الشاعر في محنته!

إبراهيم اليوسف

لم يغب خيال الشاعر هادي بهلوي عن بالي، منذ أن كلمته قبل أشهر، وهو يحدثني عن حالته قائلاً من بين ماقال “ماعدت أملك إلا هذا اللسان” ” وأنا طريح الفراش”، وراح يصف حالته التراجيدية التي يمر بها بعد أن فقد “نعمة البصر” و”الخطا” وبقي كما يقول كردنا” Bê çav u gav” 
 لربما إنها كانت المرة الأولى التي يتاح لي التواصل معه بعد سنوات من اضطراره الالتزام في المنزل،- رغم محاولاتي التي يعرفها شقيق له في أقل تقدير منذ سنوات – وعدم الرغبة من لدنه في استقبال أحد لتقديرات خاصة به تتعلق بإباء وسمو الروح الشاعرة فيه،
 وبات يستعرض لي  محطات حياتية محددة من سيرته لأزداد ألماً وأنا أتلقى أمواج آلامه التي باتت تظهر تترى في مخيلتي فحسب:  في مجال التدريس أو الدراسة. الشعر. الحياة. ظلم الأهلين. ظلم الظلام، وقد جاء ذلك بعد أن أعلمني شقيقه الأصغر عمران أنه خصني بأحد نصوصه التي نشرها: ربما كجهة نشر أو استقبال، ولا أدري حالياً كيف وصلتني الفكرة إذ سأتأكد منها، ولعلها كانت بوساطة بريد منه عبر آخرين أرسل لـ “بينوسا نو”. 
 من بين ماقال لي: لإنني أدري لم لم أوصل رغبتي إليك – بعد أن توسمت فيك أن تؤدي المهمة- أيام وجودك في الإمارات لتنفيذ مشروع فيلم وثائقي عن تجربتي، وعندما طمأنته بأن المقترح الرئيس الذي توخاه من هذه المكالمة سيكون، ناهيك عن أننا في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد سنقوم بإعداد ندوة عنه، وسنطلق ملفاً عن تجربته باللغتين الكردية والعربية، كما إننا سنواصل ما قمنا به من نشر لنصوص مجموعاته الشعرية وباللغتين اللتين كتب بهما، كما تحدثنا في شأن و دواعي الخلافات التي تمت بعد انقسام الكتاب، قائلاً: لقد قلت فيك كذا، وإن كان سيسجل علي أكثرمن عتاب أحدهما، ومن باب حرصه على وحدة الكتاب:
لم لا نلغي الاتحاد العام للكتاب والصحفيين لطالما هناك اتحاد في الوطن وأشاد بدور أحد الأصدقاء، فشرحت له الأمر بأن موقف هذا الصديق جاء كتحصيل حاصل بعد تطورات محددة لست بصدد الخوض فيها، وأن اتحادنا يرى نفسه الأقدم بل والمستقل، والأوسع دائرة-  بتقديرنا- إلخ، إلا إنه لم يرد الاسترسال في مثل هذا النقاش الذي نقلت مضمونه لزملائنا في المكتب التنفيذي كخلاصة لحوار مع أديب كردي ذي رأي، لطالما كان ينأى بنفسه عن- المجموعات التي تسيء للآخرين لأسبابها- وذلك في حدود معرفتي وتجربتي، وإن عن بعد، باعتباره لم يكن من  مجهضي المشاريع التي قمنا بها، ولا من الساعين لابتلاع جهود أحد، لذلك فقد ظل جبهة/ وحده، إن جاز التعبير.!
يكفي هادي بهلوي فخاراً أنه من عداد هؤلاء الشعراء الكرد الذين كتبوا بلغتهم الأم إلى جانب العربية، وأنه من قلة كان إبداعها باللغتين بسوية واحدة، ناهيك عن أن هاجسه الرئيس قضيته، وما من مناسبة من أتراح شعبه وأفراحه إلا وكانت قصيدته حاضرة، ولعل أهمية هذا الموقف لا تتضح إلا إذا عرفنا مدى حساسية بل خطورة ذلك، في تلك المرحلة حتى وإن ترتب عليها ما لايريد وما لم نرد، إذ إن مجرد ضبط ألفباء كردية، أو قصيدة غزلية كردية مع أحدهم كان بمثابة تهمة كبرى قد تؤدي إلى الزج به في غياهب السجون أو الزنزانات وتعذيبه، وما أكثرما حدث مثل ذلك، مع من وقعوا في شباك أجهزة النظام، ودفعوا في سبيل ذلك الكثير!
مادفعني أكثر، إلى كتابة هذا العمود الصحفي، هنا، هو ذلك السؤال الذي لطالما طرحته وأطرحه على نفسي، ألا وهو: من للكاتب الكردي في الزمن الصعب؟ إذ إن السياسي. سياسي الصف الأول  وتابعه ومن حولهما-  غالباً- ما  يجدون من يعنى بهم تعرضوا لمحنة ما: اهتماماً، ورعاية، بل وحتى علاجاً، في ظل أمثلة معروفة، وهذا من حق كل من يناضل أينما كان موقعه، وإن كنا نعرف ظروف حالتنا الكردية من قبل، إلا إنه- الآن- وفي ظل من يحكمنا باسم الكرد، فلا بد من أن نعيد صياغة السؤال على نحو آخر أدق وأوجع:
ومن للكاتب؟ من للإعلامي؟ من للمثقف في محنتهم؟ أعرف أن هناك كتاباً يعانون الفاقة في الوطن، وأن من له راتب ما تقاعدي أو سواه لايكفي وجبة فطور ليوم واحد، ما جعل بعضهم يجد لذاته مخارج  مؤقتة اضطرارية – ومن دون أن أشطح ولوقليلاً في توصيفها لأنني أمام معادلة جد حساسة لا أسمح لنفسي بالتقويم الرومانسي- إلا إن كثيرين لايمتلك مثل هذه القدرات لأسباب عدة، بل إن هناك من يتعرض لأمراض ما تتطلب متابعته، والعناية به، بل وتقديم يد العون له، وإن كان شاعرنا عزيز النفس، دأب أن يكون مكتفياً، إلا إن التفكير بمعالجة شاعر أو فنان أو مبدع- وأنا أعنى بكل فرد- لهو من الأولويات المطلوبة من أية سلطة حاكمة، بل لابد من أن تكون هناك دور” متكاملة الخدمات” لرعاية العجز والمرضى ومن شتتت الحرب ذويهم!
أستغرب كيف أن المؤسسات ممولة الثقافة لا تضع في حسابها هذا النموذج من مبدعينا وإن من خلال تقديم باقة ورد له مطلع كل أسبوع وإتاحة فرصة لمن يقوم أو تقوم بأداء مثل هذا العمل، في زمن البطالة، كي يشعر مبدعنا. أي شخص قدم لذويه خدمة ما أنه ليس منسياً، وإن كنت نفسي أراني رغم ما بيننا من مسافات، ورغم إنني أنتمي لمؤسسة ثقافية لما تزل تعاني في تأمين أكلاف أنشطتها، ولهذا فإننا أضع ذاتي في دائرة الملامة، وإن كان شاعرنا بهلوي في بالي كما سواه، حتى وإن كنت لا أملك إلا الكلمة رصيداً للتواصل الروحي بيننا، في الزمن الذي كسر كل حدود العالم وبات يرسم ألف حدود  وقناص ومحرض  نمام بيننا ووطننا!
أتمنى أن نكون بقرعنا الأجراس للفت النظر إلى هادينا البهلوي الشاعر- وهو الذي لايحتاج إلا الكلمة الطيبة التي ضن بعض منا في منحها له- أن نكون قد ذكرنا به خارج حدود المؤسسات الثقافية التي ليس في يدها أن تفعل له شيئاً، بل إلى تذكير جميعنا به وهوالذي وزع قصيدته لجميعنا، وإن ضمن متوالية التوافق أو التدرج الزمني، إلا إن كلنا مدين له، وهو صاحب الفضل على كلهم: على كلنا، أينما كانت مواقعنا.
تحية لك أيها الشاعر وفي انتظار أن تتعافى وتعود إلى قصيدتك وأسرتك لترى حلم إنسانك في أبهى وأكمل صوره!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…