أصابع حمراء اللون / مقاربة نقدية

حسن خالد*
أقامت مجموعة “فند للأنشطة الثقافية” و ” بدعوة خاصة”  حفل توقيع كتاب ، وهما في الحقيقة كتابان : 
– قصصي باللغة الكردية معنون ب “kelmêşê mêrxas”
– والآخر شعري باللغة العربية معنون ب “أصابع حمراء اللون” لعضو المجموعة الأستاذ : عمار موسى. 
حضره لفيف من المدعويّن في مقر ” إتحاد الطلبة”  في مخيم دوميز للاجئين بتاريخ 28/ آب 2021
الديوان من القطع الصغير نسبياً يقع في 204 صفحة ، لأسباب ذاتية ، تعود لقضية التمويل والإمكانات للشاعر الفنان ، في المقام الأول ، كما تعود لطغيان عوامل موضوعية في عصر ” القارة الزرقاء” وتوفر و تدفق المعلومة.
يحمل العنوان في طياته تساؤلات برسم التأويلات الكثيرة ، و بدأت تأكيداً لما سلف في بداية الديوان : حيث يتجرأ علانية بقوله “حقوق النسخ والطبع والاقتباس والاقتصاص غير محفوظة ، كما كل شيئ في ب ل د ي”!!
وتزيد الحيرة أكثر لأن كلمة (ب ل د ي ) جاءت متقطعة الأوصال متبعثرة ، ولا أتوقعها محض صدفة بريئة “برسم شاعرنا”
وإن مقولة “يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره” التي مرّت على أسماع الغالبية العظمى من الناس ، وكلٌ فسّرها – ولم يزل ، بحسب المسافة التي أوجدها و حدّدها بينه وبين “الشعر” أو وجد نفسه فيها مرغما إن قرباً أو بُعداً…
القصائد في حوايا “الوليد الجديد” للشاعر ، ليست هي بواكير نتاجه هي أقرب إلى “شعر الهايكو” في غالبيتها تخللتها قصائد متوسطة توثق أحداث وتفاصيل ما رافقت حياة الناس في معمعة التحارب بين أطرافها المتوافرة و اقطابها المتعددة في “الثورة السورية” والتي هي أقرب إلى الحرب الأهلية…
يرصد الشاعر الأحداث في عموم الوطن منذ لحظة تفجّرها في “حادثة : أطفال درعا” حيث وثّق الحدث بما جادت به قريحته الشعرية وفيض حبره عندما يقول : في الصفحة 142 .
” سجّل – في رأس الصفحة الأولى 
خلاّع أظافر  – ولا أخجل 
نَشَّال شلو الأطفال – ولا أخجل”.
– ذخيرة لغوية حدّ الفيض ، لجأ إليها الشاعر في تصوير المواقف الأكثر ألماً على امتداد جغرافيا “بلدي”السورية؟
– بذخ في استعراض الصور الشعرية الحاضرة وبقوة في ثنايا شعره واختصار كلماته؟  
– حضور لافت للايحاءات والرموز ومقارنات لا تكاد تنطفئ في موقع،  حتى ترفع برأسها مجددا في بقع أخرى 
ولا ينسى تفاصيل زحف تلك المأساة إلى موطنه ” عشه الصغير” فخابوره وحواري مدينته وجبل كوكب جميعها تفرض نفسها على مداده وحبره نافذا من رحيق كلماته الوجدانية الإيمائية التي تحاصره عنوة ، وهذا ظاهر جلي في عدة مواضع 
– أزمة الكرسي والسلطة وقبضتها الأمنية  حاضرة إذ يقول في ص 98 .
“كم من حيطانٍ – كادت أن تبكي على رسومٍ جدارية – فَمُنِعَت لاسبابٍ أمنيّة” 
– وأزمة الإنتماء وحب البلد “الوطن”  تفرض نفسها علناً في كل أيقاعات ورموز وشخوص قصيدته المؤلمة”إن عزَّلتم”.
إن تناول الهموم بسرديتها المفعمة بألم يعيش تفاصيلها كل “سوري” لم يشفع له 
سوريا التاريخ ولا سوريا الجغرافيا لنستفيق على كذبة كل يوم وليست فقطة كذبة الأول من نيسان عندما انطلقت الحناجر تهتف صدّاحة :
“واحد واحد واحد ، الشعب السوري واحد” 
فلا النظام استطاع أن يميز بين الكل على أنهم بشر فكان له بشره والباقي “حثالة التاريخ”
ولا مناوئيه استطاعوا أن يطرحوا بديلا أفضل مما لديه فكان له فرصة تصفية حسابات في صراع جديد ويتجدد وكأننا نعيش “حرب المسلمين ضد المشركين”
خاصة وأن يوم الجمعة والحضور القسري للمسجد في تفاصيل الصراع
إذ يقول ص27 
عذراً يا أيّامُ 
ويا أعياد الميلاد 
سأحتسب العمر 
بأيّام الجُمعان
ويوم الميلاد سيكون 
ذات يوم جمعة 
إن ذاك الصراع الطائفي ، أخذ بالحدث المفتعل إلى حيث لا يُحمد عقباه ، فبات السوري غريبا وضيفا في سوريته التي امتلكها “شذاذ آفاق من كل بلاد الدنيا” واستطاع الشاعر أن يختزل الصراع في ثلاثة عبارات : ص 25
” – شعب مليون شهيد 
– شعب مليون أنفال 
– شعب مليون شبّيح.. “
وكل محاولات التوافق والوصول إلى الحل لم تفلح إلى الآن لأن المتحكم في القضية السورية لم يعد هو السوري بل الروسي والأمريكي والصيني وأطراف إقليمية جيرت الصراع لمصالحها وزرعت رجالاتها المحليين ليتحولوا لوقود الحرب والاحتراق ليس إلا؟!
 ففي ص 100.
يقول صاحب أصابع حمراء اللون :
في هدنة العيد استمرَّ القتل
لكن الكهرباء … لم تنقطع.
وجبة من الألم حدّ الترف – وإن لم يكن القصد – يحاول الشاعر تقديمه لراغبي المدعوين إلى وليمة القراءة لكتاب يستحق أن نتدّبر ما بين أسطره الملغومة بمعانٍ ودلالاتٍ عميقة ، كتاب يسهل قراءاته في جلسة لذويقة الشعر 
كما تحمل بعدا توثيقيا لما مرّ من أحداث 
كما أنه لا ينبغي نسيان اقحاماته في رفد القارىء بمعونة من الفجر الذي سيرفعه قادة الغد لأن أصابع حاملي الأمل مهما كانت بيضاء فإن لحضور الأحمر ضرورته ومبرراته
ففي ص68. نراه يضخ أملا 
“ينبت من كل إصبع سبعة أطفال 
ولكلِّ طفلٍ مائة إصبع”
مجهود جميل يستحق الشكر والتقدير عليه لأنه وإن كان شعرا إلا أنه يحوي صورا ومواقف توثيقية لمرحلة تاريخية
فالحرب في أبهى صورها تبقى جريمة بحق الحجر والشجر والبشر تحمله البشرية من قيّم…
======================
               
*حسن خالد : باحث اجتماعي 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…