يوم قطار غير عادي

 خالد إبراهيم
ھل جربتَ الاستیقاظ في الرابعة صباحاً، لتكون مثل القنفذ المنتوف على طريق ترابي في مساء ميتٍ؟
في حین أنكَ لا تقوى على الكلام أو النھوض أو السیر نحو المطبخ، لتنظر إلى الرف الفارغ من القھوة أو الشاي أو  السجائر التي غادرنك أمس.
 ما ھو شعوركَ عندما تفحص بطاقتكَ البنكیة في الیوم عشرات المرات، وتتفاجأ بفراغٍ وأرقام الصفر اللا متناھي؟ 
في صباح الیوم  تجرأت عن سابق إصرار الصعود إلى الباص ثم إلى القطار الذي ینتھي مشواره في محطة دورتموند الرئیسیة، بينما محفظتي تعوي بالفراغ العدم،، ھكذا وللمرة الأولى قررت خوض ھذه التجربة( مخالفة القوانين بما يخص تذكرة القطار)، شحذت القوة المبتلة بالخوف المتناحر ضد ذاتھا المتصدعة، وأنا أرى ھذا الكم الھائل من البشر، المحطة الرئیسیة لقطارات دورتموند:
صعقني خیال جامح وأنا أرى ھؤلاء الناس مثل اسراب من النمل والجراد، وتساءلت: ھل جمیع سكان ھذه المدینة خارجون عن  بیوتھم الأن؟
كان كوب القھوة ھو الحد الفاصل بیني وبین الحلم والحقیقة، في جیبي ثلاثة یورھات ، فضلتُ المغامرة، على بقائي دون قھوة في ھذا الصباح الساحر، ولكن دون سجائر، دون دخان یعصف بأوتار قلبي التعب، دون حرائق تلسع جلدي المتفسخ عن عظامه.
عجیبة ھذه المدینة، تارة تعج بصخب الحیاة، وأخرى تراھا میتة وصامتة وقلقة منذ أخر یومٍ من الحرب العالمیة الثانیة!
حقیقة الأمر أنني كنتُ أفكر حین وصولي، لابد من السیر لمسافة تزید عن قدرتي على التحمل_لوضعي الصحي_ على الأقدام، والحیرة تبعثرني ھنا وھناك، ترى ماذا سیحصل؟
على الرصیف (31 )أنتظرُ القطار الأحمر، المدبوغ بدماء الأولیین، بدا یتقدم نحوي، ویتقدم، ویتقدم، كأنه یحمل مئات الجثث على ظھره الحدیدي، جثث تتحرك، تھمس، تلوح بأطرافٍ مقطعة، وكأن وقود ھذا القطار ھو ما تبقّى من دماء تلكَ الجثث!
توقف الوحش، فُتح الباب، دخلتُ في أمعاء المجزرة، وبدأ النواح یعلو، ثم یعلو، ثم یعلو، تكاثرت الأصوات، بدأ الجمیع یھتف بالصمت، بالصراخ، والخراب، وأنا تسللتُ ما بین الشظیة والشظیة، وقلبي ما زال یئنُ وینادي یا تلكَ القصیدة:
مرحباً..أھلا وسھلا
: ھل أنت عربي؟
یقولون أنني صدامي، من أنصار صدام حسین، ویشككون في كردیتي( قلتها متذمراً وبسخريةً)
أنت كردي إذا، وبدأ یبتسم ویضحك!
بادلته ابتسامة مسلوخة بلا روح ومشاعر 
ھل لدیكَ تذكرة قال؟
لم اعطه أي أھمیة، وأوھمته أنني لم أسمعه وانشغلتُ بالتحدیق في ساعتي المعطلة أصلاً.
كرر ثانية، أسألكَ،:” ھل لدیكَ تذكرة”؟
أجبته: لا أملكُ المال یا عزیزي، وعن أي تذكرة تتكلم!!
ماذا؟.. قالها الرجل مندهشاً
نعم قلت وأكملتُ: ولا أملكُ حتى نفسي
بدأ یحلق بي، وبادلته الترف الباذخ في الحزن والرحیل المرتجف، وكأننا نتبادل الجراح تلوى الجراح.
أخرجَ كیس تبغه، وبدأ یدحرج سجائره، كان ماھراً بلف أعواد السجائر، كانت لدیه دقة وعنایة، لم أرى مثله
على الإطلاق، وكأنه یعزف على الربابة، أو یعزف على الناي.
كنت أنظرُ ألیه، وأختلسُ النظر إلى مراقب القطار، كان خوفي یزداد كلما أزدادت  سرعة القطار. مُفتشو 
التذاكر والقطارات، لا یقلون خطورة عن المخابرات الدولیة، یستطیعون كشف كل من لم یقطع تذكرة، 
لدیھم حساسیة مفرطة بھذا الشأن، ولهذا أعيش الخوف العارم منهم لعدم قطعي التذكرة.
توقف القطار، وصلتُ وجهتي أخيراً، خرجت من المحطة، وبدأت السیر، إلا أن المطر عرقل مسیرتي، ابتلت ثیابي، وحقیبتي، وانتھكت تسریحة شعري، وحذائي بدأ یخفق بالماء، ابتلت جواربي التي مر علیھا أسبوع بقدمي، لاشيء ینجو یا ابن أدم، كُن على یقین أن كل 
نفس تطفو على وج ھذا الكون لھا ابتلاء ونھایة.
تحدیتُ المطر وفصول السنة، تحدیتُ السیول والسكاكين والغدر وخذلان الاهل والأصدقاء، وخرجتُ من جمیع المعارك، عاریاً بلا عنوان وتاریخ!
أنھیتُ مقابلتي، وفي تمام الساعة الثالثة والنصف بعد الظھر، عدتُ إلى نفس المحطة، سیراً على الأقدام، 
وما زال السؤال نفسه ینخر جمجمتي:
كیف سأعود، وإلى أين؟
إنه لتاریخٌ عظیم، 2021/7/5 أتت ابنتي لنجدتي، بینما كنتُ فوق إحدى خطوط السكك الحدیدية، حائراً ما بین رائحة القھوة، والشاي، وكیس التبغ الفارغ، ابنتي التي تبلغ ثلاثة أشھر، ینط قلبھا عندما تراني، لا أدري وإنما ھكذا أشعر، بل أنني متأكدٌ أنھا لن تنساني یوماً حتى لو تبعثرت أجزائي على كامل خطوط السكك الحدیدیة الألمانیة، ھذا لأنني تركت على وجھھا بصمة لن یمحیھا التاریخ ولو بعد مئات الأعوام، ذلكَ الوشم الذي یتراقص بین عینیھا، ألا وھو اسمي !
تُشبھني، أشبھھا، وكأننا جئنا من عالمٍ أخر، وكوكبٍ أخر، ومِلّة أخرى، أحسستُ بھا وھي تصرخ بین أمعائھا، لا تذھب، لا تخرج، لا تفعلھا، وها أنا أضيع بين نفسي والأمكنة، أبحث عن مخرجٍ في نهاية هذا النفق.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…