قراءة في رواية (جرس إنذار) لإبراهيم اليوسف

عبدال خان تلداري 

الحروب التي عاشتها البشرية كثيرة تكاد لا تُحصى، ومنذ بدء الخليقة وبنو البشر لا يزالون يقاتلون بعضهم بعضاً.
بنو البشر يقتلون كلّ شيءٍ.  
يقتلون الإنسان، الحيوان، الطبيعة.  والبعض قاتلَ ولا يزال يحارب حتّى الآلهة. الحرب العالمية الأولى والثانية افتعلها بعض البشر. حروب الأوبئة، الطبيعة، الحيوان. افتعلها البشر وكلّ حربٍ تخلّف وراءها  دماراً هائلاً، يتقلّص عدد سكان الأرض. البنية التحتية تنهار في العديد من الدول.  ينهار الاقتصاد، و يزداد الفقر.  تنتشر الأوبئة، وما أن تنتهي حرب شهوة السلطة، امتلاك الجغرافيا، المساحات، امتلاك البشر، حتّى يبدأ بعضهم حربهم عبر عالم الأوبئة . 
من هنا جاءت رواية” جرس إنذار” لتسرد لنا أحداثاً من حرب الإنسان مع الأوبئة، والتي يسمّيها الكاتب: الحرب الكونية مع وباء كوفيد 19
” جرس إنذار ” تحت المجهر
جاءت رواية جرس إنذار لإبراهيم اليوسف والصادرة عن دار أروقة  للطباعة والنشر- القاهرة،في 340 صفحة من القطع الوسط؛ ليسرد فيها الكاتب أحداثاً عاناها في ظلّ وباء كورونا (كوفيد 19) ، حيث يعيش وأسرته في إحدى العمارات في حيٍّ من أحياء مدينة ألمانيّة .
ما أن يصل السوري إلى إحدى الدول الأوربيّة حتّى يظنّ أنّه قد نجا من الموت إلى الأبد، وأنّه سيعيش أبداً بعد أن ضاق به العيش في وطنه. الحرب الدائرة في سوريا وعلى امتداد عشرة أعوام. مشاهد القتل، الدمار، التشرّد، حالات الخطف، الاغتصاب، كلّها وصمات عار في جبين الإنسانية، وكلّها كفيلة بأن تؤثّر على الحالة النفسية للسوري، حتّى يظنّ بأنّه وبمجرد خروجه من ذلك الجحيم سيعيش أبداً.  
كلّ العيون على الصين، وخاصّة مدينة ووهان تحديداً، حيث انتشر الفيروس لأول مرة، إلّا إنّ الأحداث تتطوّر سريعاً ليجد الكاتب نفسه وأسرته محاصرين من قبل الفايروس، وأنّ هذا الفايروس قد وصل العمارة التي يسكنها هو وأسرته، موزعين على شقق عدة، في طوابقها السبعة،  وأنّ إحدى كنائنه قد التقطت الفايروس من طبيب أسنان. كنته وابنه اللذان عاشا قصّة حبٍّ في زمن الحرب. وهذه رسالة للعالم بأنّنا نصنع الحياة حتّى في الحروب، وبعكس مقولة: ” الحروب لا تصنع الحياة ” الدارجة، فنحن لم نصنع الحرب، إلّا أنّنا قادرون على صنع الحياة .
 العمارة (رقم 19) حيث شاءت الأقدار أن تذكر برقم فيروس كوفيد ذاته – الرقم 19-  لتتشكّل لديه حالة رعب جداً كبيرة! كيف لا والعالم بأسره عاجزٌ أمام هذا الكائن الصغير. حتّى ترامب ورغم عنجهيّتهِ بات  عاجزاً ومرتبكاً أمام هذا الكائن.  الفايروس يفتكّ بالدول. المستشفيات مكتظّة، لا أسرّة كافية. أجهزة الأوكسجين غير كافية. ألمانيا باتت تستقبل المرضى من إيطاليا. وجود مصحّة بجانب كلّ عمارة، كل بيت، بات أمراً ملحّاً من وجهة نظر الكاتب.
حرصه الشديد لدرجة المبالغة على الالتزام بشروط الوقاية الصحية يعرضه أحياناً كثيرة للسّخرية من قبل أفراد أسرته، ويعرضه أحياناً أخرى لنفور بعض الأصدقاء منه، والابتعاد عن صفحته الفيسبوكية؛ لكثرة ما ينشر فيها من  النصائح والإرشادات، و نعوات الموت، وأجواء الرعب. ما يجعله يبدو جباناً أمام هذا الكويئن الصغير، اللامرئي،في نظر الآخرين. إلّا إنني أجده جندياً في أحد الجبهات في هذه الحرب، إذ لكلٍّ دور ومهمّة تُوكَّل إليه:
  الأطباء، الممرضون، الممرّضات في الخطوط الأمامية في هذه الحرب،
العلماء يعملون على إيجاد لقاح، عمال النظافة يعملون بكدّ، الأمن، رؤساء دول….إلخ. الكلّ يقوم بمهتمه في هذه الحرب. إذاً فهو يقوم بأداء دوره عندما يتقيّد بإجراءات السلامة، وهذا  نتاج حرص منه على أن يؤدّي دوراً إنسانيّاً، وهو ليس جبناً . 
تأثّره الكبير بجاره الألماني (اليكسي) والذي يأخذ حيّزاً كبيراً من أحداث الرواية، يُظهر لنا الكاتب من خلال ذلك الجانب المشرق للرجل الألماني أو الغربي ككل؛ ليضعنا أمام مقارنة بين عالمين” الشرق والغرب”، فجارته الإيرانية لا تسلم على العائلات الكردية الموجودة في العمارة، و كذلك جارته اللبنانية التي قد تجد في نفسها أنها أعلى شأناً منهم؛ لأنها الأقدم، أو لربّما تأثرت بالإعلام، لتنفر من كل سوري، وهنا فهو يضعنا أمام مفارقات تباين الثقافات .
بعض التكرار في الرواية مملّ ،لا داع له، وبعضه ضرورة. والكاتب هنا يلجأ لبعض التكرار أحياناً، وقد يكون ذلك لغرض ربط فصول البدايات والتي بدت لي مبعثرةً بعض الشيء .
يستحضر الروائي شخصية ” آلا ” صديقة الطفولة والدراسة؛ ليسرد لنا جانباً من حياته أيام الطفولة والشباب، وليظهر للعالم جانباً من معاناة الكرد في الأجزاء المحتلة لأرضه، إذ لا شيء يشفع لك لكونك كردي القومية. لا اعتناقك الإسلام وحفظك للقرآن، لا صلاتك، لا صيامك. ولا حتّى جدّك صلاح الدين – محرر القدس – قادرٌ على أن يشفع لك. فأنت بنظرهم معتنق للإسلام بحد السيف وهذا ما حدث مع ” آلا ” .
ويستحضر الروائي كذلك شخصية”مهابات” الكردية الدمشقية حينما يدغدغ حنين الياسمين ذاكرته؛ ليبعث من خلالها أيضاً رسائل عديدة للعالم. مهابات ابنة الأسرة الكردية الدمشقيّة والتي خسرت الكثير في هذه الحرب .
أحداث كثيرة ورسائل كثيرة في هذا العمل الروائي لن أفسد على القارىء الكريم متعة القراءة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…

فواز عبدي

في شقة صغيرة في مدينة دورتموند، جلس دارا أمام شاشة الكومبيوتر يتصفح أرشيفاً رقمياً عن معرض دمشق الدولي. لم يكن يبحث عن شيء محدد. فقط كانت لديه رغبة عارمة في أن يربط بين ذاكرته الممزقة وبلدٍ لم يعد يعرفه إلا من صور باهتة وأخبار تأتي من بعيد محمّلة دائماً برائحة من آثار الحروب، وأحاديث…

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…