قراءة في الأعمال المنجزة في سيمبوزيوم السليمانية في كردستان العراق.. معزوفات ملك مختار اللونية قادرة على قيادة مقولاتها ( 17 )

غريب ملا زلال

ملك مختار تعمل بصمت، بعيدة عن كل ضوء و كل ضجيج، تتجنب الأماكن الصاخبة، تختفي طويلاً و تغيب، لتفاجئنا فيما بعد بحركة غير طبيعية بأن غيابها لم تكن إلا لتكون في رحاب ما تحب، في رحاب فنها و موسيقاها، تفاجئنا بنشاطها الكبير و بهذا الكم من الطاقة التي تحملها، فكأنها قادرة أن تقطع المحيطات مشياً، تكره الدوامات و لا تقع فيها، لا تتعب طالما تنبض بموسيقا ألوانها، فمن معرض فردي قدمته في مدينة السليمانية بعنوان ( الصمت المباح ) ما بين ( 26-30-08-2021 )، إلى تنفيذ فكرة راودتها حين وقعت عينيها على أطفال يزورون معرضها مع ذويهم، و مع إنتهاء معرضها آلت إلا أن تنفذها على الأرض، 
ففي حديقة آزادي بالسليمانية، و على مقربة من ضريح الشاعر شيركو بيكس جمعت أطفال اللاجئين السوريين في المدينة المذكورة لتنفذ معهم عملاً جماعياً على إيقاعات قصائد بيكس، عملاً بقياس كبير شارك معها في رسمه و تنفيذه العشرات من هؤلاء الأطفال الذين كانت البسمة لا تفارق قلوبهم، و تزين وجوههم، البسمة التي لم أرها منذ عقد من الزمن، نفذت عملاً بات الآن من مقتنيات محافظ السليمانية و تزين إحدى صالونات مبناه، إلى المشاركة بسيمبوزيوم السليمانية الثالث ما بين ( 3-09-09-2032 ) الذي ضم ثمانية عشر فناناً و فنانة من كورد سورية و كورد العراق، فخرجت بثلاثة أعمال تخضع لأسلوبها، أقول ملك مختار رغم ظهورها القليل، تخضع لأشد لحظات الإبداع إندفاعاً و مضاء، تشرع بالصعود على سلم الألوان و هي تردد جملتها الألوان نغم فتنثال عليها الموسيقى انثيالاً، أقول تغيب مختار و كأنها معزولة عن العالم، و حين تشرق و كأن الأرض كلها ملكها، تتعاضد مع نفسها و تتماهى في ذلك على شكل لوحة، نعم تقفل بعض الأبواب لتكون بالمطلق مع ملفوظاتها الجمالية و ما ترسمها من علاقات قيمية فيما بينها، تغيب كما تغيب الشمس بهدوء، و تشرق كما تشرق الشمس فلا تستكين، بل كادت أن تتحول إلى ورشة عمل كاملة، ورشة من لون و نور، لا تنتظر الحياة بل تمشي هي إليها لتكشف النقاب عن خطواتها و ما تزرعها من جمال، و إن كانت رهينة لبساطتها الغنية بالمعرفة، فهي تنثر الألوان في مجادلات المكان على نحو أنيق، لا مراوغات لديها و لا خدع، فكل ريشها توحي بمكنونات روحها النفيسة .
ملك مختار موسيقية قبل تكون تشكيلية و لها باع في ذلك، و تشكيلية قبل أن تكون موسيقية فكان يسري في عروقها دم ملون سرعان ما كان يدير كل لحظات التعالق و التشابك بينهما ( اللون و الموسيقا )، بل تعقد إتفاقاً بينهما ليصبحا نصاً من سلالتها تعلن عنهما بلوحات فنية حيناً و حيناً بمؤلفات موسيقية ترفض الجهر بها الآن، 
و لهذا فمجمل أعمالها إن كانت المنجزة هنا، أو ما قدمته في معرضها الفردي الأخير في السليمانية معزوفات لونية، معزوفات كفيلة بقيادة مقولاتها و تهريبها إلى دروب مؤدية إلى جمالية النص و إبداعيته، بعيدة عن صخب العصر و مآزق ملامحه، و كأنها تلفظ لحظة المكاشفة الفنية برؤية تتعمد أن تخبرنا بها عن منابتها فيما هي تتشكل و تتكون، حتى كادت أن تبلغ درجة معمقة من التكثيف اللحظي و ما يحدث فيها من دلالات مباغتة، فتحرث الحقل بطريقة تجعلها تتعايش معه سوية في ظل خطاب قابل للترجمة إلى مساحات حاسمة في التحول و التراكم، فلا تبدو فيها خلخلة بل تبدو أكثر هيمنة حين تمضي إلى داخل الذات كمرحلة تحمل كل الإمكانيات حتى يكون المنجز ناضجاً دون إقصاء أي جانب تدليلي منها / عنها، فهي تطلق عملها و كأنها تعزفها بألوانها فهي على يقين بأن للموسيقا ألوان، و للألوان موسيقا، و بأن السلم الموسيقي المبني على مقامات سبعة هي ذاتها ألوانها الأساسية السبعة فتقوم بتوزيعها على فضاءاتها و كأنها تبلورها بمقامات لا تخدش جمالها بل تزيدها عذوبة، فهي و بلا مواربة لا تغلق منجزها بل تتركه يصدح بالمكان و كأنه ينشد نشيد الإنشاد .
ثلاث معزوفات لونية هي مؤلفات ملك مختار في هذا السيمبوزيوم، ثلاث معزوفات بثلاثة ألحان تثير كل منها في حواسنا إمكان الإحساس بالشكل و القدرة على إطلاق الخيال، و إثارة التوقعات و إشباعها، إثارة التوقعات المرتبطة بكل نغمة فد تحدث و قد ترتقي في الوقت نفسه عند كل المستويات، و قد يحدث تغيير في الإيقاع أو تذهب في إتجاه معين لكن الأهم وجود ذلك التآلف بين النغمات جميعها مشكلة لحنها المنشود، فهي تعزف باللون، و تلون بالموسيقا لا تستطيع الفصل بينهما، ركنان عليهما تبنى نصها الجمالي، النص الذي يكتسي إدراكات خاصة تحاول إستكشاف بعض المتغيرات الخاصة بالجمال، و تلك الأشكال المتآزرة معاً، المربوطة و المشدودة معاً، نص يبعث على التأمل الذي يحملك بذوقك الفني الرفيع إلى الإستماع إلى إيقاعاتها و نغماتها، بمسافاتها و جذورها التي تضرب عميقاً في رحاب ذلك المتخيل الذي تسير إليه و هي تستلهم رموزه بالوقوع على لحظاته التي تنتشلها من سطوة الصدى، فتعيد صياغته و إنتاجه بما تنزّل عليها، هذه التصورات التي تظهر لديها نلاحظها عليها و هي غارقة بأصابعها في رحلتها الجميلة، ما إن تنسى ما يحيط بها حتى تتحد بعملها، كل منهما ينبض بالآخر، تخالها و كأنها في عراك مع ذاتها حيناً، و حيناً متصالحة مع تلك الذات إلى بعدها الأقصى، تحتار و أنت تتأملها و هي في لحظات الخلق تلك من يرسم من، هي التي ترسم نصها أم النص يرسمها، ستجيب على ذلك حين تقترب من الخروج من الحالة و تجد الألوان يحتفي بها من أصابعها إلى ما تلبسه ستقول حتماً كل منهما رسم الآخر، و هنا تأتي المواجهة فكليهما يحتفي بتوسيع الدائرة المباحة للآخر .
ملك مختار 
من مواليد معبطلي – عفرين – سورية .
2005 درست الموسيقا في معهد خاص .
2010 ساهمت مع بعض الأصدقاء في تأسيس معهد و دار موسيقي في معبطلي خاص بتدريب و تعليم الأطفال .
2010 ساهمت بتأسيس فرقة موسيقية بعفرين، و عملت كمدربة و مصممة للوحات الفولكلورية الراقصة، كما ساهمت في تأسيس كروب دم هر دم .
درست الفن التشكيلي دراسة خاصة .
من معارضها الفردية :
2018 في فيبورغ / دانيمارك .
2021 في السليمانية / كردستان العراق .
و لها العديد من المعارض المشتركة في أوروبا، كما لها مشاركة خاصة في متحف ستراسبورغ بفرنسا .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…