محنة عمشة

د. آلان كيكاني

كانت عمشة في السبعين من العمر أو يزيد، أتوا بها إلى قسم الإسعاف وهي تشكو من ألم حاد في البطن مع انتفاخ شديد وإقياءات، وعدم  القدرة على طرد الفضلات والهواء، أي إمساك تام من ذلك الذي يلوي ويجعل المريض يتلوى. 
فحصتها وأجريت لها التحاليل الضرورية وصور الأشعة اللازمة وشخصت لها مرضها، وهي حالة تدعى ( انفتال الكولون السيني ). أي أن جزءاً من الكولون يلتف حول نفسه وبالتالي نكون في حالة انسداد أمعاء تام، وأيضاً انقطاع التروية الدموية عن الجزء الملتف حول نفسه من الكولون واحتمال تموته.  وإذا لم يتم التداخل الجراحي في الوقت المناسب فإن حياة المريض ستكون في خطر. والعملية، في حال حدوث التموت، تكون عادة باستئصال الجزء الملتف على نفسه وفتح الكولون على الخاصرة اليسرى لتصريف الفضلات وتسمى الفتحة ب ( الشرج المضاد للطبيعة ). أو Colostomy …
تحدثت في هذا الموضوع مع ابن المريضة وأخبرته بضرورة العمل الجراحي الإسعافي وفتح شرج مضاد للطبيعة في حال إذا كان الجزء المنفتل متموتاً،  وكانت المريضة متمددة على سريرها وعلى بعد مترين منا وكانت في حالة شبه غيبوبة نتيجة لانزياح السوائل والأملاح من جسدها بعد الإقياءات المتكررة، وعدم قدرتها على تناول شيء عن طريق الفم بسبب هذه الإقياءات. أي أنها كانت في حالة تجفاف واضطراب في شوارد الدم. إلا أنها ورغم حالة السبات التي كانت عليها فزت من على السرير بحركة سريعة عندما سمعت بفتح شرج لها في خاصرتها والتفتت نحوي وقالت بعدوانية وشراسة واضحتين:
– شنو؟؟؟؟؟
قلت:
– مثلما سمعتِ يا حجة.
فأشارت إلى خاصرتها بإصبعها وقالت:
– يعني تفتح لي طيز من هين؟
– أي والله.
– عوووووذة.
– ليش؟
– يعني ….. يعني ….
– يعني إيش؟
– يعني أضرط من صفحتي؟؟؟؟
– مو بس هاي. وكمان تخرين منها!
– شوف يا دكتور، أموت…. أنت تعرف أكثر مني شنو الموت….أموت ولا أضرط من صفحتي .
– على راحتك يا حجة، نحن ما بنجبر حدا عالعملية، ولكن من واجبي أنو أنبهك وأشرحلك المخاطر المترتبة على رفضك للعملية. وإذا ما بدك ما فينا نساويلك شي. لكن لازم توقعي عالرفض.
– هات الورقة هات. هات أوقع عليها…… قال أضرط من صفحتي قال !!!!
هنا رأيت ابنها خرج عن طوره وراح يقهقه. وقهقهت معه وخرجنا سوية، وفي الخارج قال لي أن في ثقافتهم حين يقال أن فلاناً يضرط من صفحته أي من خاصرته هذا يعني أنه جاحدٌ لأصله وناكر لماضيه، وتقال لصاحب النعمة المحدثة الذي ينسى ماضيه الفقير والبائس ويبدأ في التعالي على الناس… وعادة ما يقال فلان يضرط من صفحته عندما يكون من أصل وضيع ويستغل المال والكذب والرياء لغسل عار الوضاعة عن نفسه. وأضاف أنه من الأفضل أن نقنعها زوراً أن العملية ستتم بدون شرج مضاد للطبيعة وإلا سوف لن تقتنع، وبعد إجراء العملية سترى أن كل شيء قد انتهى وأنه لا فائدة من الصراخ وسترضخ للأمر الواقع.. 
وعلى هذا الأساس أقنعنا الحجة عمشة وأدخلناها غرفة العمليات. ولكن عمشة كانت شكاكة. فعندما تمددت على سرير العمليات نظرت إلي بعين المتوسل وقالت بلطف وهدوء وهي تمد أصبعها على خاصرتها اليسرى:
– يا وليدي، قربانك، لا تفتح لي طيز من هين………. ترى كل شي ولّلا أضرط من صفحتي!!! يعني أموت وما أضرط من صفحتي…
وسرت قهقهة بين كادر العمليات وراحت عمشة في نوم عميق.
في اليوم التالي صباحاً وقبل أن أزورها ناداني الممرض وقال : يا أخي أنت شو مساوي لهالمسكينة، والله ما نامت، طول الليل وهي تنتف شعرها وتردد: 
يا ويلي يا عمشة
يا بنية الشيخ خليفان 
آخرتج تضرطين من صفحتج…..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…