سلامٌ على ذاكَ الوحيد

فراس حج محمد| فلسطين

1
أصحو باكراً جدّاً
رأيت أبي يضحك في وجهي
يصافحني
أقبّل رأسه
وأسأله عن حاله:
يمرّ أمامي مثل نور بهيٍّ
يخطو كأنْ لم يفقد الكلام والمشيَ مذُ ثلاثِ سنينْ
2
أصحو باكراً جدّاً
تدقّ الساعة في رأسي
في العتمة التي تحيط بي، تأخذني إلى ملاذي الأخير
زوجتي عن يساري
وطفلتي الصغيرة غافية بسلام كبير
هادئتان تماماً مثل ظلّ القمر
أتفقّد الوجهين في العتمة السائلةْ
أقبّل الوجوه الثلاثةَ باضطرابٍ غريبْ
أسمع صوت الله ينادي للصلاةِ
أرى أبي ثانية يساندني لأقفْ
3
أصحو باكراً جدّاً 
الوقت بعد الثانية صباحاً بقليلْ
يبادلني الحزنُ أطرافهُ
ويقيم فيّ حفلتهُ
نبكي معاً على ذاك الجدار الذي ظلّ يسندني خمسين عاماً 
ثم غاب في ظلال الأمكنةْ
الصورة الآن واضحة يا أبي:
وحيداً صرتَ 
ومثلكَ صرتُ وحيداً دون أبٍ صديقْ
دون نهر وغناءٍ 
دون وقتٍ وحكاياتٍ ودليلٍ وطريقْ
الصورة الآن واضحة يا أبي:
كأنّك حيٌّ
بل إنّك حيّ وحيّ وحيّ
4
أصحو باكراً جدّاً
أرتّب الوقت كما يحلو لحزينٍ جرّه الموتُ لأطياف الحنينْ
كأنْ لم يغب عن المشهد الكليّ أيّ أبٍ منذ آدمَ حتى آخر لحظةٍ من عمر هذا الكونْ
أحدّث الزملاء عن “أبتي”
فينشرح الوجهُ تارةً 
وتارة يغلبني الطينُ والقدر الإلهيُّ وأنفاسُ قلبي المثقّب بالأنينْ
ينحدر الكلام على شفتيّ
نسقط في الصمتِ
وحدها العينان تأخذ بالحديث الشجيِّ 
عن الذكرياتِ والوجعِ الشقيِّ
5
أصحو باكراً جدّاً
يأخذني الوقت والتاريخ والذاكرةْ
مرّ شهر يا أبي 
عاد الجميع إلى عاداتهم
أفراحهم
أعمالهم
لكنّ- وحدك- قد بقيت هناك تحت الشجْرة الخضراءَ 
تنبت في أعالي الشجرةْ
غصناً فتيّاً ونديّاً وجديدَ الورقةْ
مثقل الأغصان- يا أبتي الرضيِّ- بشهدِ الثمرةْ
6
أصحو باكراً جدّاً 
يأخذني المكانُ الطاهر المبتلّ برائحة الجسد المسجّى كالعقيقْ
تحدّثني يا أبي عن:
كيف أعدتَ ترتيب المكانِ في الحفرة الطيّبة
وكيف صادقت جيرانك الطيبين في المقبرةْ
وكيف صرت تبني الحكاياتِ لهم فقرةً، فقرةْ
كي لا تشعرَ –مثلي- بالوحدة الجارحةْ
7
أصحو باكراً جدّاً 
لا أعرف غير وجهك الضوئيّ في هذا الظلام المخيفْ
سلام عليكَ أباً لا مثيل لهُ
في الفرح
والحزنِ
والراحلينْ
سلام عليك- أبي- إلى يوم أن يلتقي الطيبين بالطيبينْ
طبتَ حياً خالداً في الخالدينْ
كانون الثاني 2023

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

في حوار أجراه الكاتب إبراهيم يوسف مع الشاعر محمد شيخ عثمان وردت معلومتان خاطئتان ربما لتقادم الزمن مما يستوجب تصحيحهما للأمانة التاريخية. المعلومة الأولى تتعلق بتأسيس “جائزة أوسمان صبري للصداقة بين الشعوب”، إذ قال الشاعر محمد شيخ عثمان إنها “تأسست في أورپا”، لكن الصحيح أنها تأسست عام 1998 في بيت المرحوم أوسمان صبري في دمشق…

ا. د. قاسم المندلاوي

نقدم في هذا القسم نبذة مختصرة عن فنانين عاشا في ظروف اقتصادية وامنية صعبة ابان حكم القوميين والبعثيين في العراق، والتحقا بصفوف ثوار كوردستان (البيشمركة الابطال) دفاعا عن شعبهم الكوردي ضد الظلم والاستبداد، اللذين لم يرحما حتى الطبيعة الجميلة من اشجار مثمرة وطيور وحيوانات في جبال…

شفان الأومري

 

تَنْبَثقُ هذه المجموعة القصصيَّة من قلب البيئة الشَّعبيَّة حيث تتجلَّى بساطةُ العيش لا بوصفها سذاجة، بل كحكمةٍ يوميَّة تختفي في تفاصيل الحياة الصَّغيرة.

وقد سعى الكاتب عبر جهدٍ واعٍ ومثابرة إبداعيَّة إلى أنْ يمنحَ هذه العوالم صوتاً يُخرجُها من هامش الصَّمتِ إلى فضاء القراءة والتَّلقي.

فالحكاياتُ هنا لا تُروى لمجرد التَّوثيق، بل لتعيد تشكيل هذا العالم…

شعر: فقي تيران
ترجمها شعرًا: منير خلف

أنت المحبوبةُ
لا تنسَي أنّكِ أنتِ المحبوبَهْ

لا تنسَي أنك حين جرَحْتِ القلبَ
أضعْتُ الحلَّ المعقودَ بوصلكِ
يا من دونك لا أملكُ شيئاً
أشيائي دونَكِ يا ذاتي مسلوبَهْ.

قلبي مبتهجٌ بحضورِكِ،
لكني المصفودُ بقيد غيابِكْ

عطِشٌ لزُلالكِ،
مشتاقٌ لكتابِكْ

أجنحتي من ضوءٍ
تسعى تحليقاً
كي يقطفَ نجواهُ العليا من أعتابِكْ.

قدري يا ذاتَ الحسنِ
زجاجةَ أقداحي الرّوحيّةَ،
ريحان البيتِ
رشيقةَ قدٍّ ..
ساحرة اللحظِ
رقيقةَ إحساسي الأعلى،
أتلوّى…