قراءة في الأعمال المنجزة في سيمبوزيوم السليمانية الثالث في كردستان العراق.. فرهاد خليل يرمي سره بصمت و يلاحق الأثر (14)

غريب ملا زلال 

فرهاد خليل ينظم حركة الإنتقالات في المساحات بتفهم، و هو يرمي سره بصمت حين يهمس لنفسه : الرجل صورة، المرأة صورة، المكان صورة، الفضاء صورة، الشكل صورة، الحب صورة، اللون صورة، الحزن صورة، الحرب صورة ….إلخ، يعلق كل شيء بالمشهد رغم قمعه له، يحمل كل ذلك بوسعها إلى مشهده البصري الذي ما إن استقبلت كل تلك الصور حتى ضجت بمحتوياتها، لم يخطىء بالقصد، بل أخضع كل ذلك لمختبراته قبل أن يريها النور محاولاً التدليل عليها علّها تظهر مفاتنها له، يعزل المحيط منكفياً على ذاته حتى يبدأ النزف الداخلي بالعزف، النزف الذي يعول عليه خليل كثيراً، و هو الوحيد القادر على المضي به نحو اللامألوف، و الوحيد القادر على إستخراج الحقيقة المألوفة إلى السطح دون أي تأطير، 
فلا يوجد قرار و لا إجراء ميكانيكي للتحقق من القصد و محتواه، فهو يقوض مفاهيم القصد و المجاز لا لتقزيمها، بل لإطلاق اللجام للحالات الجلية أولاً، و المتخيلة ثانياً، و لهذا فهو لا يرسم أي خط فاصل بين عائلة مشهده، بل كل أفرادها تخرج من هامشها لتكون لها حضورها في المشهد، لتكون لها تعبيراتها في الوقت ذاته، و هذا كلام واع للإشارة إلى وعيه و إلى لا وعيه أيضاً، و تعابيرهما حين ينسلا من المسلة معاً، و يمكن مقاربتهما و قراءتهما بشكل يمنح الشعور بالسيادة و الهيمنة المعرفية له، و بالحماس و التعاطف لنا، فهذا الحس الدائري المشترك بين المنجز و الفنان و المتلقي حس مجازي و حقيقي في الوقت نفسه، و حس يقوم على التمييز بين الداخل و الخارج، بين الحقيقة و الظاهر، بين الحقيقة و الخيال، في إطار نسق فيه من التفاهم و التناقض بنسب ما، و هذه العلاقة حاسمة بمعنى ما لخليل دون إطلاق أية مزاعم، فهو يبذل قصارى جهده للنفاذ إلى جوهر البصيرة و يغور فيها بقدر كبير من إستخدام المجازات و أنواعها، مع العناية الفائقة بالهوامش، و التي ستكون مفاتيح لفك إيماءاته و كل ما هو مهم و ما هو غير مهم من مكملات فصوله، فلا مفر من تضمينها في تجربته و دفعها نحو إنتاجها في إتجاهين أو في بعدين، فهي من ناحية تزيح بطريقة ما شوائب الطريق، و من ناحية ثانية تدلل على كيفية توليد دلالاتها الواضحة، و كيف يمكنها أن تستقر في حضور مطلق بتوظيف غير محدود لظروفها و أغراضها .
فرهاد خليل يعمل بالضرورة من الداخل، و هذه حالة تسجل له، يستعير من مكوثه هناك ما يساهم جوهرياً في تنقية مشهديته، بعناصرها المجردة، فيباعد نفسه عن المحسوس، و يركز كل إهتماماته في اللحظة الأكثر شكلية أي في جهتها الصائتة، فهو في طيلة جلساته كان يحايث صوته كي يقتفي الأثر، و يطرح ما يمس حياة الناس لا على نحو مباشر، بل بإشارات تحمل مفاهيمه الذاتية، تكريساً لرؤية جديدة بها يختصر المسافة بين الفن و الحياة مما يؤدي إلى أن خليل يتحرر من الوسائل التقليدية و يتوجه مباشرة لإكتشاف نفسه و العالم، و هنا فهو يعبر عن ادراك جديد للعالم و عن مفهوم جديد للفن، و لبلوغ الهدف الذي رسمه لنفسه كان لا بد له من إعادة استجوابه للواقع و إدخاله في بناء اللوحة محافظاً في الوقت نفسه على قيمها التجريدية .
عملان اثنان هما ما أنجزه فرهاد خليل في ملتقى السليمانية، عملان بينهما تقاطع و تناغم كبيرين، بدءاً من المساحة التصويرية نفسها المعبرة عن مفاهيم فنية عامة تحدد منطلقاتها الأساسية أنماط التأليف و طرق بناء عناصر المشهد داخل المساحة المصورة، إلى مجمل العلاقات بين مفرداته من جهة، و بينها و بين أشيائه من جهة ثانية، و هذا التقاطع و هذا التناغم قد يشكلا هدفاً لعمليه الفنيين المنجزين، بعد أن أكسبهما دلالات جديدة أكثر شمولاً و أكثر اتساعاً دون أن نغض الطرف عن القيم الجمالية المتضمنة في الممارسة الفنية، و لا بد أن نشير بأن فرهاد يملك وعياً ثقافياً قوياً تساعده في لفت إنتباهه و توجيهه نحو أحداث مقلقة ذات طابع درامي تنتمي إلى المكان .
فرهاد خليل  
من مواليد 1970 – الحسكة
له معارض مشتركة كثيرة نذكر منها : 
2001 الحسكة – سورية
2002 بيروت – لبنان 
2004 بيرن – سويسرا 
2004 القامشلي 
2007 الحسكة 
2008 القامشلي 
2015 ديار بكر 
2017 الرقة
2018 أربيل 
2019 أربيل 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…