«أعمال هوشنك بروكا الشعرية» وشاعرية ابراهيم محمود (2)

إبراهيم سمو ـ ألمانيا

كمين غريبو أو مواربات بلاغية: يستثمر بروكا “غريبو” هذا، المكافئ في العربية واصطلاحاتها، لـ”المُغترِب” المكدّرب” اضطراب تبدد الشخصية، “إثر تبدد الواقع أوالحقيقة أو المحيط، والمكيَّف كـ”عقدة” في علمي النفس والاجتماع، ككمين مُغرِّر، أو طُعم دلالي ـ بلاغي، مرتكزاً على فحاوى ميثولوجية أيزيدية موحية بـ”نيّة” شقلبة ذهن المتلقي، وقد يلاحظ المقتفي لمقاصد بروكا، انه يريد غالباً بهذا الاستدلال، التدليل إنما على ذاته المنصهرة كلياً، بـ”غريبو” وعالمه المفعم بالتحدي والإثارة والمتناقضات، بل وقد يتضح أن الشاعر يرمي، عبر حلوله المُخاتِل بـ”غريبو”، التعبيرعن ذات مستلبة، وهوية تائهة، ووجود مغيّب، فيتلاعب متوسلاً بالتوريات والبلاغة، بمعان ومضامين وحقائق، كيما يستدرج متلقيه، إلى مصيدة “الإيهام الذهني”؛ 
بمعنى أن انتحاب بروكا على “غريبو”، قد يُفهَم منه مرة ندب “ميرمح”، وأخرى الولولة على راهنه الإنساني، كواقع حضاري مضطرب، أزّمه جبروت الآخرـ الشريك: “من مدن الحريق، /…أو من ذاكرة الثلج، /الذي فقد عذريته/تحت وطأة أقدام عساكر مجهولين/…ألوان مهزومة، / انجراحات مهزومة، / دماء مهزومة”. بروكا المُوارِب، لا يتقمص شخصية “غريبو”هكذا جزافاً، بل ينطلق من مساحات مشابهة، لحيثيات سيرويّة خاضها ميرمح؛ بخاصة الاغتراب الذهني والتغرّب والعنفوان والتمرد، وكي تحبك الأحابيل بإتقان، وتموه تاليًا على المتلقي، يستعين الشاعر باقترافات الأمكنة، ويستثمرها في عمليته الإيهامية، حيث يواظب على نصب فخاخ الْمَعانِي والبَيانِ والبَديعِ، وحياكة حيل أسلوبية، تكاد تضل حتى العارف والخبير، فهو حين يحدث عن “دياري فلكي”مثلاً، التي يعّربها محمود إلى”تلة الزمان”، يفخخ ما يريد، فالمسمى يدلل، كما هو معلوم، على هضبة حظرتها آلهة الزمان؛ “فلكي”، على “ميرمح”، لكن الصدف خدمت، هنا، أن تتكنى؛ بمعنى تسطو”أكمة” قرب “تل خاتون”؛ قرية بروكا، وهي تتحول إلى “مقبرة ايزيدية”، على”اللقب القدسي”عينه:”ولا زلت انت؛/من زمن النوافذ المتأخرة، /…، …، /التي تأتي من “غريبو”، /وهي تمضي أبعد/من”تلة الزمان”/ ومن الجنة”. بروكا يخلط، متوسلا بـ”دياري فلكي”، الحقائق بصورة لا تدري معها، وأيا كانت فطنتك، متى يقصد بـ”غريبو”ميرمح ومتى يعنى نفسه!.
بروكا وقهر غريبو المزدوج: يمتزج لدى بروكا، المنصهر في”غريبو”الوجع، وتتعدد صوره، متمرجحة بين الخاص والعام والإنساني، وتتلون معاناته بمغدورتين بارزتين؛ إحداهما ترعد بأيزيديته، والأخرى تزمجر بكردية قحوح، حتى هاج متنفساً بالشعر، يفرج عن”تراكمات جمعية”مزمنة، ويعترض على مظلومية إنسانية ملتهبة، ذات وجهين قيحيين؛ أي يجوب متنهدًا برئة “غريبو”، بلاد الأرض، ليس بحثاً عن خلود، إنما فقط سعياً إلى اعتراف: “ولكي يعترف طرفا “الخط الحدوي”/ باسمك، /الاحضر، /الواسع، / ….، /رصاصة عقب رصاصة، /حربة تلو حربة، /جزمة إثر جزمة، /تهمة باطلة تلو تهمة باطلة”.
بين غريبو وغريبو…آفاق: يُميّز”غريبو”عن “غريبو”، ان “ميرمح” غُرِّر ميتافيزيقياً، فطمح إلى عمر مسرمد، “بينما بروكا هندس توقه، بغية ابتناء وطن عمرانه من قصائد، ساحته ذاكرة وحلم، وركائزه طموح، فعرج لذلك مرور “درويش على عدولة “، على “تثاؤبات آرارات”، مشبعاً من “جمرات جودي وهكاري”، ملوحا بـ”سيفا خلاتي”، قاطفاً إياها من عطاء ربيع، “كان نوروزاً يومياً”، يرقب “حسن خطوات “باغوك”، من أعلى سفحه، ويثب بجناحين من شعر إلى “جودي”، ثم “آمد” ثم “سيبان خلاتي”، حتى يعاين من علٍ، “جراحات حلبجة”، ويغرد عن مقهورية “ديرسم” وظروف لهاث “سيامند” الى “خجي” ثم مصرعه. “غريبو”؛ (بروكا) الذي يُحاصَر منذ شهقة “القطار العثماني”الحانق، على “سرخت” و”بنخت”، أضحى يحدّث عن وطن مقدد، فينفتح حتى يرفه عن قلبه، على آغا الحرائق؛ “محمد سعيد الدقوري”، الذي قضى حرقاً، وهو ينقذ الأطفال من لهب “سينما عامودا”، ويستحضر”مهاباد” و”القاضي محمد”، كـ”حيلة دفاعية”، أو”تسامي”، أو”تعويض نفسي” عن كل هذا النكوص، في العقل الجمعي الكردي. كل أرض”سرخت “و”بنخت” وطن لبروكا، وحكايته مع المكان حكاية عشق مفتوحة، تحفزه “عيشانة علي”، بشذوها، وتجتذبه حنجرة “محمد عارف” الجزراوي، و”محمد شيخو”، فينطلق كـ”أفعوان شيخمند البركيّ”، من”وقائع أربعاءات الغبار”، على أجنحة “ديك العرش”، باندفاع يوازي هياج “ثور السماء”، كي يمرح في فضاء “كان وطناً أربعائياً ومجبولاً”.
الكردي ـ الحجل بين بروكا ومحمود: بروكا متذمراً من “أوادم السقوط وحواءات الخداع”، ومثقلاً من رواسب العقل الجمعي الكردي، يقبض متكئاً على الموروث الثقافي الشعبي، على وجه شبه بين الكردي، وحجل فخخه الصياد طُعماً، ليوقع حجلاً من بني جلدته في الفخاخ . المفارقة، أن إبراهيم محمود الذي انحاز إلى الحجل؛ برّأه من تلفيقة “عداوة القوم”، لم ينفِ، وهو يدعو إلى تصحيح الصورة النمطية، المغلوطة في الذهنية الكردية، أن يكون الكردي “عدو قومه”.
مفردات وحَرْفية ترجمة: كُرمى لـ(خاطر) “نيومارك”؛ أستاذ الترجمة الذي اشترط “البراغماتية”، و”الاتصالية”، بعد أن حذّر من الركون الكلي إلى”الترجمة الحَرفية”، التي قد تفرِّغ كلمات أو نصوصاً ما، أحياناً من محتواها، أو تحرمها من “مدلولات ثقافية”، أو أبعاد تاريخية أو أسطورية أو قدسية /طقسية فيها، ثم تيمناً ببزوغ” الترجمة الاقتراضية”، فإن “تل الزمان” مثلاً لا حصر، قد تعجر عن التدليل السوي على “دياري فلكي”، وقد لا ترقى “العين البيضاء”، إلى إشباع شحنات طقسية، تقدح بها “كانيا سپي”، والوقع، وهذه مسألة ذائقة، كان ربما مستساغاً أكثر، لو عبرت الكلمة بملفوظها الكردي، إلى العربية تماماً كعبور”سيباني خلاتي” هنا، وكذلك” آمد “، و”جودي”، و”همرين”، و”باكوك” وهلم جرّاً، ولأثرت، من ههناك، المعجم العربي، بمفردات ذات مصدر كردي.
بروكا داخل”الأعمال”، خارج غريبو و…محتوى كشكوله: “الأعمال” تبهى بمسحة رومانسية طفوحة، وتفوح بحكايا عشق تميّز بروكا وولهه، عن ميرمح المُنشغِل عن الدنيا بالخلود:”ما بينك وبين عاشقتك/كانت خطوة من زنبق، /كنت تبحث/ عن أثر مجرّة /حيث تلمسّك ألمها “. وتهدل؛ أي”الأعمال”بأغاريد إشراقية، على شكل تجليات أشبه بصوفية، تقرب صاحبها كثيراً إلى جبران وابن عربي والحلاج .
بروكا وهو يغترف من الواقع والفلسفة، والتاريخ والأسطورة والتراث بشقيه الايزيدي ـ الكردي، يجبل مفردات كشكوله بشاعرية أخّاذة، وعاطفة متقدة وخيال ثرّ، بل يبرع عبر اللفظ والدلالة والمعنى، في ابتداع مشاهد ذات جاذبية إدهاشية، وافتعال سياقات تعتمد على المفارقة والحركية، ولغة بروكا الشعرية تتقد بفلسفة خاصة تميزه، وتأتلق بالتصوير المجازي والرمزية والتشكيل الحسي، على نحو متوافق، ومقولات “تودوروف” “الشعرية بجانبها البنيوي”، بخاصة لجهة الغموض والالتباس والخلط .
المصدر: النهار –

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

“إلى إبراهيم يوسف طبعاً من شرفة مشتركة بيننا “

لأول مرةْ

سأرفع صوتي

مدوّ صداه

مداه مسمَّى

تسامى

إلى عتبات المجرَّة

وأعلنني طائراً في سماء تراني

كما لم أكن قبل في شرح ظلي

كما هي روحي

وفي لحظة العمر مُرَّة

أنا جمْعُ كرد

أحدّد جمعَ اعتبار

هنا في المكان

ملايين صوت

ملايين حسرة

وأعني بشارة ثورة

لهذا

سأحفر كرديَّتي في غد ٍ مستدام

على كل جذع لنبت ٍ

وفي كل صخرة

ومنعطف للزمان

وقمة…

صبحي دقوري – باريس

يُعَدّ هنري غوهييه أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ تقاليد كتابة تاريخ الفلسفة في فرنسا خلال القرن العشرين، لا بوصفه صاحب نسق فلسفي مستقل، بل باعتباره مفكّرًا اشتغل على الشروط المنهجية والمعرفية التي تجعل من تاريخ الفلسفة حقلًا فلسفيًا قائمًا بذاته، لا مجرّد فرع تابع للتاريخ العام أو لعلم…

تقديم عام للكتاب

يأتي كتاب “القراءة: قصص ومواقف” للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد (2026) كمشروع فكري وأدبي طموح، لا يكتفي بالحديث عن القراءة كفعلٍ تقليدي، بل يغوص في أبعادها الوجودية والاجتماعية والنفسية. ينتقل المؤلف عبر فصول الكتاب من التأمل الشخصي إلى النقد الثقافي، ومن السرد الذاتي إلى التحليل المجتمعي، مقدماً رؤية شاملة ترفض التبسيط السائد في خطاب تمجيد…

إبراهيم محمود

هنا حيث انت كُباني
هناك
كما أنت أنت كباني
مرتّلةُ حجراً باركته السماء
مكلَّلة أملاً أعلنته السماء
وصاغت بها المعاني
تحيلين بردك بُرداً
تحيلين جوعك وُرْداً
تحيلين صمتك ورداً
وملؤك كردية مذ تجلى الإله
ومالت جهات إليك
وهابك ناء وداني
هي الأرض تصعد باسمك
أعلى كثيراً من المتصور طبعاً
سماء تشد خطاك إليها
كعادتها، وترفل في الأرجواني
وباسمك حصراً
كما أنت
تاريخك الحي باسمك
أعني امتشاق حِماك المصاني
سريرك في أُفُق الأمس
واليوم
والغد
كرديّ
دون ارتهان
أراك كباني
كما…