أوتيل نوبل

إبراهيم محمود

لنوبل خمس نجوم
ذلك نصيبه من الاعتبار السياحي
شهادته المحلّقة أعلاه
مفتوحة على الجهات
النظر عالياً حُرٌّ تماماً
كيف تحلّق النجوم الخمس في فضاء نوبلها؟
من أجاز لها هذا التحليق بمقاييس معلومة؟
كيف جيء بالاسم نوبل
ليكون له وقعه المفارق لصورته؟
ليس نوبل كتلة خرسانية
ليس مجرد مساحة يلوّح بها المكان
إنه مكان مستحدث يغطي على المكان
ثمة إملاء لفراغات وامضة لمن يهمه أمر مبنى متعدّي المكان
لنوبل مظلّة بمهبط فضائي
يتراءى الشعور براحة تنعش المكان
هوذا عرْف نوبل بذائقته الهندسية 
أي إشعار جمالي أفضى بنوبل لأن يصعد بثقله المهيب؟
( في مدخل الأوتيل تتمازج انطباعات- للألوان شهادتها، لفضاء المكان سريان فعله المرئي- لمَا هو معلّق من صور وخلافها ما يمنح المكان أكثر من أبعاد ثلاثة )
أوتيل نوبل
يداعب صداه الذي لا يكف عن التماوج إلى مساحات ومساحات تترى
كما لو أن الخرسانة ممنوحة أجنحة لامرئية يؤخَذ بها المكان خفيفاً كرفة فراشة لاهية
أوتيل نوبل
رابضاً في المكان
لا يروم حراكاً
أي نوع من الهواء يتنفس ؟
عيون تتقاسمه من الجهات كافة
من بعيد يضيء في الليل
أي ضوء يكون في الداخل ؟
من بعيد يُرى الاسم بخط كبير نهاراً
من ذا الذي يطالع اسمه دون انقطاع ؟
أي مسمَّى للاسم في الداخل يكون ؟
ممتداً في المكان
عريضاً، عالياً
أي لعبة يمارسها ماسكاً بالأرض بإحكام ؟
ساعياً إلى فرْض حضوره الاسمي
سمْعة أعِدَّ لها كغيره
إنما ما يبقيه متميزاً
موهبة في البناء
موهبة في الخدمة
موهبة في ترْك الأثر
كما هو المتوخى منه
ليكون له المردود المرسوم
عبْر صدى يتعدى حدوده المكانية
لغة الحسابات المالية بارزة هنا بجلاء
هوذا أوتيل نوبل
( لا دعاية مقرَّرة لأدوات طعام في الخلف- الوقت صباحي- التخمينات متبارية-ثمة انطباعات معزَّزة بأسماء أطعمة يُفتَتح بها أول النهار- حيث الفطور حاضر بمغذياته ..)
بوابة كبرى منصوبة للخارج
مقلوبة على الداخل
بوابة في حيرة دائمة من أمره
في انتظار دائم لمن يقترب منها لتنفتح
في انتظار دائم لمن يعبرها لتنغلق
ليس في مقدورها القول: لقد تعبت !
بوابة تتثاءب
تتنفس قياماً
يضجرها انتظار زبون مجهول
لكم تلعب على الوقت
لكم تدخل في رهان الحساب
حتى بلّور الواجهة مثقَل بالانتظار
قلق الانتظار يسربل على جغرافيتها كاملة
الحركة المرئية للبوابة تقول ذلك
اليقظة في هواء المكان
في شفافية المكان
في مدى مقدَّر مطلوبة تماماً
تتحرك البوابة أوتوماتيكياً
العاملون خارجاً، داخلاً هم أنفسهم إجمالاً
التعليمات تنفَّذ بحذافيرها
لكل خطوة اعتبارها المرسوم مادياً
لا شيء يخرج عن دائرة التعليمات
الكاميرات تشغل المكان
أحياناً تتغير المشاهد
تبعاً للذين يأتون إليه
لكنها البوابة نفسها المتحركة أوتوماتيكياً
لا فرق بين ليل أو نهار
بين برد نافذ
وحر يتدفق خارجاً
لا مبالية تتحرك البوابة
لامبالية تصمت
***
الالتزام بالقواعد الموضوعة ملحوظ
ثمة البهو
ثمة الاستقبال
ثمة المسجَّل المطلوب في اللوائح الاسمية
ثمة أرقام الغرف والأسماء المرتبط
لا صور ملتقَطة
معلومات محددة، مطلوب تثبيتها
الابتسامات المشدَّد عليها يتم إظهارها
متطلبات العمل محفوظة حسابياً عن ظهر قلب
يدخل القادمون
يخرجون بعد مدة
يبقى الأوتيل في مكانه
الغرف كما هي في لامبالاتها
الجدران حيادية
الحمامات
الممرات
المصعد الذي يتم تشغيله في صمت
ربما تكون هناك آثار يخلّفها الزبائن
أصوات قد تتردد بإيقاع منخفض في جنبات الأوتيل
لكنها تختفي سريعاً
ليس للأوتيل ذاكرة محفوظة
ليس للأوتيل قلب ينبض كبيت أهلي
ليس للأوتيل عينان تنفتحان فرحاً للقادم
وترمشان حزناً على مغادرته
ليس للأوتيل يدان للمصافحة
ليس للأوتيل حضن للعناق
الحسابات أبعد ما تكون عن التشخيص
ثمة صور معلقة هنا وهناك
لا فن يُشهَد له بمتعة روحية
الأرواح لا تعمل هنا
عبارات من باب الدعاية هنا وهناك
لراحة الزبائن
ذلك هو سريان فعل المرسوم تنفيذه
كل شيء مقرَّر سلفاً
ما يجب القيام به
لعل المردود يزداد
إقامات متباينة
كما لو أن الزبائن أطياف
كما لو أن المكان معزول عن اسمه
كما لو أن الزمان طية واحدة
وحده الزبون يحمل ذكرياته الفندقية معه
لا شأن للأوتيل بتلويناته
***
يمكن لمطعم الأوتيل أن يقدّم الكثير من المشهيات
لا شأن للأطعمة بالعائد الذوقي
إنها حسابات مدروسة على صلة بالأوتيل
الأطعمة نفسها
للجميع أنفسهم
الطاولات نفسها
أدوات الطعام هي ذاتها
هم الأشخاص من يختلفون
ليس للأصابع دمغات على الملاعق 
للصباح وزنه
للمساء وزنه
أطعمة صامتة صباحاً
أول الصباح يستيقظ مأخذاً بحساب الساعات القادمة
أطعمة صاخبة مساء
يستيقظ الليل مأخوذاً بحساب الرغبات
طيّ حساب المنادمات
روائح الأطعمة تصاهر روائح الأحاديث
تخلصاً من ثقل النهار وأعبائه
دخان السجائر المرئي يتماذج مع دخان الطرائف والنكات
طاولات تنبسط بأطعمتها
أيد مرحة تمتد إلى الأطعمة بخفة الروح
ليل المكان المضاء طلق المحيا
من خلال الحضور الذي يملأ المكان
ما هو ليلي ليس ما كان نهارياً
اللانظام مستجاب
إنه وقته تخفيفاً من وطأة المنفذ نهاراً
الليل يمضي عميقاً
أصحابٌ للتو يغادرون كراسيهم صحبة ذكريات قيد التخمُّر
ترددات أصواتهم تتبعهم 
الراحات تترك بصمات ملامسها على حوافي الطاولات
لا بد من شهود لامرئيين لتطرب ردهات نوبل
***
إنما…إنما في نوبل هذا
لا آثار تبقى كلياً
تجنباً لأي حساسية
الحرض على المحو واجب
العمال بأصناف وظائفهم
يخضعون لنظام دقيق
ملحقون بالأوتيل
والأوتيل بصاحبه
وصاحبه بحساب الربح والخسارة
والعواطف بدورها تتلون بمتغيرات الحساب
ذلك ما يجري على مدار الساعة
لا مجال للخطأ
لا مجال للصواب
طالما أن الخطأ مراقَب بدقة
إرضاء الزبون مطلوب
تبعاً للزبون
تلك هي القاعدة التجارية المحروسة
الابتسامة معمَّمة على العاملين جميعاً
ذلك هو المردود الاقتصادي المأخوذ به باتقان
أهلاً وسهلاً للقادم 
رافقتك السلامة للمغادر
عبارة من بُعد واحد
ناطقها خط محفور في لوحة
اللوحة مستنسخة معلقة في الجهات المخصصة
الأوتيل في الخدمة
بعيداً عن أي حساب عاطفي جانبي
ليس الأوتيل لأي كان بعينه
الحسابات الجارية بالأرقام والأسماء المسجَّلة
هي التي تمنح الأوتيل قيمة سياحية مسجَّلة
قيمة دعائية
اعتبارية
كل ما يخص العواطف، والمشاعر
موجَّه في مسار المكسَب المادي
لا علاقة للقرابة بالموضوع
لا علاقة بأي بروتوكول جانبي
درجة الحرارة الاعتبارية للأوتيل ثابتة
تقبَل الشكاوى عند اللزوم
ليس لإرضاء الزبون حصراً
انعدام التشخيص مشدَّد عليه
لجعل الأوتيل محافظاً على سمعته
لجلب المزيد من الزبائن
وليس إثارة المزيد من المشاعر
نعم، التجريد سيّد الموقف
بينما في الخلف
على مسافة معينة
ثمة من يتابع حساباته
وتتلون مشاعره وعواطفه
ودرجة حرارته النفسية
وهي تستغرق الأوتيل بكامله
ذلك هو المعني بالأوتيل
وليس سواه !
***
نغادر الأوتيل
نشعر وكأن الأوتيل يُسمِعنا صوتاً 
ليتكم تعيدوها 
ظهرنا للأوتيل
وجْهنا إلى الأمام
تتقاسمنا طرق الجهات
*-ملاحظة: أوتيل نوبل، من الأوتيلات المعروفة في أربيل ” خمس نجوم “، أمضينا فيه ثلاثة أيام مشاركين، باحثين وضيوفاً من مناطق مختلفة من إقليم كردستان- العراق، وخارجه، في المؤتمر العلمي الدولي للإبادة الجماعية ضد شعب كردستان (الإبادة الجماعية للكرد الفيليين)  : 2-3-4/ 5-2023. وهذا النص احتفاء بمكان وزمان لهما اعتباراتهما الخاصة جداً .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…