حَنَان تُلَمِّعُ الْأَحْذِيَة؟

  آمال عوّاد رضوان

      مَا أَنْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاهَا الْيَقِظَتَانِ سَوَادَ حِذَائِهِ اللَّامِعِ، حَتَّى غَمَرَتْهَا مَوْجَةُ ذِكْرَيَاتٍ هَادِرَة، اقْتَحَمَتْ سُكَونَهَا، جَرَفَتْ خَيَالَهَا إِلَى الْبَعِيدِ، وَ..
       كَرَّتْ خَرَزَاتُ الْأَيَّامِ وَالْأَعْوَامِ السَّالِفَةِ، وَحَامَتِ الْأَفْكَارُ فِي سِنِيهَا الْخَوَالِي الْجَمِيلَةِ الْمَا تَلَاشَتْ، تُفْضِي بِهَا إِلَى جِرَارِ طُفُولَتِهَا الْتَلَذُّ لِرُوحِهَا، وَتُسْعِدُ قَلْبَهَا. 
       وَمَا لَبِثَتْ حَنَان تَلْهَجُ بِمَآثِرِهَا الْحَمِيدَةِ، بِحَنِينِ طِفْلَةٍ تَفَرَّدَتْ بِمَحَبَّةِ الْأُسْرَةِ، وَبِمَوَاهِبَ وَمَزَايَا عَالِيَةٍ.. 
        جَعَلَتْ تَفْتَحُ بِأَصَابِعِهَا الطُّفُولِيَّةِ جُعْبَتَهَا الْحَافِلَةَ بِالذِّكْرَيَاتِ، وَمَا أَعْيَتْهَا ذَاكِرَتُهَا الشَّمْعِيَّةُ الرَّهِيفَةُ.. 
        أَخَذَتْ تَسْبُرُهَا بِعَشْوَائِيَّةٍ، تُقَلِّبُهَا، تَنْقُشُ أَحْدَاثَهَا الْمَا عَرَفَتْ لِينَ الْعَيْشِ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا، لكِنَّ وَالِدَهَا كَانَ عَطُوفًا، يَرِقُّ لَهَا، يُغْضِرُ عَلَيْهَا حَنَانَهُ وَيُغْدِقُهُ..
    وَبِكُلِّ أَسًى.. 
     أَلْفَتْ نَفْسَهَا عَاجِزَةً عَنْ مُغَالَبَةِ حُلُمِهَا فِي الثَّرَاءِ.. 
      كَمْ كَانَ يَحْدُوهَا الْأَمَلُ وَالرَّجَاءُ.. 
       كَمْ كَانَتْ تُمَنِّي نَفَسَهَا بِالْفَوْزِ وَلَوْ بِبَعْضِ قُرُوشٍ.. وَكَم وَكَم..
    ويَهُزُّهَا صَوْتُ أُمِّهَا مِنَ الْمَاضِي السَّحِيقِ الْبَعِيدِ يُغَنِّي الدّلْعُونَا:
الشّايب ما ألوشُه الشّايب ما ألـــــــوشُه 
لــــو حطــّـــــــــولي الدّهب مَـــــــــلاة طربـــــوشُـــــــه
يـــلــــــــــعــن الشــــّــــايب ويلــــــــعـــــــــــــــــن قروشُـــــــــــــــه 
شـــــــــــــــوفــــــة حبــــــيــــــــــبي تســــــوى مليـــــــــــــونـــــا
     لكِنَّ حَنَان عَنِيدَةٌ، لَمْ تَنْطَوِ عَلَى أَحْلَامِهَا الْغَافِيَةِ، وَلَمْ يَكُفَّ رَجَاؤُهَا، فَهَل تَعْجَزُ عَنْ كَسْبِ بَعْضَ قُرُوشٍ تَلْمَعُ، وَهِيَ ذَاتُ بَدِيهَةٍ حَاضِرَةٍ وَسَرِيعَةٍ؟
      فَجْأَةً انْدَاحَتْ فِي خَاطِرِهَا فِكْرَةٌ طَارِئَةٌ، فَانْفَرَجَتْ أَسَارِيرُهَا، وَهَتَفَتْ فِي نَفْسِهَا:
– “نَعَم هُوَ..  هُوَ وَلَا غَيْرُهُ.. إِنَّهُ كَامِلُ الْأَهْلِيَّةِ.. 
نَعَم.. هُوَ.. بِقَوَامِهِ الرَّشِيقِ.. بِثِيَابِهِ الْأَنِيقَةِ.. 
بِوَجْهِهِ الْوَسِيمِ الْمُشْرِقِ، يَتَأَلَّقُ بِشْرًا، وَيَفِيضُ حَيَوِيَّةً.. 
هُوَ .. بِابْتِسَامَتِهِ الرَّقِيقَةِ الْجَذَّابَةِ الْتَتَلَاعَبُ عَلَى شَفَتَيْهِ..
فَرْخُ شَابٍّ هُوَ، يَبْحَثُ عَنْ رِيشٍ، حُلْوُ الْحَدِيثِ وَالتَّغْرِيدِ..
نَعَم.. هُوَ .. وَقَد دَخَلَ فِي فُرْنِ الْمُرَاهَقَةِ..
 يَااااه.. كَمْ يَرُوقُ لِي..”
      وَباكِرًا جِدًّا فِي سَاعَاتِ السَّحَرِ وَالْفَجْرِ، يَرْكَبُ أَشْرَف بَحْرَ عَكَّا مَعَ الصَّيَّادِينَ، يُجَدِّفُونَ بِالْقَوَارِبِ، يُلْقُونَ الشِّبَاكَ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ، يُلَازِمُهُمُ الْحَظُّ الْغَائِم، وَفَوْقَ الْأَزْرَقِ الْمُمْتَدِّ يَنْتَظِرُونَ الرِّزَقَ الْعَائِم، يَسْحَبُونَ الشِّبَاكَ، يَجْمَعُونَ مَا يُصِيبُونَهُ مِنْ صَيْدٍ، يَشُقُّونَ بُطُونَ الْأَسْمَاكِ، وَيَضَعُونَهَا فَوْقَ أَلْوَاحٍ خَشَبِيَّةٍ، مِنْ تَحْتِهَا قَوَالِبُ ثَلْجِيَّةٍ.. وَ…
        فِي الْبَحْرِ يَتَزَيَّا أَشْرَف بِزِيٍّ بَحْرِيٍّ وَمَلَابِسَ فَضْفَاضَة، تُعِينُهُ لِيَكْسِبَ مِنْ نِعَمِ اللهِ الْفَضْفَاضَة، وَقَدْ بَانَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ. وَيَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ، يَحْمِلُ لِأُمِّهِ سَمَكًا، وَالْحَمَّامُ السَّاخِنُ يَنْتَظِرُهُ، فَيَغْتَسِلُ.. يَسْتَحِمُّ، وَيَرْتَدِي ثِيَابًا أَنِيقَةً وَيَتَعَطَّرُ.. 
   قَالَتْ حَنَان فِي نَفْسِهَا:
– “أَنَا لَا أُرِيدُ سِوى نُقْطَةٍ مِنْ بَحْرٍ.. 
للهِ دَرّكَ يَا بَحُرُ، وَمَا أَطْلَعَ مِنْ خَيْرِكَ وَكُنُوزِكَ.”
    جَلَسَ أَشْرَف فِي الشُّرْفَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى بَحْرِ عَكَّا، وَطَفِقَ كَعَاشِقٍ سَاهِمًا سَارِحًا، يُصْغِي إِلَى ثَرْثَرَةِ الْأَمْوَاجِ، يُحَدِّقُ بِهَا تَتَدَحْرَجُ، تَتَضَاحَكُ، مَدُّهَا يُرَاقِصُ جَزْرَهَا، وَالرِّيَاحُ تُلَاعِبُهُمَا لَعْبَةَ الْقِطِّ وَالْفَأْرِ..
      تَوَارَتْ حَنَان عَنْهُ، وَانْزَوَتْ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُ، تُرَاقِبُهُ، وَتُنْصِتُ إِلَى حَفِيفِ صَمْتِهِ.. 
           فَكَّرَتْ وَفَكَّرَتْ:
         “كَيْفَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَرْشِيه، وَ(الْعِين بَصِيرَة، وَالإيد قَصِيرة)”؟
        فَجْأَةً، غَاصَ أَشْرَف فِي صَوْتِهِ يُدَنْدِنُ، فَرَقَصَ قَلْبُهَا هَامِسًا:
– اجت والله جابها..
         نَعَم، أَتَتْ وَمِنْ حَيْثُ لَا تَدْرِي.. وَاتَتْهَا الْفُرْصَةُ عَلَى رِجْلَيْهَا، فَاغْتَنَمَتْهَا عَلَى عَجَلٍ وَمَجَّانًا..
       جَلَسَتْ بِقُرْبِهِ فَرِحَةً، تُشَارِكُهُ هَدِيرَ الْبَحْرِ فِي انْسِجَامٍ وَتَنَاغُمٍ، وَتُضْفِي عَلَى صَوْتِهِ الْعَذْبِ جَلَالًا: 
هَدِّي يَا بَحر هَدِّي/ طَـــــــــــوَّلْـــــــــــنـــــــا فـــي غــــيــــــــــبــــــــــــتـــــــــنا
ودّي سلامــــــــي ودّي/  للأرض اللّـــــــــــــــــــي ربــّـــــــــتـْــــــــــــــنـــــــــــــــا
سلّم لي على الزيتونِة/ وع أهــــــــــلــــــي اللّــي ربّـــــــــونـــــــي
وْبَعْدْا إِمّي الحنونِة/ بتـْــشَمْــــــــــشم بـــــــــــمْــــخـــــدِّتْــــــنا
سلِّمْ سلِّمْ عَ بلادي/ تــربـــــة بَــــــــــيــــــّــــي وأجـــــْــــــــدادي
وبَعْدو العصفور الشّادي/  بِغَـــــرّد لعَوْدِتْــــــــــــــــــــنا
خُدي سلامي يا نْجوم/  على البيـــادر والكروم
وْبَعْدا الفراشه بِتْحُوم/  عمْ تِستنْظِر عَوْدِتْنا
    ثُمَّ سَأَلَتْهُ بِتَهَيُّبٍ وَتَوَدُّدٍ ذَكِيٍّ:
– “هَلْ يُغَطِّي الزَّمَّارُ الْمَلْهُوفُ ذَقْنَهُ، حِينَ يَتَكَسَّبَ الْمَالَ”؟
    أَجَابَ ضَاحِكًا مُسْتَهْجِنًا: 
– طَبْعًا لَا يَجُوزُ.
– أَشْرَف، حِذَاؤُكَ جَمِيلٌ، وَأَرْغَبُ فِي تَلْمِيعِهِ..
                هَل تَسْمَحُ لِي؟
  أَجَابَهَا بِسُرُورٍ دُونَ تَرَدُّدٍ: 
– يُسْعِدُنِي.. لَيْتَكِ تَفْعَلِينَ..
– وَكَمْ تُعْطِينِي؟
   فَاجَأَهُ سُؤَالُهَا الْمُبَاغِتُ، فَكَّرَ بِتَأَنٍّ، وَابْتَغَى أَنْ يُدْخِلَ السُّرُورَ إِلَى قَلْبِهَا، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةِ رَجُلٍ وَاثِقَةٍ:
– أُعْطِيكِ مَا فِي جَيْبِي مِنْ عِمْلَةٍ مَعْدَنِيَّةٍ (فْرَاطَة)..
– وَهَلْ تَبِرُّ بِوَعْدِكَ؟
– أَكِيد.. وَدُونَ شَكٍّ..
  انْفَرَجَتْ أَسَارِيرُ حَنَان، وَتَوَهَّجَ قَلْبُهَا الْمَحْرُومُ غِبْطَةً، بَعْدَ فَتْرَةِ حِرْمَانٍ وَفَقْرٍ وَفَاقَةٍ..
    انْتَعَشَ أَمَلُهَا الْمَقْرُورُ مُسْتَدْفِئًا وَغَنَّى، إِذْ هَبَطَتْ عَلَيْهِ ثَرْوَةٌ، تُعَمِّرُ مِنْ لَحْظَاتِ طُفُولَتِهَا الشَّقِيَّةِ قَصْرًا وَدُمًى وَحَلْوًى. 
 تَرَنَّحَ الْفَرَحُ بَيْنَ جَوَانِحِهَا وَفِي جُيُوبِهَا الْفَارِغَةِ، فَبَدَتْ أَكْثَرَ انْشِرَاحًا، غَدَتْ مَسْحُورَةً تَتَدَفَّقُ حَرَارَةً، تَرْكُضُ، تُهَرْوِلُ،  كَفَرَاشَةٍ تَطِيرُ، تُحْضِرُ عُلْبَةَ الدِّهَانِ (الْكِيوِي) وَالْفُرْشَاةِ..
     تَرَبَّعَتْ عَلَى الْأَرْضِ تَحْتَضِنُ الْحِذَاءَ، تَدْهَنُهُ بِلَهْفَةٍ ، تَدْعَكُهُ بِحَنَانٍ، تُلَمِّعُهُ بِخِرْقَةِ قِمَاشٍ قُطْنِيَّةٍ، وَيَفُوحُ صَوْتُهَا يُغَرِّدُ بَعْدَ دَقَائِق:
– حِذَاؤُكَ صَارَ يَبْرُقُ بَرْقًا.. يَلْمَعُ لَمَعَانًا..  صَارَ يَلِضُّ لَضًّا..
يُمَازِحُهَا أَشرَف مُدَاعِبًا:
– تمَاري فِيهِ، وَإِذَا شُفْتِ صُورتك أَدْفَع لَك..
       ثُمَّ يُكَافِئُهَا باشًّا مُلَاطِفًا، وَيَضَعُ فِي كَفِّهَا حَفْنَةً مِنَ الْقُرُوشِ وَالتَّعَارِيفِ وَالشُّلُونِ، فَتَطِيبُ نَفْسُهَا بِهَا، وَيُشْرِقُ وَجْهُهَا لَهَا.. 
             تَلْمِيعُ أَحْذِيَةٍ؟
      نَعَم، هِيَ مُهِمَّتُهَا الْيَوْمِيَّةُ الْجَدِيدَةُ الرَّسْمِيَّةُ، دُونَ حَرَجٍ أَوْ رَشْوَةٍ، تُلَمِّعُ الْحِذَاءَ، وَتَلْمَعُ الْقُرُوشُ فِي جَيْبِهَا.. 
       وَمَا أَسْعَدَهَا بِمُهِمَّتِهَا وَعَمَلِهَا الْجَدِيدِ! 
       وَمَا أَهْنَاهَا بِقُرُوشِهَا وَشُلُونِهَا..
     لكِنْ؛ ذَاتَ مَوْجَةٍ نَزِقَةٍ.. لَمَعَ الْحِذَاءُ، وَمَا لَمَعَتْ جَيْبُهَا بِالْقُرُوشِ، بَلْ قَدَحَتْ عَيْنَاهَا شَرَرًا، اتَّقَدَتَا نَارًا، وَاشْتَعَلَتَا  لَهَبًا حَارِقًا، حِينَ نَغَّصَ أَشْرَف بَالَهَا، وَعَكَّرَ صَفْوَهَا قَائِلًا:
– لِلْأَسَف، الْيوم جيوبي فَارغَة مِنَ الْفراطة والفرايط..
    فَغَرَتْ حَنَان فَمَهَا عَلَى مِصْرَاعِهِ فِي حَالَةِ دَهْشَةٍ عَمِيقَةٍ، مَطَّتْ شَفَتَيْهَا حَنَقًا، وَرَمَتْهُ بِنَظْرَةٍ بُرْكَانِيَّةٍ خَامِدَةٍ مُسْتَفْسِرَةٍ:
“هَل تَتَمَرَّدُ وَتَغْضَبُ؟ 
هَل تَضْرِبُ صَفْحًا عَنْ عِصْيَانِهِ وَتَسْكُتُ؟”
      كَانَ أَشْرَف يَقِفُ عَلَى قَيْدِ خُطْوَةٍ مِنْهَا، فَلَمْ يَكُفَّ عَنِ الاسْتِمْرَارِ فِي إِثَارَتِهَا، بَلِ اسْتَرْسَلَ فِي اسْتِفْزَازِهَا، يُجَارِيهَا فِي لُعْــــبَةِ التَّوْتِيرِ وَشَدِّ الْأَعْصَابِ قَائِلًا:
– إِنْ كُنْتِ لَا تُصَدِّقِينَ، مُدِّي يَدَكِ إِلَى جُيُوبِي وَافْحَصِيهَا.
هَيَّا..  تَأَكَّدِي بِنَفْسِكِ..
     وَدُونَ تَرَدُّدٍ مَدَّتْ حَنَان يَدَهَا إِلَى جَيْبِهِ الْأُولَى، بَحَثَتْ وَبَحَثَتْ، وَانْتَقَلَتْ إِلَى جَيْبِهِ الْأُخْرَى، قَلَّبَتْ شَقْلَبَتْ بَحْبَشَتْ، لكِنْ خَابَتْ مَسَاعِيهَا، ولَمْ تَجِدْ مُنَاهَا وَمُبْتَغَاهَا..
   بِكَامِلِ خِذْلَانِهَا وَذُلِّهَا كَانْتْ، فِي حَالَةٍ أَدْعَى إِلَى الْيَأْسِ وَالْخَيْبَةِ الْمَرِيرَةِ، لكِنْ، كَانَ يَنْقُرُ أَبْوَابَ أَعْمَاقِهَا هَاتِفٌ نمْرُودٌ عَاصٍ يَهْمِسُ بِاللَّامُسْتَحِيلِ..
    تَجَهَّمَتْ أَسَارِيرُهَا، وَجَمَ وَجْهُهَا، وَنَمَّ عَنْ سُخْطٍ وَتَبَرُّمٍ، فَانْتَزَعَتْ يَدَهَا مِنْ جَيْبِهِ غَاضِبَةً ثَائِرَةً.. 
   وَكَمَا الْبَحْرُ يُبَطِّنُهُ هُدُوءٌ وَحْشِيٌّ، أَفْلَتُ الزِّمَامُ، عَجَّ هَدِيرُ صَوْتِهَا وَضَجَّ، وصَارَتْ تَشُطُّ وَتَنُطُّ صَارِخَةً: 
– وَلكِن بَيْنَنَا اتِّفَاقِيَّة .. هَل نَسِيتَ؟
إِسَّا إِسَّا بدّي القروش.. هذا حقّي.. هذا حقّي..
   وَقَفَ أَشْرَف مَذْهُولًا، تَعَاظَمَتْهُ الْحَيْرَةُ، أَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ هُنَيْهَةً، وَطَفِقَ يَتَخَيَّرُ كَلِمَاتٍ لِتَهْدِئَتِهَا..
     لكِنْ كَيْفَ، وَقَد أَلمَّتْ بِهَا نَوْبَةُ بُكَاءٍ حَارَّةٌ، فَخَرَجَتْ عَاصِفَةً تَجْرِي، وَتَوَارَتْ عَنْ نَظَرِهِ..
    هَمَّ بِاللِّحَاقِ بِهَا، فَمَا أَدْرَكَهَا، وَتَوَقَّفَ مُسْتَغْرِبًا مَا يَحْدُثُ عَلَى غَيْرِ تَوَقُّعِهِ، وَ..
     آثَرَ الَّصَمْتَ.. إِيثَارًا لِلسَّلَامَةِ وَالْمُسَالَمَةِ..
     وَمَا هِيَ إِلَّا هُنَيْهَات، وَإِذَا بِها تَعُودُ زَوْبَعَةً صَاخِبَةً تُزَمْجِرُ وَتُهَدِّدُ..
          تَوَقَّفَتْ أَقْدَامُهَا .. وَمَا تَوَقَّفَ إِقْدَامُهَا..
    وَنِكَايَةً وَتَشَفِّيًا بِهِ، رَفَعَتْ يَدَهَا الْمُلَطَّخَةً بِالْوَحْلِ فِي وَجْهِهِ، أَمْسَكَتِ الْحِذَاءَ اللَّامِعَ بِيَدِهَا النَّظيفَةِ، وَصَرَخَتْ بأعلى صوتها:
– وشَرَفِي وشَرَفَك.. 
أَمَرْمِغ كُنْدَرْتَك بِالْوَحْل، أَو تعطِينِي القرُوش؟ 
     هَرْوَلَ أَشْرَف صَوْبَهَا، وَظَلَّ مَالِكًا أَعْصَابَهُ وَصَوَابَهُ، هُوَ السَّمِحُ الْمُتَسَاهِلُ، هُوَ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ أَمْسَكَ بِيَدَيْهَا، وَبِنَظْرَةٍ عَامِرَةٍ بِالْحَنَانِ انْفَجَرَ ضَاحِكًا:
– أُخْتِي الْحَبِيبَة..
هَدِّئِي رَوْعَكِ، سَكِّنِي جَأْشَكِ وَأَنْصِتِي ِلي..
الْقُرُوش مَعِي، أَفْرَغْتُ جُيُوبِي مِنْهَا لِأَمْتَحِنَكِ..
 وَقَدْ نَجَحْتِ بِامْتِيَاز..
أُخْتِي الْحَبِيبَة.. صَدِّقيني
هُوَ مَقْلَبٌ مِنْ مَقَالِبِ الْحُقُوقِ..  
وَأَنْتِ مَا كُنْتِ مِثْلَمَا قَالَ الْمَاغُوط:
“أَعْطُونَا الْأَحْذِيَةَ وَأَخَذُوا الطُّرُقَاتِ” 
     ثُمّ.. دَسَّ الْقُرُوشَ فِي يَدِ حَنَان، وَأَطْبَقَ عَلَيْهَا يَدَهَا بِيَدَيْهِ..
   وَأَخَذَ يَعْتَذِرُ لَهَا وَيَسْتَسْمِحُهَا..
    لكنَّ حَنَان الطِّفْلَةَ الْوَدِيعَةَ استحالتْ لَبُؤَةً جَرِيحَةً؛ 
   انْدَلَعَتْ ثَوْرَةُ إِعْصَارِهَا ومَا سَكَنَتْ..
     بَـــلَـــغَــــــتِ الْــــــــقِــــــــــمَّـــــــةَ..
    وبِغُلِّهَا ومِنْ أَعْمَاقِ جُرْحِهَا..
    بِمِلْءِ فِيهَا وَبِكُلِّ مَا فِيهَا…
     زَأَرَتْ زَئِيرًا مُدَوِّيًا:
– “أَعْطُونَا الطُّفُولَة؟ 
“أَعْطُونَا الثُّوَّار؟
 أَخَذُوا الثَّوْرَة؟” 
 حَنَان الطِّفْلَةُ الْوَدِيعَةُ ثَارَتْ عَزِيمَتُهَا، وَثَارَتْ قَبْضَتُهَا الصَّغِيرَةُ، تَتَحَدَّى الْقُرُوشَ الْكَبِيرَةَ، وَتَثْأَرُ لِكِبْرِيَائِهَا..
 رَمَتِ الْقُرُوشَ بِعَزْمٍ، قَذَفَتْهَا بحُرْقَةٍ، فَانْتَعَفَتْ فِي أَرْجَاءِ الْغُرْفَةِ وانْتَثَرَتْ فِي زَوَايَاهَا، وَصَفَقَتْ تَرْتَطِمُ، وَكَالْقَذَائِفُ تُدَوِّي بَيْنَ الْجُدْرَانِ وَالْأَرْكَانِ، تَتَعَثَّرُ وَتَتَبَعْثَرُ.. 
    حَنَان الطِّفْلَةُ الْوَدِيعَةُ ثَارَتْ عَزِيمَتُهَا، ثَارَتْ قَبْضَتُهَا الصَّغِيرَةُ، وَ..
      قَذَفَتْ عَنْهَا زَبَدَ خُنُوعِهَا وَقُنُوطِهَا..
    وَمِنْ يَوْمِهَا.. 
         فَرَطَ الِاتِّفَاقُ.. وَانْفَرَطَ الْوِفَاقُ..
    مِنْ يَوْمِهَا.. 
            فَرَطَ وَعْدُ مَسْحِ الْأَحْذِيَةِ، وَعَهْدُ تَلْمِيعِهَا، وَمَجْدُ تَقْبِيلِهَا.. 
   وَمِنْ يَوْمِهَا.. 
انْتَهَى عَهْدُ الْكُرُوشِ وَالْقُرُوشِ، وَزَالَ وَعْدُ الْفَرَافِيطِ والْفرَاطَة..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خاص ولاتي مه

أطلق الشاعر والكاتب الكوردي السوري، إدريس سالم، مجموعته الشعرية الجديدة التي حملت عنوان «الحزن وباء عالميّ»، والصادر عن دار «نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب»، في هولندا.

وتتناول المجموعة مشاهد الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا في السادس من شباط 2023م، وما رافقه من رعب ودمار، من خلال قصائد مؤثّرة، تشكّل تاريخاً شعرياً لواحدة من أكثر…

صبحي دقوري

 

إنّ الوعي بطبيعة العلم وتاريخ تشكّل المعرفة العلمية، والإلمام بالمناهج الإبستمولوجية وشروط إنتاج النظريات وقبولها، يفضي إلى إدراك تمايز بنيوي حاسم بين الثقافة بوصفها نسقًا رمزيًا تراكميًا يتشكّل تاريخيًا عبر آليات التوارث الاجتماعي، وبين العلم باعتباره ممارسة معرفية مشروطة بالتحقق والاختبار وقابلية التفنيد. وقد بيّن غاستون باشلار أنّ التقدّم العلمي لا يتحقق…

فراس حج محمد

 

ما يغني عن المقدّمة

في كلّ مقالة تنشر حول القراءة، وفي احتفاليّات معارض الكتب الوطنيّة والدّوليّة، ثمّة أسئلة تثار في كلّ مرّة حول جدوى القراءة وفاعليّتها، تعيد التّفكير ذاته وأنت تقرأ هذا السّيل الكبير من اللّغة الإنشائيّة المادحة للقراءة، كأنّها العصا السّحريّة الّتي ستغيّر وجه العالم ومسار التّاريخ، وما يلاحظ على هذه المقالات، وخاصّة…

ماهين شيخاني

يُحارب السهر في الليل البارد، ظلاً يتنقل في الزمان بين قضبان الصمت، لا يكاد يميز الفجر من الغسق. ليس هناك أملٌ في عودة النور، ولا بادرة حياة تعيد له ذلك الدفء الذي كان يلامس قلبه، كما كانت تلامس همسات الذاكرة وجهاً مضيئاً. بعد وجبة صغيرة منحها إياه سجّانه، تبقى فتات الأمل وحيداً…