أوتار الذكريات

زهرة أحمد

على ذلك الرصيف، على قارعة ممتدة كالألم، هناك، بجوار المدرسة. حيث يجلس بلند مع أكياس المحارم. يهندسها ببراعة على تلك المساحة المفرغة من الأمل، كما التقويم، محافظاً على حضوره اليومي.
إنه توقيته الثابت المتزامن مع ذهاب التلاميذ إلى المدرسة، لا يغيب إلا يوم الجمعة. بابتسامته الصغيرة يستقبل كل الأطفال، حتى آخر طفل  يدخل المدرسة، لتتلاشى ابتسامته بانتظار أن يُفتح الباب من جديد.
بشوق كبير، كانت نظراته تراقب مايجري خلف ذلك الباب الكبير. أصوات الأطفال ترنُّ في روحه، تتناغم حركاتهم مع ذكرياته البعيدة، هناك. حيث لا تزال تنبض بالحياة.
أصبح يعرف أوقات لعبهم وحصصهم الدرسية، يشاركهم كل ذلك بما تبقى في روحه من عبق الذكريات.
بلند، ذو الثلاثة عشر خريفاً ، تناثرت طفولته على  حد شفرات سني الألم ، تراكمت على ملامحه حكايات لا نهاية لها،  جعلت منه الرجل الطفل.
صدى ملعب الأطفال والغبار المتصاعد مع أنفاسهم، أيقظ في روحه أجمل ذكرياته، تلك التي سطرها مع أصدقائه.
أما قصصه المشوقة مع مسابقات الجري، فلا تزال ماثلة أمام عينيه، كحكايات جدته في عمقها اللامتناهي.
يحب الجري كثيراً، رياضته المفضلة،  يحس وكأنه يبتلع كل الهواء. يمتلئ صدره بعبق الزيتون، فلا يتوقف عن الجري إلا عندما ينام.
يسابق الجميع، يفوز كل مرة،  ليس فقط في حصة الرياضة بل في القرية وبين أشجار الزيتون .
لم يترك بستاناً إلا وساقته قدماه إليه، لم تبق شجرة في بستان بيتهم، وبساتين جيرانه إلا وتسلقها، يتسابق حتى مع الشمس ولا يتركها إلا عندما تغيب، فتغمره نشوة الفوز.
أما كرته، فكانت لها الحيز الأكبر، بل الأجمل من بين ذكرياته، الكرة التي أهداها له والده في ميلاده السادس، ليقنعه بالذهاب إلى المدرسة، فكانت رفيقته الدائمة.
تراكمت في ذاكرته، صور عديدة لكرته، بعد عودته إلى البيت بعد سلسلة من مسابقات الجري وطقوس تسلق الأشجار، تذكر كيف كان يغسل هذه الكرة بعد عودته من ملعب القرية وذلك عند الغروب، يحضنها، يقبلها، ثم يكتب عليها أسماء كل رفاقه في الملعب، كلما يمسح الغبار حروف رسخها تاريخ المرح.
لا يزال غبار الملعب يتناثر على ذكرياته عبقاً.
يكررها لنفسه كلما نبشت الذكريات ذاكرته العميقة:
 كم أشتاق لملعبي! لكرتي، ورفاف الفريق،
هل سألتقي بهم جميعاً مرة أخرى ..؟؟؟
متى سألتقي بهم..؟؟
فقط حضن والده، ما كان يمده بتلك القوة لتحمل كل تلك الأشواق المتقدة أبداً. كل صباح وقبل أن يخرج من البيت يحضن والده، يقبل يديه، يستمد منهما ما يكفيه لمواجهة كل ما يعترض طريقه للأمل، فكان كل الأمل.
كانت رائحة الزيتون لا تزال تعبق منها  وتملئ الشقوق التي أدماها الزمن وحتى بعد أن أقعده المرض عن العمل.
ليصبح جسده مكمناً للآلام بعد أن ترك قريته وزيتونه هناك.
كانت أنياب الحرب كفيلة بجعل كل شي ينزف ألماً.
هاهو الباب ينفتح من جديد، لتشرق ابتسامته كما كل مرة.
كم تشبه معلمتي الأولى.. !!!!!
هكذا يكررها لنفسه، كلما تتقدم معلمتهم باتجاهه لشراء علبة المحارم، تغمره سعادة لا توصف.
تذكره بمعلمته في الصف الأول، لأجلها أحب المدرسة بعد رفضه المتكرر وهروبه من الحصص الدرسية.
معلمتي الأولى هكذا يسميها، حتى ابتسامتها جميلة كابتسامة معلمته نيركز تفوح بالحنان وعبق الأمومة.
لا يزال يسأل عن أخبارها حتى بعد أن تزوجت وانتقلت إلى قرية أخرى .
يراقب بشغف كل ماحوله، يقرأ ملامح التلاميذ أثناء خروجهم من المدرسة بابتسامته المعتادة يرتشف فرحة التلاميذ بمسامات روحه.
تلك الطفلة الصغيرة بجدائلها الذهبية، وحقيبتها الثقيلة التي تعيق خطواتها البريئة، ذكرته بأخته الصغيرة، حبيبة قلبه راما يراها الأجمل في الكون.
اليوم قرر أن يفاجئها بشراء لعبة لها إذا باع المحارم.
لم يبع شيئاً، لكته ليس حزيناً ..!!
واثق أن أخته لن تزعل منه، كما كان واثقاً بأنه سيتمكن من شراء لعبة لها ولو بعد حين. من ذلك الرصيف، في ذلك المكان تتدفق ينابيع ذكرياته تمدُّه بقوة، حتى في أكثر اللحظات برودة.
تنتهي مسلسل ذكرياته مع ابتعاد آخر تلميذ عن المدرسة، لتتوقف الأوتار عن العزف، ويبدأ الصمت بالتغلغل في واقعه، ويخيم الألم على شعوره كما كل مرة.
تذكر والدته، أحس بحاجته إلى حضنها ليدفئ روحه. يقبل يد أمه، تلك الأصابع التي قوستها آلة الخياطة، خياطة القرية المشهورة. الآن تخيط بآلة قديمة تكاد تلبي موهبتها بالتفصيل، بعد أن تركت آلتها الجديدة هناك كما كل مكونات بيتها تحت الأنقاض.
انتهى الدوام المدرسي كما كل يوم، ابتعد الجميع عن مكمن ذكرياته، وبدأ البرد ينخر كل جسمه المبلل.
وضع بلند كيس المحارم على كتفه، وبيده الأخرى يستند على عكازته، كانت حبات المطر قد بللت حتى دموعه، بخطى ثقيلة مضى إلى البيت.
حيث كانت قدمه اليسرى كما كرته، كما أحلامه، قد بقيت هناك تحت الانقاض في عفرين!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…