محمد عفيف الحسيني في عشائه الأخير.. محطات مختارة (2-3)

 
إبراهيم اليوسف
 
غرفة محمد عفيف  حسيني:
أول ما لفت نظري، عند زيارتي الأولى لمنزل محمد عفيف حسيني، في عامودا، أن غرفته الصغيرة، في الجهة الشمالية الشرقية، من بيتهم الطيني. بالغِ التواضع، كانت جدرانها مزينة بلوحات ونصوص وصور الشعراء من بينهم: محمود درويش- ريتسوس- نيرودا وآخرون، وهو ما ذكرني بغرف قليلة من هذا الصنف. عرفتها، كما غرفة الفنان كانيوار الذي كان عضواً في الفرقة المسرحية التي أسستها في النصف الثاني من السبعينيات.
ورغم بساطة ذلك البيت إلا إنه كان جدّ لافت، ولربما إن مكتبة البيت التي بدأت بالنمو- إلى جانب مكتبة الوالد الشيخ- كانت مدججة بدواوين ومجموعات شعرية وقصصية و روايات ودراسات نقدية، كما مكتبات: إبراهيم محمود- عبدالسلام نعمان- جمعة جمعة- عبداللطيف عبدالله- أمير عبدالكريم التي عرفتها أو سأعرفها، فيما بعد، إلى جانب سواهم، لأؤسس مكتبتي، وأحاول تعليق صور بعض الشعراء في غياب الأب الذي كان يمنع تعليق الصور، إلى أن أشبَّ عن قيود البيت، وإن كنت قد تزوجت للتو، وأسبق هذا الرعيل في زواجي رغم أني أصغرهم.
 
دورة التواصل:
كلما عاد محمد عفيف حسيني من مهجره الاسكندنافي إلى الوطن  فإنه كان يوزع وقته على أصدقائه ومقربيه، في آن، وكانت لأصدقائه في قامشلي حصتهم من بين ذلك الوقت- وأنا واحد منهم- من دون أن ينسى هدايا كل واحد منا، كما يخيل إلي، إذ خصني- في أول زيارة له إلى الوطن- بهدية رمزية جميلة. أتذكر أن هديتي كانت: دفتر ملاحظات في إطار معدني ذهبي اللون، مرفقاً بقلم من معدن الإطار ذاته، بقي الدفتر معي إلى وقت طويل، قبل أن أفقده. أضع فيه جدول ساعاتي التدريسية، ورؤوس أقلام لأجنداتي ومواعدي، رغم أن ذاكرتي كانت تسعفني في الاحتفاظ بالمواعد، من دون تلكؤ.
لم يزر محمد عفيف بلداً إلا وكان يتواصل مع مقرَّبيه وأنا واحد منهم- كما سواي- طالت زيارته أم قصرت. من بين ذلك زياراته للبنان. قبرص. المغرب، وحتى زيارته الأخيرة- ربما- إلى تونس، في بدايات حجر كورونا، إذ ظلَّ هو وصديقي سلام نعمان الذي كان يشاركه الرحلة يتواصلان، على امتداد أسابيع الحجر. ينقل إلي بعض تفاصيل يومياتهما التي ظلَّ يذكرني بها حتى قبل أسابيع:
هكذا كان صديقك!
 
ناقدي الأول/ صحفياً*:
صار محمد عفيف من عداد أصدقاء الأسرة. أصدقائي، وأتذكر، ذات مرة، أنني عدت إلى البيت في العام1986، ليعلمني أخوتي وأبي  وصول مجموعتي الشعرية” للعشق للقبرات والمسافة” التي أرسل نسخها بعض أصدقائي في دمشق، وأن محمد عفيف كان قد زارهم، صحبة جميل داري وآخرين، وأخذ حصة شعراء ومهتمي عامودا، ولأقرأ على الصفحة الثقافية في- جريدة تشرين- بعد حوالي أسبوع، أول مراجعة نقدية للمجموعة. أول قراءة نقدية في عمر تجربتي، كلها، إذ حملت بعض النقد القاسي، ومما أذكره أنه أشار إلى أنني تسرعت في- طباعة مجموعتي-  هذه، وإن سيشير في المقابل إلى جماليات ما فيها، لأظلَّ مديناً له، وإن أثير- آنذاك- نقاش بين الأصدقاء: لقد كان نقده أيضاً متسرعاً، بل إنه أنصفه، إلى ما هنالك من آراء، بينما كنت سعيداً بتلك القراءة التي كسر سقف تقويمها الأعلى عدد من الأصدقاء، في تلك الجريدة ذاتها، أو غيرها، مركزين على ما فيها من نقاط مضيئة، إلى جانب من حرض ضدها، لتكون هناك مقالة أو مقالتين، كنتاج لهذا التحريض، كما كنت أقوم الأمر- آنذاك- وكما أعلمني بعض من وقعوا في الفخ.
محمد عفيف مسؤولاً:
اشتغل محمد عفيف في مجال النشر، إذ أصدر حوالي ستة عشر عدداً من مجلته الفصلية “حجلنامه”، كما عمل في تحرير وإدارة أوائل المواقع الثقافية الإلكترونية: تيريج- جهة الشعر…… ، وكان يتواصل- باستمرار- مع أصدقائه من كتاب ومبدعين، للمشاركة في المنابر التي يشرف عليها، أو يساعد فيها، كما إنه ساهم في إعداد ملفات عديدة في “بريد الشام”، أو” الحركة الشعرية”، للأصوات الكردية، يختار بدقة ما يصله من كتابات، من دون أن يساوم على ذائقته، من خلال جرأته في إبداء رأيه التقويمي، وهو المتمتع بخبرة، وذائقة، وموهبة، ورصيد ثقافي يخوله لهذه المهمة.
 
صاحب الموقف:
في العام2006، عندما تعرَّضت لضغط أمني، وداهمت دورية أمنية منزلي، واقتدت للتحقيق، وظللت أكثر من أسبوعين في دمشق، خاضعاً للتحقيق منذ الصباح وحتى وقت متأخر من الليل. كتبت منظمة داد بياناً، في ذلك، وانهالت عشرات رسائل التضامن. أكثر هذه الرسائل: واحدة من الراحل دانا جلال، والأخرى من محمد عفيف. قال كل منهما: سنقيم المظاهرات أمام السفارات السورية، في أوربا..إلخ، وغير ذلك، ما سجلته لهذين الصديقين، من ضمن جملة رسائل الأصدقاء والمحبين.
 
في مزاج الشاعر “الرائق” الحاد: شاعر لا يشبه أحداً:
رغم سعة دائرة معارف و أصدقاء محمد، إلا إنه كان- انتقائياً- في صداقاته، إذ ثمَّة مجموعة من الأصدقاء الكتاب والفنانين كانوا الأقرب من بين أصدقائه إليه، سواء داخل مدينته، أو في منطقة الجزيرة، أو في البلاد عامة. ظلَّ وفياً للعديد من تلك الصداقات، حتى وإن قدح مزاجه- في سنواته الأخيرة- عن شرارة ردة فعل، فلجأ إلى عقوباته- في  إطار  مضافته الفيسبوكية- نتيجة خلاف ولو عابر، أو حقيقي، إلا إنه سريع التراجع عن ذلك – مع بعضهم- فقد حدث أن اختلفنا حول تقويم بعض الموقعين على بيان تضامني، في العام2017، إذ قال:
أنت تقول إن البيان للكتاب والصحفيين، فكم واحداً من هؤلاء يحمل هاتين الصفتين، بجدارة؟!
هل عندنا كذا “مثقفاً”؟
ثم بالغ في- نزقه- وردة فعله، وراح يواجهني بروح الحرص:
تفرغ لكتاباتك! دع السياسة! دع حقوق الإنسان لسواك! وهو ماقاله- وإن بشكل مخفف- في لقاء تم بيننا في العام2019، وهو آخر لقاء، إذ كان غيوراً على- الشعر- والسرد الرفيع، يدفع للكتابة ضمن إطاريهما، من دون سواهما، بينما أنصرف إلى مجالات عديدة. هاجسي: الدفاع ما استطعت عن المظلوم أنى تأكدت من ذلك!
 
القلب الأبيض:
ما إن علم في العام2019 أنني قد وصلت السويد، للمشاركة في أمسية أدبية، حتى هتف لصديقي الذي استقبلني، توجها إلى بيتي، حالاً، ثم طلب منه أن يحدثني في مكالمته هذه قائلاً: لقد دعوت الأصدقاء أحمد شيخي وإبراهيم زورو و عمر منجو و آخرين، لنسهر الليلة. شكرته، وقلت: مؤكد سأزورك، وباتت مكالماته تتواصل لنوره، ففعلنا ذلك، لنسهر معاً، وكان ذلك، لأودعه، في آخر السهرة، ونظل نتواصل هاتفياً- حتى من دون أن نكون صديقي فيسبوك- يطلب ما أصدره من كتب. يرسل إلي كتبه. يحدثني عن أصدقاء مشتركين سجل عليهم ملاحظاته، من دون أن يتخذ الموقف الحقيقي من بعضهم، حتى وإن حكم على بروفايلاتهم في أقبية سجونه، أو أدغال منافيه، ومن هؤلاء: خليل عبدالقادر الذي كان لما يربطنا من وشائج: محامي دفاعي، في مواجهته، بلا مساومة.
في الأيام الأخيرة، قبل رحيله قال لي:
طلبت مجموعة من نسخ أعمالي الشعرية وسأرسل نسخة منها إلى إبراهيم محمود، فمن يوصلها إليه؟
ليلة من العمر:
جهدت في تلك الليلة ألا أخوض أي نقاش في الأدب والسياسة مع محمد، لأنني أعرف مدى حساسيته، وتشبثه برأيه، واستعاد ملاحظاته التي طالما كان يقولها لي: عليك أن تتفرغ للإبداع، ولم أناقشه إلا في جزئيات بسيطة، لاسيما مع استمرار ساعات السهرة، التي قلنا فيها الكثير:
ها أنت تناقش الصديق أبا هوزان في السياسة!
ثم نضحك، ونودعه، وقد كان يصر أن أنام تلك الليلة، في شقته، بينما كان في انتظارنا بعض الأعمال، في بيت مضيفي الشاعر كيفهات أسعد، على أمل أن نلتقي في ألمانيا، أو السويد، من دون أن يتحقق لنا ذلك.
   
*باعتبار أنه كان هناك نقاد شفاهيون.
 
يتبع……

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…

ماهين شيخاني

ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…

جان دوست
كاتب وروائي

تحظى دمشق الشام كحاضرة مركزية ورمز حضاري وملاذ آمن وأيضاً مكان جميل بمكانة سامية في الوجدان الكردي. وتأتي تلك الأهمية حسب اعتقادي، من أنه كانت أحد حصول صلاح الدين الأيوبي توطيد حكمه وترسيخ بنيانه فيها، فأولاها اهتماماً بالغاً وبنى فيها المدارس والمساجد، وأهتم بأمور الحجاج الذين تمر قوافلهم منها وخاصة قافلة الحج الشامي…