على وجه السرعة

 إبراهيم محمود

” إلى روح الراحل الكبير والكردي كاتباً واسماً: محمد سيّد حسين “
ها نحن على عتبة أول عيد، وبيننا مسافة، لعلها جدار  شفاف، لستَ حاضراً بجسدك. وجميعنا يعلم أين تقيم الآن، وأنت في حِمى مقبرة ” تل عربيد “. وأكثر من مأثرة ضوء روجآفاوية تستأنس بروحك بافي ” رشيد ” يا صاحب ” كردستان قصيدتي ” و” الوطن جنّتي ” و” نخوة قامشلو “.. لكم هي المساحة التي تركتها شاغرة كبيرة. لكم هي الجهات تفتحت عيوناً تترقب ظهورك غير مسِلّمة بأمر فراقك الأبدي. سالكٌ هو الطريق رغم وجع الفراق، بين بيتك الأخير في قامشلو، وبيتك الأول، حيث مسقط رأسك، وووثبة روحك الكردستانية في ” تل عربيد “. لا أحد يخطىء في الوصول إلى حيث ترشده إليك شاهدة قبرك المشعة بالبياض. إنما هي روحك التي لا أعرف أين هي الآن.
 بأي لون تكون، بأي طعم تتوهج، بأي صوت تتسلسل، بأي ملمس ناعم نعومة العشب الغاية في الطراوة تتراءى، وبأي ذائقة تتهادى، وهي مدثَّرة بتلك الذخيرة من كتاباتك نثراً وشعراً. وفي أي جهة تستغرقها معاناة وطن مجزأ، وشعب مجزأ، وألم موعود به ، ومؤجَّل. مؤكد أنها يا العزيز في روحه الكردية، واسمه المشدَّد عليه بحمد الكردية وصمدها وأبدها، تطوف في جهات كردستان الأربع، أنها تتلو نصوصك الشعرية ذات السلسبيل، ونثرك بتألقاته الشفيفة، حيث يكون تواجد كرد روحك من قامشلو إلى آمد، ومن هولير إلى مهاباد، ومن ألف الوطن الموعود إلى يائه المنشود، وعلى مدار الساعة. لا حدود ممنوعة تستطيع صد شفرة روحك القاطعة وهي تتنقل من جهة كردستانية إلى أخرى. كل ما كتبته مسموع مفهوم. وحدها الأرواح تفهم بعضها بعضاً، وحدها التربة الواحدة تتولى زمام الأمور، وهي تسهّل مهمة الانتقال، وسهولة الاتصال. 
نعم، أخي الكبير بروحه التي لم أعد ألتقي بجسدها الذي لطالما احتسينا أحاديث الكرد والكردايتي معاً، لا يفصلنا عن بعضنا بعضاً سوى القليل القليل من فراغ المكان، لنسمع بعضنا أكثر، لنرى بعضنا أكثر، ونشتاق إلى بعضنا أكثر فأكثر.
إنها المرة الأولى التي ترانا فيها ولا نراك، أكبر من مساحة ضريحك، ومن بيادر ” تلك عربيد، وأرض قامشلو.. ألا يقولون أن مساحة الروح تقدَّر بمساحة حبها لأهلها ووطنها. ولست أشك، ولو للحظة واحدة، أن مساحة روحك حباً، مأهولة بكردك عامة، ووطنك عامة، وكل كائن إنساني وحيّ، كما يقولها لسان روحك في الكتابة . أعرف أخي بافي رشيد، وشريكي الكردي في مكابدة الهم الكردي والإنساني، أننا لن نلتقي بعد رحيلك الأبدي، لن يعود يجمعنا مكان واحد بالتأكيد، كما كنا قبل الرحيل الأبدي، وأن هذا العيد، ونحن على عتبته، يثقِل علينا بظله، وحزن فراقه الأبدي. ولك بافي رشيد في قلب أفراد عائلتك الكثير الكثير مما يخفّف من وجع هذا الفراق الأبدي، لك في قلب كل من عرفك حق المعرفة في كرديتك الرحبة، والعميقة، والعالية الأثر، ما يبقيك حاضراً في قلوب الجميع. كيف لا، وحين رحلت، طافت روحك، كما استشعرتُها على الجميع فرداً فرداً، في وداع أخير، بدءاً من رفيقة دربك  ” ديا رشيد ” والذين كنتما سبباً ليبصروا الحياة أبناء وبناتاً، وهم مأهولون بكما حباً والدينياً، والذين عرفوك عن قرب وعن بعد، وكنتَ حياة في موقف صريح جريء ومضيء، ومبدأ لا يخطىء محتواه كل ذي عقل سليم في حب الكردي للكردي، الإنساني للإنسان. وها أنت تراني أبثك شوق أخ لأخيه، شوق مقدّر بالحرف، لمقدر بالحرف، ها أنت تراني، كما أنني في علم اليقين أنك تراني وتسمعني أتهجى اسمك، وأنا أسطّر بعضاً مما تيسر من مأثرة المحبة التي أولها المحبة وآخرها المحبة، إعلاماً مني لروحك ذات المساحة الرحبة جداً جداً ، أنك كلّي الحضور بيننا .
دمت روحاً بجهاتها الكردية الأربع .
ملاحظة بافي رشيد العزيز بروحه دائماً، أن نجلك الأكبر ” رشيد ” أرسل إلي قبل يوم من الآن، صورة، ويا لها من إمضاءة ذكرى مكانية قامشلاوية مؤلمة ومؤنسة، وأنت في مكتبتك، العش الصغير الذي حلَّقت منه إلى العالم الرحب، وأنت بقامتك القامة في الممر الفاصل بين سريرك المكتبي : فراشك، وكتاب إنعاشك، تقول الكثير. وثمة مقطع من قصيدة ” غرفتي ” مرفق بالصورة، جاء فيه التالي، تعبيراً عن هذا الحضور الكبير:
جدرانها
أيام غير مسجَّلة
صمتها
يترجم الكلمة في القصيدة
داخلها
عالَم دون تخوم
منظار دون حد
نقَّبت فيها شبراً شبراً
باحثاً عن نفسي
سقفها 
كتاب غير مقروء
مليئ بالخفايا
رغم أنني قرأته 
ألف مرة
بصورة خاصة
في الوحدة
 وتقديراً لروحك، لطيب هذه الذكرى، وله، أنشر  هذه الصورة ، وهي أكبر من كونها مجرد صورة، لمن يقرأ ما وراء الصورة طبعاً .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…