قراءة في الأعمال المنجزة في سيمبوزيوم السليمانية الثالث في كردستان العراق .. أودير عصمان ينحت باللون و يستدعي كائنات الفاجعة لتروي حكاياها (3)

غريب ملا زلال
ستة و ثلاثون عملاً فنياً هي ثمرات سيمبوزيوم السليمانية الثالث الذي شارك فيه ثمانية عشر فناناً و فنانة ( 14 فناناً، و أربع فنانات ) ما بين 03-09-09-2021، بنسبة لوحتين لكل فنان، و أودير عصمان إبن مدينة السليمانية أحد المشاركين في هذه التظاهرة الفنية الجميلة، أنجز فيها ثلاثة أعمال تربطها جميعاً خطاً بيانياً تلخص تصوراته، خالقاً علاقة توازن بينها بإيقاعات جديدة بموجبها سيضعنا في حضرة ما يلجأ إليه مجسداً عالماً خرافياً هي أقرب إلى مأساتنا، إلى الوحوش التي استوطنت فينا، هي أقرب إلى ما يوحي بأن الماضي إن كان بتجلياته عبارة عن علاقات و صيرورة، 
فالحاضر فارغ مهدد بالتلاشي ليس فيه ما يفي حاجاتنا كإنسان، فكل التحولات فيه باتت فواجع و مسخاً يعصف بماهيتنا، فعصمان يستدعي الحكايات ذات القاع الأسطوري ليبنى عليها حبكته معوّلاً على عناصر و مكونات بنائية هي التي تشكل مشهده البصري الذي يلح على إظهاره دون أن تراوح في ذاتها، فلا تنابذ بينها بل مفرداتها جميعاً تتقاطع و تتشابك و تتعاصر في اللحظة ذاتها، فيطلع من رحم ليعود إليه بنبع آخر جديد، ينهض بأسلوب طافح بالوجع الإنساني محققاً الكشف و التأسيس لنفسه، مضطلعاً بأشد أدواره أهمية، و هذا لا يعني أنه مفتون باللامعقول فحسب، و لا بتلك العتبات المعتمة الممتدة بين الواقعي و الخيالي، بل هو المنتشل للغة أشبه بالنغم، أو بخرير لشلال ينتثل إنثيالاً حتى يلد كسؤال يتشكل معناه في ظاهر لفظه، حتى بات في رحاب مشهده يتقاطع التقرير مع الغرائبي، الواقع مع اللاواقع، فالحركة إجتياح و مواجهة، لا يلغي الواقع و لا يتعالى عليه، لكن يستدعيه في لحظاته المدركة مع الإنفتاح على الخيالي، و هذا بدوره يجعله يغرس الموجودات في ما غاب من أبعادها، و ترد مفرداته المتشابكة على نحو عضوي و صوره المتشابكة أيضاً، فهو الآخر يمتلك حضوراً رمزياً تبقى عالقة في الأذهان مهما تلاشى في نسقه الذي استله من تجربته هو المقامة أصلاً على البحث و الكشف لا على التدوين و التوثيق، على ما يوحي بالوجع لا الوجع ذاته، و هذا ما يمكنه من إبتناء رموزه الشخصية التي أتمنى ألا تحيله إلى رموز نمطية قد تقيده و تمنع من إرتقائه إلى السماء العاشرة، و تبعده عن الرغبة في الإرتقاء، الرغبة المغروسة غرساً في اللاشعور، و التي تبقى مرافقة للإنسان منذ بدء مواجهته لهذه الحياة مع صرخته الأولى، و هذه إحالة قد تحقق له ما يمكن أن نسميه التسامي و الخلود في المتخيل البشري، و الحال أنه يحمل في صميمها مرجعها و حقيقتها التي ستعلن عنها لاحقاً و رويداً رويداً، و بأن الإنتقال الدوري من الواقعي إلى الأسطوري ما هو إلا إيجاد ما تقوم عليه حكايته سائراً بها نحو الذرى الجمالية التعبيرية التي ينشدها، مواصلاً في فتح مجراه معوّلاً على مكوناته الخاصة و قواه البصرية الذاتية .
أودير عصمان و أنا أراقبه كيف يتعامل مع فضاءات اللوحة و بياضها، كيف يرمي بألوانه في تلك الفضاءات، كيف يستل ريشته أدركت بأنني أمام فنان لا يرسم، بل ينحت، نعم ينحت باللون و في اللون، فهو يتعامل مع اللوحة ككتلة عليه أن يخرج الروح منها، مستخدماً ريشته و كأنها إزميل تنزل على كتلة صخرية باحثاً عن الكنوز المدفونة فيها، حتى تخرج إلى النور طافحة بالمعاني، مدركاً بأن الغوص في العمق و الإصغاء إلى الأرواح المحجبة ليست تشيؤاً، بل إحتفاء بكائنات قادمات من عقال البعد القادر على رد اللهيب للألوان مهما كانت محتمية بالصمت، إحتفاء بكائنات تضعنا في حضرة عناصر تحتاج لقرون حتى تتطهر، وحدها الرموز ستتراءى في الفضاءات السامية اللامتناهية في مواجهة العدم و لا معنى الحياة .
أودير عصمان يعيد قراءة النصوص القديمة مصراً على إحتوائها أولاً، فهو إبن المكان الذي عاش الفاجعة على إمتداد التاريخ تلك الفاجعة التي تتخطى الأزمنة كلها لتكون الشاهد على مرحلة السواد التي كانت تلف القضية و إنسانها، فيشدو بريشته و ألوانه مؤرخاً لكائنات تنتمي لتلك الفاجعة، كائنات لم تعد تشبهنا، فإقتدار السلطان على تشويهها هي ليست فحولة تسجل له، بل إعلاناً عن وحشيته و ما يتعلق بها من صفات باتت في متناول الجميع، أقول أودير وضع على عاتقه لا كتأريخ الفاجعة فحسب، بل كإعادة قراءتها جمالياً، و هذا مشروعه الذي يشتغل عليه و لن ينتهي، و لهذا كسر الأطواق التي قد تلف ريشته مبحراً في المكان، ملامساً تخومها حيناً، و حيناً يلتقط ما يدفع تلك الكائنات التي تقبع في الماوراء من كل حدث تاريخي إلى الإشهاد بأن الغموض لم يعد يلف المدن و الجبل، فهناك ما يفي من صرخات تنقل مشاعر الألم و الأسى إلى حدود الله، فعصمان يعيد خلق كائناته من جدي تلك التي إستقدمها من مخيلته و كأنه يقول لنا الإنسان هو أكثر الحيوانات وحشية و شراسة بحق جنسه و مكانه و ما يعتاش منه، و إلا ما مبرر عدم تقبل الآخر و رفضه حتى بأسلحة الدمار الشامل، فما يحمله عصمان من وجع كبير و يضع نفسه المسؤول عن إعادة قراءتها بألوانه مستكشفاً الوحش فينا .
أودیر عصمان :
– تشكیلي و ٲكادیمي، حائز علی شهادة البكالوریوس في الفن التشكیلي من جامعة السلیمانیة/‌كردستان العراق.
-‌ حائز علی شهادتي ماستر في كل من مجالي :‌ فن الجینوساید و تقنیات الغرافیك بالشكل التطبیقي من جامعة طهران و مستمر بالعمل منذ 15 عاما في مجال فن الحرب و الجینوساید و قدم العدید من المشاریع و الندوات و النشاطات الأكادیمیة في المناطق التي أضحت ذكریات الحرب و الجینوساید جزءا من حیاتها.
-‌ شارك بفن الكارثة في اولمبیاد الفن عام 2012 كممثل لكردستان في مدینة نوتینكهام ببریطانیا.
– شارك عام 2018 في مهرجان فجر في طهران بمشروع هویة الجینوساید.
– شارك في ٲكثر من 78 معرضاً مشتركاً في: كردستان، العراق، النمسا، ایران، لبنان، الیابان، بریطانیا و المانیا.
– من كتبه المطبوعة:  
1- ( سیونما ) 2012 الخاص بعوائل ضحایا القصف الكیمیاوي لحلبجة 2- كتاب (فوتودیكیومینتي) بعنوان ( الامكنة بعد الكارثة ) عام 2012 .
وله كتاب تحت الطبع بعنوان ( فن الحرب و الجینوساید) باللغة الفارسیة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…