حديقة Hannover – Linden

عبداللطيف الحسيني.

ترفّقْ بدمعكَ لا تَفْنِه
فبينَ يديكَ بكاءٌ طويلُ.
شاعر أندلسي.
مرّتْ ليلةٌ كانَ القصفُ على أوكرانيا أعنف قصف منذ الحرب العالميّة
الثانية ،لم أنم ليلتَها متابعاً أخبارَها لحظة بلحظة: وضعتُ ملحاً على
عينيّ لئلا أسهو أو أغفو……إنّه الدمار والخراب والتشرّد….إنّه نفسُ
الشريط الذي عايشتُه في بابا عمرو وكوباني ودير الزور.
خرجتُ من جلدي متجهاً إلى حديقةٍ قريبةٍ منّي.
الصقيعُ يحتلُّ المكان، وكأن لا أحدَ في هذه المدينة التي لا تنام…..
لكنّها نائمةٌ اﻵن.
من بعيدٍ تراءى لي طيفُ امرأةٍ جالسٍ في حديقة الصقيع ….اقتربتُ من
الطيف الجالس المُتعب على مقعد الصقيع ،إنّه امرأةٌ تشربُ القهوةَ وتدخّن
…وتبكي بصمت، حَدَستُ أنّها اختارت هذا الزمان وذاك المكان للبكاء
المرّ….. لئلا يراها أحدٌ.
:هل من الممكن مساعدتُكِ،سألتُها بألمانيةٍ معدومة …..خليطة من
الكرديّة والعربيّة.
:أشارتْ إيماءً بالرفض.
:من أين أنتِ؟، أجابت:من أوكرانيا .
ابتعدتُ عن الطيف منكسراً ومهزوماً.
كلّما ابتعدتُ … كان أنينُ ناقوس الكنيسة القريبة يقتربُ منّي..إلى أن
خفَّ ثم ابتعدَ…ثم اختفى،حينها علمتُ أنّ المرأةَ الصقيع غادرت الحديقة
بعدَ أن ريّحت نفسَها وروحَها من خلال البكاء.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

(ناشرون فلسطينيون) يعد كتاب “بلاغة الصنعة الشعرية” للناقد والشاعر الفلسطيني فراس حج محمد، الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة عام 2020، علامة فارقة في المكتبة النقدية العربية المعاصرة؛ إذ لا يكتفي بتقديم قراءات في نصوص مختارة، بل يغوص في فلسفة الفعل الشعري ذاته، محاولاً فك الاشتباك بين الموهبة الفطرية والجهد الواعي، وبين النص المقدس…

صبحي دقوري

هناك في الحياة ما يبدو ضروريًا إلى حدّ البداهة: الخبز، والماء، والسقف، وبعض الطمأنينة إن تيسّرت. غير أن في حياة الإنسان ضرورات أخرى، أقل صخبًا، وأبعد عن العيون، ولكنها لا تقل جوهرية عنها شأنًا، بل لعلها أعمق أثرًا في بقاء الإنسان إنسانًا. ومن هذه الضرورات الأدب والفن. فهما ليسا ترفًا تستدعيه وفرة العيش، ولا…

ديار ملا أحمد

الكُرد في سوريا: سيرةُ ظلٍّ طويلٍ يبحث عن شكله في الضوء ..

لا تبدأ الحكاية الكردية في سوريا من الجغرافيا، بل من فجوةٍ صغيرة بين الاسم وصاحبه.

من تلك اللحظة التي ينطق فيها الإنسان ذاته، فلا تُصدّقه الأوراق، ومن ذلك الصمت الذي يتكوّن حين تعرف الأرض خطواتك، لكن الدولة لا تعترف بآثارها .. هكذا لم…

عبدالجابر حبيب

 

في قريةٍ لا تحمل اسماً لافتاً، حيثُ تمضي الأيام على وتيرةٍ واحدة، عاش رجلٌ يملك قطعةَ أرضٍ صغيرةً.

زرعها قمحاً، وانتظر موسمه بعينٍ خبيرةٍ؛ يعرف أن الأرض تعطي بقدر ما تأخذ.

 

جاء أيّار، وارتفعت السنابل، وامتلأت رؤوسها، ومالت بخفّةٍ مع الريح.

مشهدٌ يسرّ صاحبه؛ لا مبالغة فيه، ولا مفاجأة.

زرعٌ نجح، هذا كلّ الأمر.

 

وفي طرف القرية، رجلٌ آخر…