التجانس الاجتماعي والتكامل الإنساني

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

1
     يُمثِّل التجانسُ في العلاقات الاجتماعية نظامًا ثقافيًّا مركزيًّا،وقيمةً أخلاقية مُرتبطة بطبيعة السلوك الإنساني. والتجانسُ لا يعني التطابق التام ، أو التقليد الأعمى ، أو اعتماد سياسة القطيع. وإنما يعني التوافق في المبادئ الأساسية ، والاتفاق على الأفكار العامَّة ، والوصول إلى نقطة مشتركة في مُنتصف الطريق ، واعتماد الحُلول الوسط ، التي تضمن تحقيق مصالح الجميع بلا إقصاء ولا تمييز . لذلك كان التجانسُ بناءً عقلانيًّا قبل أن يكون بناءً اجتماعيًّا ، ومنظومةً فكرية تُساهم في صناعة العقل الجمعي من أجل تحقيق التكامل لا التماثل .
2
     الإشكاليةُ في فلسفة البناء الاجتماعي هي أن البعض يعتقد ضرورة تحويل الناس إلى نُسَخ مُتشابهة لتحقيق التوافق ، ويؤمن بحتمية صَهر جميع الهُوِيَّات والثقافات في بَوتقة واحدة لتحقيق التجانس ، ويَتمسَّك بأهمية إزالة الاختلافات في الآراء ووُجهات النظر لتحقيق الوَحدة . وهذه الأفكارُ تُمثِّل خطرًا حقيقيًّا على طبيعة النسيج الاجتماعي ، لأن كُل إنسان يمتلك بصمته الحياتية الخاصَّة ، ويُمثِّل نظامًا وجوديًّا قائمًا بذاته ، ويُشكِّل منظومةً فكرية مُستقلة ، ويُجسِّد هُوِيَّةً عقلية مُختلفة . وكُل إنسانٍ نُسخةٌ أصلية ، ولا يُمكن تحويله إلى نُسخة مُقلَّدة ، والأصل لا يَكون فَرْعًا . وهُنا تكمن قُوَّة الإنسان باعتباره الجِنس المُفكِّر الأرقى والنَّوع الحياتي الأسْمَى . ومِن هذه القُوَّة يَستمد الإنسانُ شرعيةَ وُجوده في عَالَم التحولات الاجتماعية ، وفضاءِ التغيرات الثقافية . والقُوَّةُ المُنضبطة بالأحكام العقلانية هي مصدرُ الشَّرعية الأخلاقية ، والشَّرعية الأخلاقية هي مَاهِيَّة الوجود الإنساني الحقيقي . وكُلُّ إنسان يَمتلك هُويته الشخصية وثقافته الخاصَّة ، ويُكوِّن آراءه وأفكاره وَفق قناعاته ومصالحه . ولا أحد يترك مصلحته لتحقيق مصالح الآخرين ، ولا أحد يتخلَّى عن وجهه لارتداء أقنعة الآخرين . والتاريخُ يتَّسع لجميع الناس بكُل اختلافاتهم ، ولكن المُهم أن لا يتحوَّل الاختلاف إلى خِلاف . وهذا يستلزم إيجاد منظومة إنسانية يَحدُث فيها التفاعلُ الاجتماعي، الذي يُحوِّل الاختلافات بين الناس إلى مصدر قُوَّة روحية ونهضة عقلية وثراء فكري ، لأن الاختلافات هي تعدُّد للقِيَم والثقافات والعادات والتقاليد وزوايا الرؤية ، مِمَّا يؤدِّي إلى الوصول إلى حقيقة المعاني وجوهر الأشياء . ولا يُمكن الوصول إلى مَغزى الحياة إلا مِن خلال رؤيتها من كُل الزوايا والاتجاهات. وكُل رؤية أُحادية نُقْطة ضعف ، وكُل ثقافة قائمة على الإقصاء والتهميش هي كُتلة من الشظايا الوهمية،وكُل وُجهة نظر تُمثِّل رأيًا شخصيًّا نِسبيًّا، ولا يُمكن اعتباره حقيقة مُطْلَقَة. والأشخاصُ الذين يَزعُمون امتلاكَ سُلطة الحقيقة المُطْلَقَة مُصابون بخَوف عميق،ويُعانون من انهيار داخلي ، ولا يَثِقُون بذواتهم وثقافاتهم،لذلك يُحاولون الهُروب إلى الأمام لحماية أنفسهم وتحريرها من الخَوف والانهيار ، ولا يُدركون أنَّ حماية النَّفْس إنما تكون بفحص الآراء وتدقيق الأفكار ، ولَيس بإضفاء العِصمة والقداسة عليها. ولا يَعرفون أن التحرر من الخوف إنما يكون باقتحامه ، وإزالة آثار الانهيار إنما تكون بإعادة البناء على أساس صُلب . والهروبُ مِن النَّفْس البشرية يعني موت الإنسان ونهاية التاريخ .
3
     التكاملُ الإنساني ( المعنوي والمادي ) الذي يقوم على مبدأ التجانس في العلاقات الاجتماعية ، يستطيع كشفَ الصراعات الشخصية التي يُعاني منها الأفرادُ حِين يُحاولون الانتماءَ إلى أفكار مُتنافرة وبيئات مُضطربة ، كما يستطيع التمييزَ بين سُقوط المُجتمعات في التاريخ ، وسُقوطِ المُجتمعات من التاريخ . وإذا أدركَ الإنسانُ طبيعةَ دَوْر التاريخ في بناء الوقائع النَّفْسِيَّة ، وتشكيلِ السلوك الاجتماعي ، وتكوينِ الظواهر الثقافية ، فإنَّه يستطيع توظيف التاريخ لتحليل التراكيب الداخلية في المجتمعات ، وإزالةِ الصراعات الشخصية ، وتخفيفِ ضغط العناصر الفكرية على المسار الاجتماعي فرديًّا وجماعيًّا ، الأمر الذي يَقُود إلى تحرير الفرد والمجتمع مِن العُزلة الوجدانية ، والانكماش الأخلاقي ، والانكسار الحضاري . وهذا يعني حماية التاريخ من الانقسامات الاجتماعية ، وحماية المجتمع من ظواهر التغيُّر التاريخي الذي لا يمكن إيقافه .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

شهدت تركيا بعد انقلاب عام 1980 العسكري واحدة من أقسى الفترات في تاريخها الحديث. فقد فرضت حالة طوارئ طويلة، وانتشرت عمليات الاعتقال والتعذيب والمداهمات الليلية، وصارت الحياة اليومية، وبشكل خاص في مناطق كردستان، محكومة بالخوف والرقابة الشديدة؛ حيث كل زاوية تنبض بالرهبة: خوف من زيارة صديق، من الاحتفاظ بكتاب، من كلمة تقال في مقهى،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لَيست الأمكنة مُجرَّد جُغرافيا صامتة، ولا هي حَيِّز مُحايد تتحرَّك فيه الشخصياتُ كَيفما اتَّفَق، إنَّها كائن حَي ، يتنفَّس الذاكرةَ ، ويتشكَّل بالزمن ، ويُعيد تشكيلَ الإنسانِ في الآن ذَاتِه .

في أدبِ كُلٍّ مِن الروائي الفِلَسْطيني إبراهيم نصر اللَّه ( وُلد 1954 ) والروائي التُّركي أُورهان باموق…

ماهين شيخاني

في كوردستان، لا يُولد الأديب وفي يده قلم فقط، بل يولد وهو يحمل سؤالاً ثقيلاً:

كيف أكتب… وأنا لم أؤمّن خبزي بعد؟

ليست معاناة الأديب الكوردي رومانسية كما يتخيل البعض، وليست تلك الصورة الحالمة لشاعر يجلس تحت شجرة ويكتب عن الحب والحرية.

الحقيقة أكثر قسوة:

الأديب هنا يعيش بين جبهتين:

جبهة الحياة… وجبهة الكتابة.

الأديب الذي يعمل خارج حلمه

في الصباح،…

قصة: م.علي كوت

ترجمة: فواز عبدي

5 أيار 1986/ ماردين

أخي العزيز (…..)!

قبل أن أبدأ رسالتي أهديك تحياتي الحارة وأقبل عينيك السوداوين. يا أخي، أرسلت لك عشر رسائل وها هي الرسالة الحادية عشرة. ولم نتلق منك أيَّ جواب! لنعرف على الأقل إن كنت مازلت حياً وسالماً. حتى ترتاح قلوبنا. دموع أمي لا تفارق عينيها! تجلس كل يوم، تبكي…