قراءة في الأعمال المنجزة في سيمبوزيوم السليمانية الثالث في كردستان العراق «رحيمو» ينهض بحركات إجتياحية في مداهمة الموجودات ( 8)

غريب ملا زلال

كلما فكرت أو حاولت الإقتراب من أعمال رحيمو أجد نفسي دائماً رهيناً للتوتر، و كأن هناك ما يحذرني بأنني أمام حالة تورط ما قد أقع فيها، حالة فيها من السجال و مداه، من الترحال و هديره، فيها من الإفتتان ما يجعلك تتلقف المشاهد البصرية و أنت في أوج توغلك لعلك ترتقي بها إلى ذرى منفتحة على التنوع و على إسهاماتها في فعل التغيير، أو لعلها ترتقي بك، و لا تخذلك، فتخطفك لتبثك حكاياتها التي قد تحتاج إلى أزمنة كثيرة و طويلة لتسمعها و لا تنتهي، ثم تتسع في الرؤيا حتى ترفدك دلالاتها و كل ما ينوب عنها في الإفصاح، 
و سيتبين لك ذلك لاحقاً حين ترى حجم التقارب بين مفرداته التي يعول عليها في خلق مكوناته الخاصة، تلك المفردات التي باتت تشكل لغته التي لا يمكن أن يفقدها، و لا أن يخفف من كثافتها ففي كل عمل من أعماله يحاول الربط بين خاصية أبجديته تلك و بين التمثلات التصويرية التي بها بتجاوز المادة المحسوسة و التركيز على اللحظة الأكثر شكلية، أي أنه يساهم جوهرياً في تأسيس الأرضية التي يتكىء عليها مع تساميه بالفضاء و كل ما يجعل منه روحاً متناهية في علاقتها بنفسها، فيردم المسافات بين لحظات المكاشفة حين تعلن عن نفسها في حركيتها ذاتها حيناً، و بين ما يحدث غالباً في كيفية تشكلها و بين ما يمكن أن يكون في حين آخر، فالخطاب الذي يمضي به رحيمو نحو أفق تحولاته خطاب حداثوي قد يطيح فعلياً ما يلبي حاجة المتلقي العادي، متلقفاً الممارسات الجمالية من مآزقها و كأنه سيمضي بها نحو عالم أسطوري مبشراً بطريقة مؤدية إلى الحداثة من ميدان ما، فالتشكيل عنده ليست ثرثرة ألوان و لا خواء ريشة بل إرتياد لحظات المكاشفة في حضرة الخالق ذاته .
رحيمو اشتغل عملين في هذا الملتقى التشكيلي الجميل، عملين من ضوء و حكايا، عملين أشبه بقصيدة ملحمية من جزأين تجاهر بما تبقى من أصداء الوجود المندحر الذي لم يبق له ما يحتمي به غير القصائد و الألوان و الموسيقا، فيختار من ألوانه رموزاً واقفة في العراء، فاتحة في فضاءات الرب طاقات تمتلك كل منها أثيرها، و ما الحشود من الدلالات التي يبيدها في مشهده إلا إيماءات قائمة تعابث بعضها البعض حتى تنفتح على لحظات الأزمنة جميعاً، و تشرع في الماضي الممعن في المضي، و في الغد الموغل في المجيء، فالتجدد حدث دائم لديه يتجلى في عمليات البناء و التأسيس، يتحاور و يتعالق كما لو أنه يمارس طقساً إبتهالياً، لا تخذله كمشة ضوء في هوامش نوافذه، و لا بقعة ما من المشهد الذي لا يزيغ، فالمشهد كله يتكون من عناصر تدل على الوجود و ما يرافقه من غبطة و تناغم، و يجاهد بحركة دالة على الحياة في شكل فعل ما، إنه بناء الخيالي المتكتم على نفسه في صميم الواقعي، يتحايل بها على لحظات وهنه، و يعيد إنتاجها مرتقياً إلى الذرى التعبيرية و الجمالية التي يهفو إليها، منطلقاً في التشكيلات التي شرع في تكوينها علّه ينفذ إلى ما تحجب فيها من دلالات، و محاصراً ما زخر فيها من أبعاد، فالحاجة دائماً لهذا الأثر بوصفه ذاكرة إنتاجية للعلامات التي يحاول رحيمو التدليل عليها في مواضع كثيرة، و يجادل الأصداء إن كان بين شظايا الألوان المبعثرة أو بين إشارات الكشف و وحيه، على أمل أن يستعاد وجوده بالشكل الذي يريد .
رحيمو هنا على وعي تام بالفجوة الخطيرة التي تفصل ما بين منجزه الإحيائي و المنجز الذي يحاكي ذاكرته، نعم هو على وعي تام بالمسافة الفاصلة ما بين الصوت و صداه، و هذا ما يجعله حاملاً للطاقة الخلاقة التي تزجه في حركة التحديث، مستقدماً ما أمكن من فواصل زمنية ينجح في تكريسها لبناء ما قد يتوالد عن التضافر بين جميع البنى الإيقاعية و البنى الدلالية المكونة لمنجزه، متكتماً إلى حد ما على نفسه، و على كل ما هو عالق بذواته، فهو يحاكي بمنجزه كل المنجزات الفنية و الجمالية التي تمكن بعض أسلافه من إرسائها .
منجز رحيمو على نحو ما من المنجز الذي كلما عدت إليه كلما كشف لك، و في كل مرة بعداً جديداً، و سيشرع في إفصاح جديد عن ملفوظات مداراته، إنه نداء الحياة مصطبغاً بتلاوين الآخرين / الرمز و بتداخل نسيجي محولاً ما في داخله إلى مكون بنائي ينهض بحركات إجتياحية يؤتى بها لمهمة هي في غاية الهول لتلك اللحظة التي تشرع فيها العتمة في مداهمة الموجودات حتى تسطع .
رحيمو من الأسماء المهمة و له مشروعه الذي يشتغل عليه، لا يقف على التخوم و حوافها، و إن كان يشتغل بصمت بعيداً عن أي ضجيج إعلامي، لا يحب الأضواء و إن كانت تجره أحياناً حين يجب أن يكون، فرباطة جأشه كبيرة و عميقة، يدرس الأشياء بهدوء، و يرسم الحلم حين يعتقد بأنه بمقدوره أن يلمسه، و ما يمكن التحقق منه كتمظهرات راقية للإنسان و لطفه، و ما يمكن البحث عنه، إن كان في الماضي و الحنين إليه، أو ما كان يستوطن حقول النفس من نزعات إنسانية، فهو يحتفي على نحو دائم بالصدى، و الوحدة الصوتية كمركز لهذا الصدى، فيبدو فاتناً في ذلك، فهو الذي يمنح البنية اليقين و الوثوقية، و هو الذي يعمل على تثبيت عناصره داخل النسق الذي يمضي فيه، و ما يثير إعجابنا لدى رحيمو هو ضبطه لنقطة التماس الحدودية بين المركزية بوصفها بؤر إنفجارية، و بين ما يمكن تشخيصه في الحواف كأرضية حاضرة لإبطال التعارضات التقليدية التي قد تظهر، أو بوصفها ضرورات جمالية تقوم بعبء منع التبعثر داخل النسق / النظام الذي يشتغل عليه / فيه، و بإستطاعة رحيمو أن يفعل الكثير ليضمن رؤية الدائرة و هي تكتمل إستناداً إلى خاصته، و إلى ذلك المجرى المتدفق من البداية إلى النهاية كمغزى جمالي لا يمكن إزاحتها مهما إرتكبت الأنبياء من الخطايا .
رحيمو
المواليد : عامودا 1962 
خريج كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق .
له مقتنيات في الكثير من البلدان : في سورية، لبنان، تركيا، قبرص، المانيا، سويد، استراليا، إيطاليا، هولندا، فرنسا ..
متفرغ كفنان تشكيلي – مقيم في بلجيكا، عمل في مجال الديكور التلفزيوني، حائز على الجائزة الثانية في بلجيكا، عرض له في متحف ايبر ببلجيكا، عمل في مجال الغرافيك، ماتيف لكثير من الكتب و الدواوين، مشارك في المعرض القطري السنوي بدمشق .
من فعالياته الأخرى :
1997 معرض فردي، بروكسل، بلجيكا .
2002 دريسدن، المانيا .
2016 بعنوان حرائق عامودا، اتربيك، بروكسل .
2017 في غاليري جيغاف، بروكسل .
2019 في المركز الثقافي ببروكسل .
و له الكثير من المعارض المشتركة في كل من سورية، المانيا، تركيا، بلجيكا، سويد، …إلخ

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…

فراس حج محمد| فلسطين

-1-

لا تعدّوا الوردْ

فما زالتِ الطريقُ طويلةً

لا نحن تعبنا

ولا هم يسأمون…

-2-

ثمّةَ أُناسٌ طيّبونَ ههنا

يغرّدونَ بما أوتوا من الوحيِ، السذاجةِ، الحبِّ الجميلْ

ويندمجون في المشهدْ

ويقاومون…

ويعترفون: الليلُ أجملُ ما فيه أنّ الجوّ باردْ

-3-

مع التغريدِ في صباحٍ أو مساءْ

عصرنة النداءْ

يقولُ الحرفُ أشياءً

ويُخفي

وتُخْتَصَرُ الحكايةُ كالهواءْ

يظلّ الملعبُ الكرويُّ

مدّاً

تُدَحْرِجُهُ الغِوايَةُ في العراءْ…

-4-

مهاجرٌ؛ لاجئٌ من هناك

التقيته صدفة هنا

مررتُ به عابراً في…