة مفاجئة ليضرب المرأة بعنفٍ، لأنها اهانت سطوته وجرحت غطرسة الذكر فيه، وقبل أن يدركها الموتُ قامتْ هي أيضاً بضربهِ بخنجرٍ معلقٍ على الحائط، كردة فعل على ذاتها الممزقة وهويتها الضائعة بين الممكن واللاممكن، بين الحرام والحلال، بين المرفوض والمسموح، بين الإنسانية و الشعور بالقهر و ذهنية ترفض هذا الواقع .
هي أفغانستان التي تُقتل فيها شاعرةٌ في الخامسة والعشرين من عمرها، لأنها غمست قلمها في حبر المحظورات .
أفغانستان التي تبحثُ فيه النسوةُ عن حجارة الصبر ليروينَ ويحتكمن إليه، حتى ينفتقَ ذاك الحجر ويتفتت مشتعلاً، لتروي كلُ شظية حكاية قهر منكهة بالوجع. وكل شظية 
ديمومة صراخ ورفض، ومحاولة لأنثى قالتْ باختصار: سأتكلمُ وليكن الطوفان .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…