الشاعر لقمان محمود بين لحظات الحياة وبين لحظات الموت

وجدان عبدالعزيز

التجربة الأدبية في عوالم الشعر، تبقى لحظات انفعالية تهز كيان الشاعر من الداخل، وتجعله لايجد سبيلا إلى الصمت، وبهذا يكون الشعر بث انفعالي يمثل احساس الشاعر الحامل لتجربته وتعني التجربة الأدبية أو تجربة الكتابة الأدبية مرحلة ما قبل وجود النّص،. وتشمل:
أولاً: عملية تكون الذات المنتجة للنص، وهذه عملية طويلة تتداخل عوامل كثيرة في إنجازها، ولا تنفك عن التطور طوال حياة تلك الذات.
ثانياً: عملية إنتاج النص، وهذه أيضاً عملية تتداخل عوامل كثيرة في إتمامها، ولا تنفك عن التطور طالما بقيت عملية الإنتاج مستمرة. وتبقى مجال بحث طويل يشمل البواعث النفسية والاجتماعية ، ولكني اقول ومن منطلقات التجربة كتب الشاعر لقمان محمود نصه (عمر أعمى)، وهي قصيدة مقطعية عن الام،
فالأم تحضر في نتاج الشعر الحديث فتطل برمزيتها تارة وتظهر جليةً في نصوص تارة أخرى، وتغيب عن بعض التجارب الحديثة في الشعر أحياناً. وتظل تراوح بين الحضور والغياب إلى أسباب عدة، في مقدمتها التأثير النفسي والتكويني لدورها في حياة الفرد والمجتمع، يقول ادونيس : (الشكل الشعري حركة وتغير : ولادة مستمرة .. الشكل الشعري الحي هو الذي يظل في تشكل دائم)، وبهذا (تشتغل الذات الابداعية عبر انجاز نوعها الفني بتقديم شهادتها الحضارية المعبرة عن موقف اصيل من العصر، وعن فلسفة مكثفة، مركزة، نوعية، تعيد انتاج جوهر الذات والوانها انتاجا ابداعيا. وتتنوع اسلوبيات تقديم الشهادة بتنوع ثقافة الذات وخصوبة مكامنها وعمق خبرتها، اذ كلما اتسعت ثقافتها وتعددت مكامنها وتجذرت خبرتها في الميدان الابداعي، اسهم ذلك في الارتفاع بقيمة الشهادة الى مصاف الشهادات الخالدة التي تفوج الزمن وتترك بصماتها في دوائره ومحطاته.)2، وهكذا تتصاعد انفعالات الشاعر لقمان محمود، وتتزاحم في محراب تذكر الام ، مما دفع به الى النسق المقطعي بعلة (ان النمط المقطعي في القصيدة الجديدة يعتمد في بنيته الاساس على تعدد مراكز الحدث الشعري، او توزع الحدث الرئيس على محاور عدة، او تجسيد حالات كثيرة تختلف في مضامينها وطبيعة تجربتها، لكنها تلتقي بعضها البعض بخيط واحد يكون عادة غير مرئي، وهذا نمط مهم من الانماط المركزية في الشعر الجديد)3، ففي المقطع الرابع يقول الشاعر لقمان محمود :
عمري أعمى
و عصايَ قبرُ أمي.
أستدرجُ أحياناً عطف الحياة
كي تعطيني لحظةً سعيدة
و أحياناً أستدرجُ عطف الموت
كي يُريحني – قليلاً- من حمل الشاهدة.
فهذا التوتر بين لحظات الحياة وبين لحظات الموت .. وهو صراع بين نسبية السعادة والحضور في الحياة، وبين نسبية التعاسة والحزن حين ظهور علامات الغياب الابدي، فهل يقف الانسان متوسلا الموت؟، فما كنه الموت وما كنه الحياة؟، فـ(ان معاناة الانسان لاتنبع من كون العالم سلسلة الغاز واسرار، بل لكونه انسانا في المرتبة الاولى ولكونه ثانيا يعي ويفهم ويعقل، بين كل كائنات الارض، وحده يعاني اذ وحده يفهم ويعقل، ثم امده العقل بالعلم والثقافة في بحر لا ينتهي لكن ذلك لم يقربه من الشاطيء، لم تُذهب شكوكه ولم تبلغ به اليقين والسعادة الحقة)4، ولهذا يزداد صراعه المتوتر في المقطعين الخامس والسادس وصراعه مع الملكين اللذين يدونان ما يقترفه من ذنوب، يقول لقمان محمود :
 (5)
كلَّما مررتُ أمام جامع
كان يقول الطفل الذي فيَّ:
المآذن ظلّ الله منتصبةٌ.
و الآن كلّما مررتُ أمام جامع
أقولُ: المآذن ألسنةٌ
تغش الله في الإرسال.
(6)
بشكلٍ دائم
أُحسُّ بألمٍ في كتفي
من إقتتال الملكين
و هما يحاولان
تأدية الواجب.
هذا الامر الذي يكاد يسلم به الشاعر لقمان يستدركه بالقول 🙁 إلهي/أعنِّي قليلاً/لأقولَ لفمي:/صحيحٌ لديَّ لسانٌ واحد/و لكن جميع آذان الله/ستستقبلُ توّسّلاتي.)، وهنا رغم انه يعيش لحظات شعرية لاواعية، الا انه يستحضر الوعي ولاينزلق نحو عبارات التطرف والتشكك، انما يبقى مفعما بالايمان والوجود .. يقول هيدجر: “الوجود سؤال، لكنه ليس من الموجود في شيء”، فالشعر ينحو منحى تأويليا فائضا، فحب الحكمة ليس إلا قراءة لا متناهية لوجود لا متناه، ومن ثم يغدو فهم العالم سبيلا لتجريب كينونة المتخيل، هذا التجريب الذي يبدأ من تكسير حدود الواقع الحسي والواقع المعقول أيضا ليلج اختبار الاستحالة. وكما يرى جورج باتاي، فالإمكانية العقلية ليست هي البعد الوحيد لوجودنا، فقد يتاح لنا أن نعيش كل حدث يخصنا في علاقة مزدوجة، مرة نعيشه كشيء نفهمه، ندركه، نتحمله، ونسيطر عليه بربطه في النهاية بقيمة الوحدة، مرة أخرى نعيشه كشيء يخفى عن كل استعمال، وعن كل غاية بل يفلت من قدرتنا على تجربته، لكننا لا نستطيع نحن أن نفلت من تجربته. كما لو أن الاستحالة – تلك التي فيها لا يعود بإمكاننا أن نتمكن منها – كانت تنتظرنا وراء كل ما نعيشه ونفكر فيه ونقوله” وهكذا يظل الشاعر لقمان محمود يعيش صراع الوجود واللاوجود وهو يستحضر قضية موت والدته، وتبقى اشعاره مثار اسئلة كثيرة وتحتاج لأكثر من قراءة …
1- الصمت الذي لا يتوقف عن الكلام، دار آبيك للطباعة والنشر، السويد 2022، قصيدة “عمرٌ أعمى”، الصفحة 121.
2ـ كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الاردن الطبعة الاولى 2013 م ص58
3ـ كتاب (عضوية الأداة الشعرية) أ.د.محمد صابر عبيد سلسلة كتاب جريدة الصباح الثقافي رقم 14 2008م ص33
4ـ كتاب (في الأدب الفلسفي) / الدكتور محمد شفيق شيّا / مؤسسة نوفل ـ بيروت ـ لبنان ط1لسنة 1980 ص178

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…