«المناهج بين التحنيط والتحديث»..

هيفي الملا

اقرأ على طلابي درسا بعنوان «آه ياوطن»
عن حزن طائر مسجون في قفص قضبانه ذهبية، يتوفر له الأكل والشرب والأمن، ولكنه يهزل ولايغرد، وعند فتح باب القفص له، يغرد جذلا منتشيا بحريته، ويطير ليحط على نبتة ذات أشواك. 
لم استغرب آراء الطلاب حول هذه القصة، التي احتواها المنهج الدراسي لترك عبرة وعظة عند الدارس ، ولم استغرب من المتعلمين، وهم يتهمون الطائر بالغباء والسطحية، كيف يفضل الشوك ويرفض الراحة، ولو توفر النت في ذلك القفص
لكانت الحياة متكاملة لاينقصها شي، لم يدركوا ماهية الانتماء، ولم تلهب مشاعرهم عبارات تقديس الأرض، وأضحكتهم كلمة الهوية وحب الوطن ولو كان شوكا. لم أنهر الطالب الذي سألته ألن تشتاق إلى شوارع بلادك لوهاجرت يوما عنها ؟ فتح النافذة مطلقا ضحكة مدوية هذه الشوارع بالتأكيد لا. 
المناهج المدرسية التي تزود الطلاب ب المعرفة والعلم وتغرس في نفوسهم القيم الإيجابية، هل باتت مثار تساؤل ومحل هاجس، هل باتت موغلة في القدم لدرجة لاتستوعب كمية التحديث والتسريع والتسويق التي طالت الأذهان ، وهل تحولنا نحن المدرسون إلى نماذج محنطة، وهل باتت المنظومة التي كنا نطلق عليها قيم وشعارات انتماء وحنين، أضحوكة جيل اليوم، هل هناك منهج خفي ومستتر يطغى على الظاهر الجلي، وهو الأبلغ تأثيرا ويشكل صورا غير واضحة عن الذات و الهوية.
بكل تأكيد المدرسة ليست أداة لإعادة إنتاج الأمر الواقع بكل سلبياته واختناقاته، ولا يرغب أي معلم ناضج معرفيا بتدجين الطلاب وتنميطهم، و النضوج والمرونة والتوازن، يتطلب قدرة الطالب على الربط بين ماهو موجود على أرض الواقع فعلا، وماتخلفه ثورة المعلومات من ثقافة وسلوكيات مستهلكة، وبين ماهو موجود بين طيات كتب تشهد تحديثا ربما ، ولكن ليس بمستوى الغزو العصري الذي سلب عقول وبصائر الطلاب، حتى بات التعامل مع المعلومة السريعة العابرة هو الأساس، فمتى يسرد المعلم قصص التاريخ ووعاظ السلاطين ويقطع بحور الشعر، ويلعن تقسيمات المستعمرين وظلم الجغرافية وزور التاريخ. 
كيف نقلل هذه الهوة بين القيم المحفوظة في المناهج والكتب، وبين الطالب الصارخ الراكض، كيف نقلل الحواجز بين الأمس واليوم، دون أن يفقد التاريخ عبقه والقيم أصالتها، ودون يفقد الطالب عفويته وبراءته وذكاءه الذي يجب أن يواكب مسيرة العصر. 
فكرت بذلك وضحكات الطلاب ترن في مخيلتي ، عندما تحدثت لهم عن حبنا لوطننا وتعلقنا به، حتى لو كان شوكا وأنقاضا وركاما، مقتنعة تماما أن دورنا لايكمن في تلقين المنهج حرفيا، وهو يكتسي عباءته التاريخية المزركشة في خيلاء ، بل بناء شخصية الطالب القادر على التوازن وأخذ مايفيد ونبذ العقيم، وهذا بلاشك يتطلب أن يكون التربوي ذو معرفة تخصصية، إضافة للثقافة العامة، وإن تكون العلاقة بين المعلم والمتعلم علاقة إنسانية، تتجاوز الزمكان في أثرها، ولكن إن حدث العكس، وأصبحت العلاقة مبنية على الجفاء والتوتر والاعتراض والاحتجاج الدائم على مايبدر من الطالب من سلوكيات تدخلت فيها التكنولوجيا والغزو الإعلامي بشكل صارخ هنا سيضعف الجسد التربوي لامحالة، وستصبح العملية التربوية جسد بلا روح، حيث المعلم يلقن ويصرخ احفظوا فقط هذه مهمتكم، والتلميذ يضحك على المعلم وكأنه مومياء مقذوفة توا من رحم التاريخ.
يجب أن ندرك ونستوعب جيدا، أن هناك عدم توازن بين مستويين مختلفين من الخطاب، خطاب تبثه المدرسة أدواته الكتب والمعلم، وخطاب تبثه وسائط الاتصال وبعض أساليب التربية الأسرية، وخاصة عندما تجالس المستخدمات  والجليسات الأطفال أكثر من الأب والأم ، ومن هذا الضياع تنفرز عدم وضوح الرؤى في القيم المبتغى ترسيخها في أذهان الطلاب ونفوسهم. 
لم أضرب براحة يدي غاضبة على الطاولة، والطلاب يضحكون من سذاجة شاعر يتأوه “آه لو عدت هذه المرة”
بل شعرت بالتعاطف مع طالب يقضي ساعاته الطوال هنا في الحرم التعليمي، وساعاته الأطول أسير التابلت والحاسوب وأجهزة الاتصال، فهل ألومه إذا تحول إلى شريحة أو رقم، بالطبع لا.
برمجة صعبة ومتداخلة تحتاج إلى تدخل وتوازن ووعي، ففي الحياة أشياء قد تصدأ بفعل الزمن، ولكن هناك قيم وسلوكيات تبقى مابقينا، و يبرز دورنا بإيصالها من منظور ورؤية نابعة من فلسفة تربوية محددة وواضحة، مع التركيز على المهارات، ولاضير إذا ألبسنا أساليبنا التعليمية ثوبا عصريا، في طريقة مؤثرة وفاعلة أكثر من سرد الحقائق وتحفيظها عنوة. 
نعم هنا يكمن الدور، أن نتحول من التلقين إلى المساهمة وممارسة التفكير الناقد ومناقشة الفكرة لا فرضها، كل بيت شعري قابل أن يستحدث ليناسب عقل المتلقي وثقافته دون أن يفقد قيمته ومضمونه، وكل نص كتبه الأديب على شاطئ غربة، وكل قصيدة تمزج جمال المحبوبة بجمال الوطن جميلة وتحتفظ بقيمتها، وستصل للطالب الذي يتقن الرموز واللوغاريتمات ، وبجيد التعامل مع أزرار الحاسوب، أكثر من صفحات كتب الجغرافيا التاريخ وقصائد الانتماء، ولكن ذلك يحتاج لطاقة معرفية، لامنهجية من كادر تدريسي واع، وعائلة تنظم اهتمامات الأبناء، وتوازن بين الأصيل الباقي والمكتسب العابر، و بالتأكيد مناهج قابلة للتحديث والتطوير بما يتناسب وعقول الطلاب وسرعة المعلومة وقيم العصر الذي يعيشون فيه. 
ولا أدري إن كان هذا التعاون ضرب من الأمنيات، أم ممارسات ممكنة الحدوث، ليبقى التوازن قائما بين الأمس واليوم، بين المعلم والمتعلم، بين كتب التاريخ والأدب وشاشات الحواسيب وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ربما تكون الرسالة صعبة التبليغ، لتكون قادرة على الاحتفاظ بجمال القيمة وضرورة المادة، ولكنها بالتأكيد ليست مستحيلة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…

ماهين شيخاني

ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…