إليكِ: فالحبّ ليس وجهاً واحداً

نصوص مهداة إلى الصديقة الشاعرة نداء يونس، من وحي وبمناسبة صدور ديوانها الجديد: “تأويل الخطأ”
فراس حج محمد| فلسطين
(أ)
السيّدة، الشاعرة، الحبّ، القصيدة. صباحُكِ جذّاب كأنتِ تماماً.
هكذا كنتُ، هكذا كنتِ، هكذا كنّا، هكذا تكونين
هكذا كنتُ إذ يشرحُ الحبّ لي أسبابه، لأكون فيه خليّة يحتاجها الجسدُ كما تحتاجها الروح، ترشح بي وبكِ معاً.
هكذا كنتِ، كما أنتِ، حاضرةً بهيّة الملامح، كمدينة طازجة نابتة على ضفاف من قصيدة عطر، تفوح في الأجواء والأرجاء والنجوى.
هكذا كُنّا مطراً ناعماً مصقولة غيماته بأنّاتنا/ أنواتنا، تتوحّد الكلمات، تطير التوقّعات، وتنسكبُ اللغة صوراً بذات اللحظة، نتكلّم الكلمة فتُلقى في رحاب النفس، فيبدو الشكل نفس الشكل، والمعنى كأنّه هو.
هكذا تكونين أغنية صباحيّة، ولقاء أبديّاً، وعناقاً سرمديّاً، وسناءً ليلكيّاً، تكونين المرأة المبتغاة لكلّ أمر كامل وعظيم، لكلّ فكرة سامية، لكلّ جلسة هادئة، لفنجان الصباح، لفيروز، لجدّتنا المهلّلة التي تصلّي الصبح في الموعد على سَجّادة خضراء، لكلّ لحظة عامرة بأنَاتنا الراضية المطمئنّة بجنب الحبّ أبدا أبداً.
في كلّ الظروف والأحوال، هكذا سنظلّ لا شيء يسعدنا سوى أنّنا هنا دوما نعاهد الحبّ صناعته في كلّ أوان حتّى وإن خان الفرحُ أو غاض البهاء الخارجي، ستشتعل الروح بالحبّ، لتنيرنا مصابيح في دهاليز الحياة القاسية.
هكذا نحن دائماً، فالحبّ ليس وجهاً واحداً، ولن نمتنع عن “تأويل الخطأ” بصواب الحبّ وشرعته وشرعيّته، فلو كنتُ أنا الخطأ فكوني أنتِ التأويل الذي يعدّل ويعتدل، ليكون الصوابُ المعتدل.
(ب)
هُوَ هَكذا الشوقُ يجري في دمائي راكضاً، لا يستكينُ، لا تعرفُ خيولُه الراحة، تسافر في أوردتي وتشدّني حيث أنتِ.
هو هكذا الشوقُ يأتي حارقاً متحدّياً جبّاراً لئيماً، لا يعرف التّصالحَ، ولا يطلب الهدنة، ولا يسعى إلى السلام مع الروح، مع الكائناتِ الرابضةِ لتلهوَ فيه/ به، يريد ما يريد بلا أدنى مساومة، فماذا بوسع الروح أن تفعل، وقد جابها طولاً وعرضاً واحتلّها الشوقُ المهيبُ إليك؟
هو الشوق هكذا يصبحُ أكبرَ وأشرسَ إذا حاولتِ التهربَ منه، يستفزّ كلّ خليّة فيّ ليجعلني على متنِ القلق، لا أعرف من النوم غير أن أهجس فيك، مستغيثاً، راجياً، مبتهلاً إليكِ.
هو الشوق يرجو أن تلبّي له الطلب، طلب اللقاء البريء من كلّ وصال غير وصل الروح للروح، وتأمّل ملامح الوجه الصباحيّ البهيّ، تلمع صفحته على تموّجات الشمس الناعمة، فلماذا لم تلبّي لأشواقي الطلب؟ لماذا تركت نيران أشواقي تحرق أحشائي، وتستعدي الجنون ليركبني بلا حدّ؟
 أصبحتُ لا أجيد سواك يوماً، فأنتِ كلّ ما تبغيه أشواقي العنيدة، فلا تقتليها.
سافرت قبلك ألف عامٍ، ومشيت تحملني لمعةُ العينينِ في قافية القصيدة.
(ج)
أنتِ، وجودك، حبّك مناسبتي، ومناسبة القصيدة، كلّ قصيدة.
كلّ ما أكتبه ليس له غير مناسبة واحدة، أن أظلّ مشتعلاً حتّى الرمق الأخير وألفظ أنفاسي الأخيرة، وأنا أصارع قصيدتي الأخيرة فيــكِ، فأنت مناسبتي الأبديّة لأنّك نبض دمي الأبدي.
(د)
كلّ النساء أجمل في القصائدِ إلّا أنتِ، جميلة في كلّ شيءٍ، وأجمل بكثير وأنت معي على قارعة الطريق نحتسي فنجاناً من القهوة ونغتاب المثقفين المحترقين في نار الغيرة والحقد؛ يكفي أنّ ضحكتكِ الورديّة ساعتئذٍ كانت تجعل المكان يرقص مترنحاً من شدّة الفرح.
(هـ)
إليكِ وقد سهرتُكِ حتّى مطلعِ القهرِ، وشابَ الليلُ بالفجر الذي صاح باسمك معلناً أسمائيَ الأخرى الجريحة في وسادتكِ الوحيدة في ليلة هي لم تنم، فكيف لي أنا أن أنام.
إليكِ وقد نبتَ الحجرُ بين شفاهي، واستفاض السجنُ فيّ وما تعلّقني بآخرة المحطّة السفلى في قاعِ الطريق الموصلِ للعيونِ الراجيات بعضاً من سلام.
إليكِ وقد فكّ الحنينُ قيوده هارباً منّي ليكون فيك خليّة معمورة بالوقتِ تبحث في كلينا عن المفتاحِ ضاع بكومة من غيابٍ لا يليق بنا، كقشّ طقطق بين أيدي النارِ، يحرقنا بإشعال التأّوّهِ في الضّرام.
إليكِ الكلّ من عاداتي المستميتة في كلّ ليلٍ لا يكون بكِ/ إليكِ/ سواكِ غير بعضٍ من هواجس في سماءٍ تَخَذَتْ لونها الكُحْلِيّ من وقتٍ تغيّمَ واعوجّ فيه سحابهُ بلا مطرٍ، يخزّ بنا جنونٌ لا يُعرّفنا إلينا سوى خَبَلِ السقام.
إليكِ فقط ما تصارع منذ أيّامٍ على ذاتي المهدّم ركنُها، فكيف أخرجُ منّي وأستلقي على راحتك أبحثُ في تفاصيلي وسطري عن أنايَ، وحلّ في جسدي أوارٌ يستبيح النهر من مجراه؛ مجرى الحلق تزفرُ بانتفاضتها مخايلُ من كلام.
إليكِ روحي فاقرأيها… لستُ أنا… نِيّاً، خؤوناً، ولستِ مشاعَ القارئينَ، ولسنا في ذاك الكتابِ سوى كتلٍ من جمرة الروح، فائرةً بنا، فاستفاقت بين فَخْذَيْ ورقٍ، وسارت في الحديث رواية عنّا، لتردّنا متكامليْنِ على شعاعٍ لا يُرام.
إليكِ وقد سهرتِ الليلَ مثلي، وعدَدْتني مثل النجوم، فأينَ أنا؟ أحَضَرْتُ بين كفّيك وصرت قاب قوسين وأدنى؟ لمَ لمْ تؤرّخني الدقيقة في سجلّكِ كي أكونكِ وردة تحبو رحيقاً بين سابلة السحابِ، لعلّنا نهمي، ويغتسل السّخامُ من السخام.
(و)
صباحكِ أغنيتي بلحن يؤدّيه الجمالُ نيابة عن كلّ الملحّنين والمنشدين، إليك وأنت مقام موسيقى الخواصّ، اخترعَتْها الطبيعةُ بلحنٍ، عازفه أنتِ، وسامعه أنا، إليكِ أنت وقد جئتني كأمنية لم تخطر على البال، جئت كما أنتِ طبيعيّة وطازجة شهيّة، جئتُ لأقول الشعرَ وتقولينه، ليحسن التأويل فيه، كأنّه بعض دمٍ حلال.
(ز)
إن أخبروك “أنّكِ كنتِ جميلةً، واليومَ أصبحتِ أكثر جاذبيّة، فما القصّة؟”
قولي لهم: “لقد جعل سيّدي الشعر ابتسامتي داخلي فقط ليراها هو، وامتلأ الكيان الهلوليّ به، فصرت أرهفَ، أجمل، أندى. صارت خلاياي تنضح من عطوره، تلمع فيه عيوني ببريق جنونه، سيّدتي القصيدة وحدها التي لا تحبّني فقط، إنّها تمنحني الحياة بجمالها، يا ليتكم الآن تدركون السرّ، يا ليتكم تدركون”.
(ح)
كيفَ أصلُ إليكِ، وقدْ بلغَ الشوقُ بي ما بلغَ، أينَ ذهبتِ؟ الساعةُ صامتة، صفرٌ، هباءٌ، تخلّفٌ، تجلبُ الجنونَ المفضي للعبث.
ماذا أفعل وقد غبتِ عن النهارِ، الليلِ، أضواءِ الفجر، ألحانِ الصلاة؟
هل سيطول ما بي من شديد الانتظار؟ 
لم يعد للحرفِ بهجته، ولم تعد للشعر ألفتُه، ولم تعد الأغاني صادحة، والأصوات مكتومة، والألحان خافتة، تنتظر الوقت لتجعل الحياة أبهى وأجمل.
إليكِ وحدك أكتبُ في هذا الصباح الذي يحنّ لصوتكِ، صورتكِ، مباهج عطرك، صفاء اللونِ في شفتك، واختمار الكون في الضحكةِ الشاسعة، كأنْ كركرة الماء على جسدٍ تأنّق في تأنّي الاغتسال. فأينَ أنت؟ إنّك في شعاع القصيدة في أفق الشعر هناك.
(ط)
أيّ حركة غير محسوبة ستودي بي، فاحذري أن يتحرّك الكرسيّ بنا كثيراً، ها أنا أقف إلى جانبك بجوارك، أراك تعدّلين جلوسكِ، تتفقّدين ما يلزمك، تطمئنّين على جاهزيّتك، استعدادك، تطمئنّين عليّ أيضاً.
تُقْبِلين على مَن معك بوجه طَلِق، تُحيّين الحضور، ويردّون التحيّة، وتبدئين. ما زلتُ أنظر إليكِ، فلا تنسيْ أن تحيّيني بجملة سرّيّة بيني وبينك؛ فأنا أسمع دقّة القلب، وأرى اتجاهها حينما تتحوّل إليّ، أراكِ الآن تلتفتين إليّ وتضحكين، فيغمرني إحساس بالحياة.
سأظلّ هناك أنتظرك ريثما تعودين، مخبّئاً لك بين الحنايا قلباً يحدّثني في غيابك كلّ ثانية، ماذا عساني أن أجيبه؟ أأقول: إنّ “السيّدة” تعدّ لك مفاجأة كبرى سعيدة، وعليك أن تنتظر؟ أعرف أنّكَ لستَ طفلاً صغيراً، لتتلهّى بالكلام. لا حيلة لك إلّا أن تزيد في سعة الحلم قليلاً لتتّسع القصيدةُ لي ولها، لنكون أقدر على الاحتمال.
صبراً، صبراً أيّها القلب، لا شكّ أنّ “السيّدة” تعدّ لنا نفسها، فلنستعدّ لها نحن أيضاً، لنليق بها وبلقائها، غدونا على بُعْدِ خطوة من اقتراب المسافات المعلّقة على المشيئة والظروف المواتية، يا ليتها الآن هنا؛ لنكون أهدأ ممّا نحن عليه الآن.
(ي)
إليكِ وحدكِ هذا الصباح، لا أريد لأحد أن يشاركني فيه. كوني حيث أنت كما أنت، فصباحٌ لستِ فيه، لم تطلع على روحي فيه شمسُ حرّيّتي.
28 يونيو 2022

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…

فراس حج محمد| فلسطين

-1-

لا تعدّوا الوردْ

فما زالتِ الطريقُ طويلةً

لا نحن تعبنا

ولا هم يسأمون…

-2-

ثمّةَ أُناسٌ طيّبونَ ههنا

يغرّدونَ بما أوتوا من الوحيِ، السذاجةِ، الحبِّ الجميلْ

ويندمجون في المشهدْ

ويقاومون…

ويعترفون: الليلُ أجملُ ما فيه أنّ الجوّ باردْ

-3-

مع التغريدِ في صباحٍ أو مساءْ

عصرنة النداءْ

يقولُ الحرفُ أشياءً

ويُخفي

وتُخْتَصَرُ الحكايةُ كالهواءْ

يظلّ الملعبُ الكرويُّ

مدّاً

تُدَحْرِجُهُ الغِوايَةُ في العراءْ…

-4-

مهاجرٌ؛ لاجئٌ من هناك

التقيته صدفة هنا

مررتُ به عابراً في…