لا لشيء وإنما هو الموت*

خالد إبراهيم
هكذا تغيب الشمس على هذه المدينة الآثمة، تئن بمسخ الأرواح المعذبة، المدينة المتكورة على نفسها مثل شجرةٍ متعرجة الجذور والأغصان، وتتقاذف أسطح ابنيتها ذلكَ القرميد الأحمر بوجه العابرين السكارى، العابرين الضائعين بين فوضى الإدمان والتوبة، وتنحني أضوائها مثل الظهور المحدودبة المتعبة الملونة بِزِيف أنفاس الفّارين من سوط القانون،  ليلقوا حتفهم بسكين في الظهر ويسيل الدم الأحمر الهادر، لترفع أرصفتها جموع الجثث الفاسدة بعد منتصف الليالي الصيفية، الأرصفة التي تلفظُ اقدامهم العارية في الهواء،  الأرصفة التي تحتفظ تحت جلدها أسرار الملايين من البشر.
هناكَ الكثير ممن يتسلى بأخطائكَ، بنزواتكَ، بانفعالاتكَ، كلما ضاقت بهم الأنفاس، هكذا يُخرجون جُلَّ نقصهم ويعوضون ترسبات نواياهم، وأمام العلن، كي يبرهنون أنهم على حقٍ، ويخرجون من المعركة منتصرين عليكَ، حيث يتم معالجة الخطأ بالخطأ
بل، يريدون نسفكَ وتقليص ماضييكَ، وانتهاك حقوق ثراء التاريخ الذي يغلفكَ بين حينٍ وحين، كل شيء ممنوعٌ عليكَ، أما أبواب التكتيك، والتكنيك مفتوحة لهم، من حقهم استذكار تاريخهم متى شاؤوا، وحتى لديهم صكوكٌ لحفظ ملفات ايامهم الخوالي، من صورٍ ومجلداتٍ وفلاشاتٍ، وحتى ما تيسر من الثياب الداخلية، ويريدون منكَ أن تكون الأعمى، والأصم، والأبكم، والقردُ المثالي داخل منازلهم، يجب أن تغني لهم، أن تشحذ السعادة من ذيولها، أن تكون صاحب ذيلٍ طويل وأذنان تتراقصان في الهواء، بل دميةً مجردةً من الإحساس والإحساس، هكذا هي الحرب الباردة، أكلوا ما لديكَ مهما كان كثيراً أم قليلاً، وتركوك مثل عظمةٍ مسلوخة الجلد واللحم، عظمة تلعقها الكلاب وقطط النفايات.
لماذا لا يتم توزيع الظلم علينا مناصفةً؟
لماذا تُستر عورات وتُفضح أخرى؟ 
كُل ما أنا فيه كان من نِتاج الزواج التقليدي ليس إلا، منذ خمسة وأربعين عام، وأنا أبحث عن الحنان، عن الطمأنينة، عن ذاتي في هذا التيه اليابس المتشعب تحت صخور جبل عبدالعزيز وسنجار، بل في تلكَ الحصى المصقولة بمياه الخابور وفرات ودجلة، إلا أن جميع من مرُّ في حياتي كانوا يستولون على جميع طاقاتي ومسرّاتي، كان لابد أن أكون لهم الضحية والقربان، كانوا يزيلون هفواتهم طعناً بكياني، كنتُ مثل الآلة الإلكترونية، أحرثُ هذا الكون من حولي، مستجلبا لهم أفضل فصول السنة، ولم يفكر أحدا منهم أن غيابي وللمرة الأخيرة، سيكون نعشاً طائراً مكبلاً على أجنحة من الخرسانات المتشبثة بجذور التيه والعدم.
كنتُ أقتع نفسي وأقنعهم، أنني ما زلتُ قوياً وبإمكاني تقديم المزيد من التنازلات، هكذا عوتُّ نفسي، وهكذا بقوا ينتظرون مني كل جديد يشعرهم أنني فارغٌ من كل شيء، ولا أستطيع التنفس، أو العيش بعيداً عن هذه الحالة التي باتت تلازمني مثل اللعنة المعلقة على باب جهنم.
هكذا قال لي أحدهم في ليل البارحة وانا أدخل إلى هذا المجمع الذي يحوي الكثير من المشردين، كان ثمّة مناسبة للخلاص من كذبة كورونا وللتعارف، بدأت أنظارهم نحوي كما لو أنني فدية تقبل نحوهم، ضحية العيد القادم يا ابنتي
كم هي قاسية قرارات الدولة هنا.
مّن أنتَ؟ سألني الرجل
من بقايا العدم، أجبته دون النظر أليه، وسيجارتي لم تنطفأ منذُ استقباله لي وهو يحكي جزءٌ من قصته المطعونة، حيث أعلم أنني سأقضي ما تبقى من هذه الليلة دون سجائر، دون هوية، أو عنوانٍ وتاريخ، كان لا بد أن أكون متماهياً مع الحدث الجلل، كان لا بد أن أخلع جلدي هذا، متحولاً مثلهم كمشردٍ طردته اللعنات و تعابير الدهشة المرّة، كان لا بد وللمرة الأف، أن أصرخ بوجه هذه الليالي، وبوجه القدر، أنني لستُ كما يظنون، ولستُ قطعة أثاثٍ مهملةٍ هنا وهناك، ولستُ رقما هامشياً، بل أنني رقمٌ يصعب تعدادهُ وإعادته إلى حصيلة الأيام.
أهلا وسهلا بكَ في هذا السجن المفتوح عبر اللا شيء، قالها رجلٌ أخر
تباً للغة الألمانية، أستطيع فهم ما يقولونه لي، إلا أن اجاباتي ضعيفة لدرجة الخجل، اكتفيتُ بالتحليق حولي، من رجالٌ ونساءٌ، وبعض رجالات الأمن والبوليس.
ورائحة القهوة التي تعصف في المكان، حيث تقدمت نحوي شرطية جميلة القوام، وبيديها كوبٌ من القهوة، كنتُ منهكاً تماماً، ولم يكن باستطاعتي التلذذ بنشاط جسدي الخامل،  كان يوماً قاتلاً، حاراً، مملاً، كئيباً، مشيتُ كثيراً، وبكيتُ كثيراً، وأنا أتفحص ما تبقى لديَّ من ( صلة الرحم) هنا وهناك.
رحبت بي تلكَ الشرطية، وقدمت لي كوب القهوة، وطلبت مني الانضمام والانخراط بين رتوش تلكَ الحفلة، بعد أخذها مني هويتي الألمانية، وبعض الأوراق التي استجلبتها من منظمة ( Diakonie)، كانت حقيبتي وأكياسٌ معبئة بتفاصيل حياتي، تسحل نفسها معي برتابةٍ قاتلة، تلكَ الأكياس كانت من شأنها اعلان ألف ثورة، وألف مجزرة، إلا أنني وفي هذه المرة قررت الاستسلام بهدوء، وأن ألوذ بالوقوع سقطا على رأسي المنخور، وأن أصرخ بوجه ذاتي وبملء حنجرتي قائلاً: 
لماذا؟
تقدمتُ مذهولا، وبصمت، واتخذتُ زاوية اليسار في الحفلة، أحلق بخيالٍ مثقوب يتمتمُ حول تخوم منصة اعدامٍ كانت تتراءى لي بين الفينة والأخرى، وأتساءل:
هل أستطيع الاستمرار عاريا؟
هل بات علينا لزاما أن نلتحف جلباب الخذلان؟
ونقف تحت أقبية الذل والفشل؟
يا مراسيم الدفن المنيع، و يا أسطورة الموت الأليم، يا موكب جنازات المشردين العراة، ويا باقات الورد الأحمر، ويا تلكَ الدموع الساخنة:
هل يوجد بقعة أرضٍ تتقبل بقايا جثتي؟
هل سأل أحداً نفسه في أي أرض سيموت؟
كانت روما تحترق، وكان سيافها يسكر، كانت وما زالت سورية تموت، وما زال أصدقاءها يضحكون،  إلا أن ابنتي peri كانت تلازمني، وتمنع عني أسواط جلادين المعابر والحدود،  وهي تفتح صدرها نحوي وتقول لي: اختفي هنا 
نعم يا طيف الملائكة أنتِ، أعلمُ أن عينيكِ نحو المكان الذي كنتُ أجلس عليه، تشمين رائحتي، عطري، خيالي ما زال باقٍ، أعلمُ أنكِ تلهثين بين الحين والحين، وأعلمُ حين تكبرين، ستبحثين عني طويلاً يا جنة قلبي، وأعلم أنكِ ستتعلمين العربية كي تقرأينني، وأعلم تماماً أنني سأنتظركِ في كل يوم الجمعة كي تضعي وردة على قبري اليابس. 
ولكن هل ستعلمين أين ستدفن جثة أباكِ؟
هل سأنجو من دمعتكِ التي ستشبه شظايا البللور التي ستجرح ما تبقى من روحي؟
سأكتبُ لكِ أسماء الأصدقاء اللذين لم يخذلونني يوماً، وسأرسم لكِ شجرة العائلة المسلوخة عني، وأسماء أخوتكِ، وعمّاتكِ وأعمامكِ وأجدادكِ، سأرسم لكِ القرية والمدينة، أسماء المدارس التي درستُ بها، وحتى دور الدعارة التي وطأتها قدميَّ، والجوامع، والشوارع والمدن وبعض الدول العربية.
سأحكي لكِ عن ميزان المال والعقول، عن طلاء الوجوه بسموم الاغتراب والتيه البارد، ستعلمين تماماً عدد السقطات، وكم من الليالي نمتُ جائعاً بلا مأوى.
أراكِ الأن هنا في هذا الكامب، تشدين ريبة هذا الزمن من أذنيه، وترمين بأقراطه اللاسعة نحو عمق الغابات.
يا نبض هذا القلب، لا تصدقي أحداً، فقط ابتسمي بوجه النسب والملّة، وأرمي أحجار نردكِ الأزلي نحو فوضى حواسكِ الخمس، واغمضي عينيكِ وناديني باسمي، كي أكون حاضراً معكِ
ستكبرين وتكبرين وتكبرين، وأنا سأموت في اليوم آلاف المرات
ابنتي يا غصنا يتدلى من أعماق قلبي
ويا عصفورة ترفرف بجناحين مكبلين بتاريخٍ يدعى أنا
يا التي تشبه عمق الغابات وخرير المياه الصيفية
يا أنّات قلبي 
وترنيمة فنجاني المكسور بوجه الحقيقة
تعالي مثل قطةٍ برية واعبثي في حدائق روحي 
كوني مثل صفصافةٍ بوجه الرياح وعواصف المدن الغابرة
احبيني، اعشقيني، رممي تشققات قلبي 
وامسحي بيديكِ تجهم وجهي الذابل 
مدي يديكِ حول عنقي، قبليني بشغفٍ 
اغمضي عينيكِ واصرخي بوجه العابرين عبر بوابات صمتي
انظري إليَّ بعمق اليقين المتمرد
وادعسي بكلِ قواكِ على عشب روحي 
كي أموتَ وأُخلقُ مِن جديد
————– 
*(مقطع مِن رواية الاوسلندر) 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…