التفاوض بين أنياب السلاح النووي

                                         

إبراهيم أمين مؤمن-مصر

ذهب رجل المائة ألف جنيهًا صاحب الكلية التي زعم أنّها تالفة إلى الطبيب وردّ له المبلغ بعد تمنع جامح من الطبيب.
استقل سيارته المتواضعة وظلّ يجوب شوارع مصر مستعبرا متأوها وهو يحدث نفسه قائلا: أخشى أن تتصارعوا يا بني وطني على القبور قبل القصور، وقماش الخيام قبل أبراج السحاب، وكسْرة الخبز قبل الكباب، ومعطف الورق قبل معطف الحرير، كم أخشى يا أغنياء بلدي أن يسيل لعابكم وتشرئب أعناقكم وتدور أعينكم على ما ليس لكم فيكون رنين الفخار لدىَ فقراء مصر أطرب على مسامعكم من رنين الذهب الذي لديكم.
كم أخشاكم يا أهل بلدي أن تأتون يوماً لمهديّ تطلبون منه مائدة من السماء بعد أن ملأ جيوبكم بالدولارات.
وقف بسيارته فجأة وسرعان ما قال: المعدة الجائعة تشبع، لكن إذا شبعت تقنع صاحبها آنذاك بأنّها جائعة على الدوام، صدق المثل القائل: “ما يملأ عين ابن آدم إلّا التراب”.
سار بسيارته قليلا وقال حينها بتوجع: يا ترى يا مهديّ أغنيتَ شعبك على حساب مَن! أخشى أن يسبح قومُك …
وقبل أن يكمل فرمل سيارته فتوقف فجأة حتى كاد يُقذف في زجاج السيارة الأمامي ثم ما لبث أن أكمل: .. بأطواق النجاة على بحور دماء العالم يا مهديّ.
أوجعته الكلمة التي تساءل بها فشهق على أثرها شهقة أزهقت روحه فيه رغبة وطواعية منه حتى لا يرى دماء الغرب تسيل بسهام مهدي الذي أطلقه من مختبر فهمان فطين المصري  FFC-2.
***
مرّ عامٌ على تبادل إطلاق النيران بين الكتلتين المتحاربتين، وفي هذه الأثناء حقّقتْ الولايات المتحدة الأمريكيّة نصرًا مؤزّرًا على الروس وحلفائها، وتقدّمتْ قواتها إلى معظم المناطق الإستراتيجيّة؛ بينما تراجع الروس وآثروا القهقرى ليعلنوا بعدها مباشرة الرغبة في الجلوس على طاولة المفاوضات.
ومنذ هذه اللحظة وهي لحظة إعلان الرغبة في إجراء المفاوضات مع الأمريكان توقع أكثر الساسة انتهاء الحرب، بينما قلة منهم توقعوا تطور الحرب من تقليدية إلى نووية إذ لن يتعامل الأمريكان مع الروس إلا من قبيل المنتصر والمهزوم وعلى ذلك يرى الأمريكان أنه يتوجب عليهم إملاء شروطهم على الطرف الروسي بينما يرى الروس أنهم ليسوا في موقف ضعف على أساس أنهم قادرون على تحويل الكرة الأرضية إلى قطعة من جحيم جهنم.
واجتمعوا، وبعد مداولات عديدة استمرت عدة ساعات قدم الروس فيها عدة تنازلات منها إبرام عدة صفقات تجارية بين آسيا كطرف أول وأمريكا كطرف ثانٍ تصب كلّها في مصلحة الطرف الثاني بالطبع، هذا فضلا عن تعويض الأمريكان بمبلغ ضخم بسبب ما تكبدته من خسائر في هذه الحرب.
ولم يشترط الروس علي الأمريكان إلّا شرطًا واحدًا وسط كل هذه التنازلات وهو الانسحاب المشترك من كافة المنافذ والمضايق وكافة المواقع الإستراتيجية واللوجستية من المنطقة العربية في آن واحد.
وكان رد جورج رامسفيلد هو طلب مهلة ليفكر في العرض المقترح من الروس.
وبعد مداولات عديدة بين قادة الحرب من الطرف الأمريكي قررّوا الموافقة على العرض باستثناء انسحاب جيوشها من المنطقة العربية، وهذا ما رفضه الروس رفضًا قاطعًا، حيث قالوا: نحن لسنا مضطرين للخنوع الكامل ولدينا أسلحة نوويّة، وسوف نحوّل بها الكرة الأرضية إلى أجيج مشتعل، والآن اعلموا أيها الأمريكان أنّ رؤوسنا النووية محملة على صواريخ عابرة للقارات تنتظر الإذن بالإطلاق.
ولقد تفاجأ الساسة والعسكريون من كلّ أنحاء العالم ردّ الأمريكان الغريب وأرجعوا ذلك لتدخل يعقوب إسحاق في الأمر حيث هو من زجّ بجورج رامسفيلد بعدم الموافقة على إنهاء حالة الحرب إلّا بشروط أمريكيّة خالصة .
*** 
العالم يغلي وعلى وشك الانفجار كانفجار النجم حال موته، لم يستطع فهمان متابعة تجاربه على المصادم الذي يبغي من ورائه الذهاب إلى إبليس رغم إصراره وإيمانه بأنّ إبليس السبب فيما وصل إليه العالم حتى الآن من دمار.
أمّا جاك فلم يستطعْ هو الآخر عمل أيّ رصد لنجم سحابة أورط رغم إيمانه بأنّه سيتحوّل إلى ثقبٍ أسود في أي لحظة؛ وعليه فلابد أن يتحرك سريعًا حتى يدحره عن طريق شراعه الضوئيّ المقترح في رسالة الدكتوراه.
ورغم الفائدة العظيمة التي يبغياها من وراء عملهما إلّا أنّ الأحداث جثمتْ على صدريهما فاختنقا، وانصهر قلباهما في بوتقة الحرب الدائرة.
أمام موقع التجارب على المصادم FFC-2 ظل فهمان يلكم الطاولات والحوائط حسرة وغضبا على رفض جورج رامسفيلد للمقترح الروسي، ونفس الحال بالنسبة لجاك ولكن في موقعه، أمام مراصد ناسا.
سقط فهمان على الأرض مغشيًا عليه لأنه رهيف القلب، بينما نجد جاك ممسكا بصفيحة معدنية كانت بجانبه مرسوم عليها خريطة العالم، وأخذ يثقبها بأصابعه الفولاذيّة، فلمّا شارف على الانتهاء منها بكى ثمّ احتضنها ووضعها على الأريكة.
ولأنه ذو قلب جسور انتفض فجأة واتّجه إلى باب المرصد ولم يفتحه بل اقتلعه من مكانه وتذكّر ولأول مرّة ذاك البركان الذي ضرب ولاية كاليفورنيا منذ أربعة عشر عاماً تقريبًا وتذكّر أنّهم لقّبوه ب “فتى البركان الملثّم” فقال لنفسه: الآن أنا فتى بركان البيت الأبيض.
أقبل عليه حرسه شاهرين مسدساتهم ظنًا منهم أنّه كان في مشاجرة مع شخص استطاع التسلل والوصول إلى مخدعه.
فلما رأى منهم ذلك قال لهم: لا شيء خطر، انتظروني هنا حتى أعود، لعلي أستطيع أن أطفئ حرائق البيت.
—————- 
“من رواية قنابل الثقوب السوداء”

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…